رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

سلطات رئيس الجمهورية و التخبط الفقهى فى الفترة الانتقالية

بقلم :دكتور وجدى ثابت غبريال

الجدل الفقهى حول الاشكاليات الدستورية التى صاحبت و لازالت تصاحب الفترة الانتقالية سببه الى حد كبير هو عدم وجود فترات سياسية انتقالية فى النظام الدستورى المصرى تسمح للمتخصصين فى القانون الدستورى ان يفكروا بعمق فى تنظير و تاصيل و تحليل هذه الفترات الدقيقة فى حياة الشعوب. و على الرغم من حالة الضيق و الضجر عند الكثيرين كلما راوا قانونيا او حقوقيا يدعى علما بالشئون الدستورية-

  و هو شعور انتابنى شخصيا- نقول رغم ذلك نحن مضطرون ان نخوض هذه الفترة من خلال تقابل بل و تناطح الافكار المتناقضة لسبب واحد وهو اننا لم نفكر من قبل كاساتذة قانون دستورى بالجامعات المصرية  فى هذه المشكلات بعمق كاف. على ان هذه  ليست حالة الفقه الدستورى الفرنسى . فعندما شرعت فى اعداد رسالة الدكتوراه فى فرنسا حول هذا الموضوع  هالنى  كم الكتابات و التحليلات العلمية  و المشاكل التى اثيرت  منذ الاربعينات فى فرنسا .و يمكن القول ان اول دراسة حول  احد الموضوعات التى نتخبط فيها بمصر حاليا و هو السلطة التاسيسية  ترجع الى رسالة دكتوراه نوقشت سنة ١٩٠٠ فى فرنسا اعدها الاستاذ لافونتان.   

على ان ذلك ليس هو السبب الوحيد فى التخبط الفقهى الراهن الذى نلحظه. لان هناك سبب اخر : وهو  تطويع و توظيف المبادئ الدستورية العلمية لخدمة مصالح سياسية و حزبية. مثال ذلك: نظرية الامتداد التلقائى لسير مجلس الشعب فى اعماله رغم صدور حكم من المحكمة الدستورية ببطلان القانون الذى قام عليه انتخابه و حكم ثان بالاستمرار فى تنفيذ الحكم الاول و وقف تنفيذ قرار رئيس الجمهورية الذى يشكل عقبة على تنفيذ الحكم.
فلا امتداد تلقائى الا بنص و لا امتداد تلقائى لعمل جهاز قضى ببطلان الاساس القانونى لوجوده منذ قيامه. و الامتداد التلقائى هنا هو طرفة او دعابة تثير الضحك فى مواجهة العجز الفقهى الكامل عن التحايل امام الحجية المطلقة  للشئ المقضى به. لان المضى فى العمل هو انتهاك صريح للالتزام بتنفيذ الحكم ببطلان المجلس الذى ليس بحاجة الى اى اجراء اخر. و ليس للادارة هنا كما قيل خطا اية سلطة تقديرية فى  تنفيذ او عدم تنفيذ الحكم القضائى البات و النهائي. 

مثال اخر للاخطاء التى تحدث بلبلة فى اذهان المصريين و هو الزعم الكاذب بوجود معاهدة دولية تبيح وجود مجلس انتخابى مبنى على اساس قانون انتخابى باطل و غير دستورى و مقضى بعدم دستوريته. و اتحدى مروج عذا الزعم ان يقدم النص المسجشار اليه من المعاهدة المشار اليها . ذلك ان حق

الشعوب فى تقرير مصيرها لا يعنى الابقاء على مؤسسات غير مشروعة مقضى عليها بالبطلان و التسليم بذلك هو عدوان صارخ على سيادة القانون و الدولة القانونية و هو ما تحظره بالفعل المعاهدات الدولية . اما الادعاء بان العهد الدولى للحقوق المدنية و السياسية يبيح لحزب ان يستمر فى الحكم  من خلال مجلس مقضى ببطلانه انما يعبر عن جهل بالقانون او سوء نية فاضح. فبعد سنوات طويله من تدريس العهدين الدوليين فى الجامعات الفرنسية و مختلف التفسيرات الحكومية الوطنية و الدولية لهما  لم ار تخريجا من هذا النوع قط الا فى مصر - و بالصدفة المحضه قطعا - تخريج خرج علينا به مستشار رئيس الجمهورية للشئون الدستورية و القانونية!. 

ان موضوع سلطات الرئيس هو المثل الاخير فى التخبط الفقهى:

اولا. السلطة التنفيذية قد انتقلت للرئيس بكاملها بما فى ذلك سلطة تنظيم و انشاء و الغاء المرافق العامة للادارة. و كذلك كافة سلطات الضبط الادارى الكافلة لحفظ النظام العام و الصحة العامة و السكينة العامة و ايضا سلطة اتخاذ اللوائح التنفيذية الكافلة لتنفيذ القوانين بما لا ينطوى على مخالفتها. و يضاف الى ذلك السلطات الرئاسية المنصوص عليها فى المادة ٥٦ من الاعلان الدستورى الصادر فى ٣٠ مارس. و التامل فى و مدى  و اثار هذه السلطات  يجبر اى متخصص علىالاعتراف بان مداها و نطاقها ليس بالقليل و لا بالهين. 

