رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أشباح ملثمة .. وأنغام في الأوبرا

د.وفيق الغيطانى

الجمعة, 15 فبراير 2013 00:01
بقلم: دكتور وفيق الغيطاني

< المطرب صاحب الصوت الجميل محمود درويش كان قد دعاني لحضور حفلته علي مسرح الأوبرا وكانت ليلة شتاء حالكة وبالرغم من البرد القارس والمطر كان من الصعب الحصول علي مكان حيث توافدت الجماهير بأعداد غفيرة لسماع محمود وباقي أعضاء فرقته «كنوز».

< طبعا المكان فخيم ودافئ والألحان تدغدغ المشاعر، والأحلام تداعب القلوب لتذهب بالعقول لذكريات عبر أفق الخيال، فجزالة الشعر وعذوبة الألحان وحلو الأداء جعلنا نسبح في نعيم الحب وذكرياتنا ونحن الآن نعيش خريف العمر، حيث كان الزمن الجميل الذي نتذكره من خلال كلمات رقيقة وألحان عذبة ووجوه صبوح لعذاري وسيدات أنيقات تملأ المكان بهجة وسرورا.
< كل هذا والوقت يمر بسرعة البرق، فلم نشعر إلا بانقضاء الوصلة الأولي حيث أضيئت أنوار الصالة تدريجيا في عذوبة ممتدة من عذوبة الألحان.
< وبالرغم من علامات النشوة والسعادة علي الوجوه إلا أنه دار حوار حزين حول ما وصلت إليه مصر ومحاولة خطف وأخونة الدولة بمعرفة المتأسلمين المتطرفين والعمل علي القضاء علي تراثها وأمجادها وريادتها الثقافية والفنية وحرية الإبداع.
< قارنا بين مصر أيام الزمن الجميل ومصر الآن المكتظة بالعشوائيات والتجاوزات وإهدار القانون والعدل والانفلات الأخلاقي والأمني وكثرة الميليشيات التي ترهب وتهدد المصريين الآمنين الطيبين الصامتين.
< أطفئت الأنوار مرة أخري وبدأ محمود درويش يشدو بألحان الموجي وعبدالوهاب ومحمود الشريف وداود حسني وحلمي بكر ونحن لا نشعر بمرور الوقت من فرط النشوة والسلطنة وذكريات الماضي الجميل.
< أما الشيخ زكريا أحمد كان له نصيب حيث «أنا في انتظارك

مليت» بأداء محمود المتميز الذي جمع بين أداء أم كلثوم والشيخ زكريا في مزج عبقري جعلني أتمايل طربا. ولم أشعر إلا وأنا تائه في ملكوت آخر.. فعلا لقد انتظرت طويلا ومليت من كثرة الانتظار وطال عمري وأنا أعيش بين حطام مصر وقسوة البشر بعد أن دمر العسكر طوال ستين عاما الإنسان المصري وحولوه الي ماريونيت صامت وتحول في نفسي الغزل في عشق الحبيبة الي عشق مصر الحبيبة الأكبر.
< شريط سينما يدور أمامي ونحن في ميدان التحرير وكان البرد قارسا أيضا لنحاول أن نسقط نظام مبارك الفاشي ونجحت ثورة 25 يناير وسقط النظام فعلا ولكن استولي العسكر علي الثورة وسقطوا هم أيضا بعد أن سلموا مصر الي الإخوان والتيار المتأسلم المتخلف.
< وكانت الطامة الكبري فأجهضت الثورة في مهدها وسيطرت جماعات الإرهاب علي مفاصل الدولة واحتلوا مصر فهم أشد فتكا من العسكر.
< فجأة وجدت مجموعة من الملثمين تدخل قاعة المسرح من كل جانب وأصواتهم تعلو علي صوت الموسيقي بصراخهم وهتافاتهم وتطايرت الرؤوس وانطلق الرصاص من كل مكان وساد الهرج والمرج وقتل من قتل وجرح من جرح وزاد الصراخ والعويل بدلا من الأنغام والأحلام.. كل ذلك في لحظات وطبعا لا يوجد في مصر الآن شرطة ولا دياولو، الشرطة غرقانة في حسابات
أخري تربي اللحية ولا تحلق اللحية.
< شاهدت النخبة المحترمة من المصريين وأغلبهم كبار السن يتساقطون فزعا ورعبا وقتلي وكانت هتافات المتأسلمين تذكرني بهتافات كانت تلقي علي كفار قريش ونحن الآمنين الموحدين بالله المصريين المسالمين.
< كل هذا يدور وأنا مختبئ أسفل أحد المقاعد في الركن البعيد المظلم أكتم أنفاسي وأرقب ما يجري من حولي في فزع ورعب بيّن ودموعي تنساب حزنا علي مصر.
< في حركات سريعة الكل يعدوا هربا الي الشارع أخلوا المكان من الجثث والجرحي وألقوهم علي أسفلت الطريق.. منتهي الوحشية وأصبح المكان خاليا من البشر وتناثرت هنا وهناك آلات الموسيقي التي كانت الألحان تنساب منها وتحولت الي حطام وكأنها تبكي ما يحدث.
< فوجئت بعيون خلف نقاب أسود لسيدات خشنات المظهر يسرعن في صمت رهيب ذهابا وإيابا لكي يغيرون معالم المكان ويحولوه الي سكن جماعي لأنهم ضد الثقافة والفنون التي يعتبرونها رجسا من عمل الشيطان، متخلفون لا يعرفوا شيئا عن الإسلام.
< كل هذا يحدث وأنا قابع تحت الكرسي مرعوب أكاد أصرخ من فرط الدهشة وحسرتي علي مصر قبلة الفن والحضارة.
< كيف لي أن أفرح من هنا سالما خطر علي بالي أن أنتحر بشرف فانطلقت صارخا ماذا تفعلون بمصر.. مصر أم الدنيا؟
< وفي لحظة لم أشعر إلا بضربة قوية علي أم رأسي فصرخت صرخة مدوية علي إثرها سكتت الموسيقي وصمت محمود درويش في ذهول، نظرت الي الجميع من حولي وجدتهم في صمت ودهشة، سقط علي الأرض فاقدا الوعي لحظات ثم غدوت مسرعا الي خشبة المسرح وعلي صوت درويش وهو يشدو في حب مصر.
< كان حلما مرعبا لما يمكن أن يفعله الجهلة المتخلفون بمصر فسيناريو أخونة الوطن مستمر ولكن الشعب المصري أعرق وأقوي منهم وقريبا ستزول الغمة وستقوم الثورة الثانية وتظل مصر رائدة الثقافة والفن وحرية الرأي وحرية الإبداع.. مصر بلد الأزهر والوسطية.. مصر أم الدنيا.
---
المنسق العام لحزب الوفد