ثانيا. لا يسعنا ان نسلم بسلطة الرئيس فى الغاء اقواعد الدستورية الواردة فى اى اعلان دستورى  كان لان ذلك يعنى ببساطة مصادرة السلطة التاسيسية و هو ما يعنى ايضا القدرة على وضع قواعد دستورية او تعديلها . فاذا كان المجلس العسكرى له هذه السلطة لسلطة واقع على رئيس الجمهورية ان يفهم انه سلطة قانونية و دستورية اتت بها الاجراءات الانتقالية التى اتخذتها سلطة الواقع الانتقاليه- وهى المجلس العسكرى- و التى انتهت بالانتخاب ليعبر به الرئيس من سلطة الواقع الى سلطة قانونيى ودستورية لها صلاحيات السلطة التنفيذية المشار لها سلفا بالاضافى الا الصلاحيات المقررة فى المادة ٥٦ من الاعلان الدستورى.

ثالثا. هل كان من الافضل ان يحدد الاعلان الدستورى الصادرفى ٣٠  مارس كافة الصلاحيات الكاملة للرئيس؟  بالطبع لا

! و لو فعل المجلس العسكرى ذلك لاغتصب سلطة الشعب فى اقرار  الصلاحيات الدستورية للرئيس بالكامل و التى سوف ترد فى الدستور الجديد بمجرد العمل به. اذ ان ليس من الجائز لا سياسيا و لا دستوريا ان يصادر العسكرى على صلاحيات التاسيسية باقرار سلطات فى اعلان مؤقت قد تختلف عن السلطات التى يقرها او لا يقرها الشعب فى الاستفتاء على الدستور الجديد والذى يطبق بصورة دائمة. و من الغباء ان نطالب بسلطات دائمة فى وثائق مؤقته.  

رابعا. بقيت السلطة التشريعية. و الظرف المؤدى الى اسنادها الى المجلس العسكرى هو عدم قدرة مجلس الشعب على الانعقاد و ممارسة مهامه الدستورية بعد حكم المحكمة الدستورية. و من الخطير جدا تركيز كافة السلطات التنفيذية و التشريعية فى ايدى جهاز واحد وهو الرئاسة . و السبب بديهى لاى متخصص فى الشئون الدستورية الاوهو ضرورة احترام مبدا الفصل بين السلطات التنفيذية و التشريعية. فمن المستحيل ان نسلم ان من يملك سلطة التشريع هو بذاته من يملك سلطة التنفيذ لما فى ذلك من خطر جسيم على الحريات العامة : و لنتخيل لحظه ان  الادارة تضع  بنفسها المعايير التى تدينك بها و هى التى تقرر متى تطعن على  قراراتها و متى تحرمك من  الطعن و كانها خصم وحكم فى ان واحد و من هنا وجب الفصل التفيذية و التشريعية و العهد بالثانية لجهاز اخر بصفة مؤقته لحين اختيار مجلس الشعب الجديد. اما القول بان من الطبيعى ان يتولى الرئيس السلطة التشريعية ايضا فهو غير جائز بدون نص دستورى يمنح الرئيس سلطة اتخاذ قرارات لها قوة القانون او لوائح الضرورة بشروطها و قيودها الدستورية المحددة. و من غير الصحيح ان غياب البرلمان - كما قيل - يؤدى ipso facto الى ان يتولى الرئيس سلطة التشريع بلا نص دستورى يرسم له شروط و قيود ممارسة هذه السلطة و الطبيعة القانونية لقراراته الشارعة و وسائل الرقابة عليها و هو ما يمكن ان ينطوى عليه الدستور الجديد و لكن الوصع الراهن لا يسمح به.

فى النهاية من المؤسف ان يسود فى مصر الان جو عام من الارهاب الفكرى مقتضاه ان ننعت  بالسوء - كذبا و بسهوله مشينة و بتعصب غبى - كل من يقول كلمة حق  ليست على هوى الحزب الحاكم . و ذلك بقول : انت من الفلول. و الغريب ان هذا التهام عادة يدار ضد من كانوا ضد مبارك و نظامه و هم فى ذات الوقت ضد الاساءة للقضاء و الاستحواذ على كافة السلطات دون تداولها.  و ان شئنا ان نعد عدد اساتذة القانون اصحاب الاقترحات النيرة التى اودت الى ما نحن فيه الان  من تخبط و ظهورهم الاعلامى المتكرر فى اليوم الواحد لوجدنا انهم لا يزيدوا على عدد اصابع اليد الواحدة  بينما الاغلبية الكاسحة من اساتذة القانون لم تنس بديهياته فى سبيل منصب او سلطة و كرسى او منفعة باعطاء الحاكم ما يريد ان يسمع طمعا فى رضاه.   

واحد " فلول" بزيت الزيتون و اتنين طعمية بالبيض و صلحه وحياة والدك.

------
استاذ القانون الدستورى و الحريات العامة
بكلية الحقوق و العلوم السياسية
جامعة لاروشيل- فرنسا.
عضو الجمعية الفرنسية للدستوريين.