رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حديث الشك (3)

د.هشام مصباح

الأحد, 19 يونيو 2011 17:50
بقلم: د.هشام مصباح

ماأسهل الشك! وما أصعب اليقين! ماأيسر السؤال! وماأعسر الإجابات! وفي فترات العتمة التي تسبق مطلع النور تتنازع الناس الشكوك، وتأخذهم الحير، فيصبح كل أمر ممكناً، وكل خاطر وارداً، وكل شائعة قابلة للتصديق، وكل يقين قابلاً للشك، ولكن التفكير الجيد هو طرح الأسئلة الجيدة والاجتهاد في البحث عن إجابات لها، وحتى يصير البحث بحثاً لابد من سير كل الأغوار، والاستماع لكل الأصوات، حتى وإن كان وقعها نشاذاً على أذنيك.

ربما كان من أكثر نظريات المؤامرة رواجاً ما طرحه الصحفي والمؤرخ والباحث الاقتصادي الأمريكي "وليام إندال" في مقالاته ولقاءاته الإذاعية والتليفزيونية، إذ يتبنى فكرة أن الولايات المتحدة قامت بدور في الإعداد للثورة المصرية كما فعلت في ثورات الجمهوريات السوفيتية السابقة مثل أوكرانيا وجورجيا، وأن وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) بدأت في الاستعانة بنخبة من العقول للتخطيط لإسقاط الأنظمة منذ 1968 (ثورة الطلاب وإسقاط ديجول). ومن ثم قامت مراكز البحث (مثل مؤسسة راند) والمنظمات غير الحكومية (مثل فريدم هاوس) بدور مؤثر في جمع المعلومات، وتدريب النشطاء، وتقديم المشورة للحكومة الأمريكية للإطاحة بالأنظمة القمعية في الشرق الأوسط وآسيا الصغرى. ولكن كان على السيد "إندال" أن يجيب على تساؤلين مهمين لشرح نظريته: ما الدافع؟ وما الدليل؟

أما الدافع للتخلص من الأنظمة القمعية فهو تجفيف منابع الإرهاب، ففي عام 2003 وجه الرئيس السابق بوش خطاباً إلى المركز الوطني لمنح الديمقراطية (نيد) ذكر فيه أنه "طالما استمر الوطن العربي مكاناً لا تزدهر فيه الديمقراطية، فسيظل مرتعاً للركود، والشعور بالنقمة، والجاهزية لتصدير العنف، وبالرغم من إمكانية التدخل العسكري لتحقيق الديمقراطية، فإن السبيل الأمثل لذلك هو عن طريق حركات الإصلاح الوطنية." وفي 2005 قال: "إذا سمح لشعوب (الشرق الأوسط الكبير) أن تحدد مصيرها، وتطور

قدرتها على المشاركة كرجال ونساء أحرار، فسوف يتم تهميش المتطرفين، وسوف يتباطأ تدفق العنف الراديكالي إلى باقي العالم." أي أن الأنظمة الديكتاتورية تصدر الإرهابيين، ومن ثم يجب أن تذهب وتحل محلها حكومات ليبرالية لا تقمع شعوبها وتلجئهم إلى التشدد والعمل السري".

أضف إلى ذلك إن إحساساً بدأ ينمو داخل الإدارة الأمريكية مؤداه أن مبارك قد شب عن الطوق وصار يعطي النصائح ويتصرف كما لو كان يملك مصر، فاعترض على خطط أمريكا تجاه إيران وعلى فكرة الشرق الأوسط الجديد (الكبير سابقاً) التي نادى بها صقور الإدارة الأمريكية.

يقول "إندال": إن خبرة المؤسسات الأمريكية في تخطيط الثورات البرتقالية في آسيا قد تبدت في مصر أيضاً، ففي نوفمبر 2003 اختارت المنظمات غير الحكومية الجورجية (التي تمول من أمريكا) لنفسها اسم "كمارا" وتعني في اللغة الجورجية "كفاية،" وهو نفس الاسم الذي تسمى به فصيل رئيس للمعارضة في مصر عام 2004. أما الباحثون في مؤسسة "راند"  فقد أمضوا سنوات في حبك وسائل سلمية غير تقليدية لتغيير الأنظمة أطلقوا عليها "الحشد على هيئة أسراب" حيث يتم تحريك حشود غفيرة من الشباب المرتبط رقمياً تتحرك بطريقة اضرب واجرى على شكل أسراب النحل. وقدمت "راند" نصيحة للإدارة الأمريكية في دراستها عن حركة "كفاية" المصرية مؤداها أن أي تحرك حكومي لتغيير الأنظمة سوف يزيد العداء لأمريكا، وبالتالي فإن الوسيلة المثلى هي دعم

المنظمات الأهلية وجماعات المعارضة لتقوم هي بالتغيير المنشود.

دليل آخر يسوقه "إندال" وهو استضافة وزيرة الخارجية الأمريكية "هيلاري كلنتون" ومساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط "هنري فيلتمان" في مايو 2009 لستة عشر ناشطاً مصريا حصلوا على منحة مدتها شهران من مؤسسة فريدم هاوس، ومن المعروف أن هذه المؤسسة لها تاريخ طويل في دعم تغيير الأنظمة من صربيا إلى أوكرانيا إلى جورجيا، والأجندة الأساسية هي إحكام قبضة أمريكا على منابع الطاقة وتحجيم كل من الصين وروسيا وأوروبا.

بقى أن نذكر أن "إندال" لا ينكر أن الوضع في مصر كان مهيأ للثورة ومنذراً بها، ولكنه يرى أن الثورات لا تحدث صدفة أو خبط عشواء، ولكنها تحتاج إلى التخطيط والإعداد، والثورة المصرية ليست استثناء في ذلك.

حسناً؛ ها قد استمعنا إلى الشيخ عمران وأليكس جونز في المقالين السابقين، واستمعنا هنا لإندال، فما الوضع إذن؟ هل كانت الثورة مخططاً خارجياً قرأ الفوران الداخلي واستثمره؟ هل ثار المصريون على مبارك وأسقطوه وهم لا يعلمون أنهم يحققون هدفاً خططت أمريكا من أجله؟ لا نحتاج أن نبذل مجهوداً كبيراً في الدفاع عن الثورة والثوار بتفنيد هذه النظريات، ولكني سأسلم جدلاً بأن أمريكا قررت التخلص من مبارك للتجهيز لمعارك إسرائيل (الشيخ عمران) أو تقليص النمو السكاني (جونز) أو تجفيف منابع الإرهاب (إندال)، فمن الطبيعي أن تحدد أمريكا مصالحها وتسعى إليها، ولكن من الغريب أن نجهل مصالحنا وأن نضر بها، إن كانت أمريكا قد سعت لإسقاط مبارك فشكراً لها، وإن تركنا الأمور تسير على النحو الذي أرادته أمريكا بعد مبارك فتباً لنا. خططت أمريكا أم لم تخطط، لقد كانت الثورة أكثر الأشياء منطقية بعد حقبة من العبث، وكان الانفجار هو الفعل الراجح بعد سد كل مسام المجتمع، والآن لايجب أن يشغلنا الطريق الذي قطعناه عن الطريق الذي يجب أن نغشاه. ليس من المعقول أن ندرك أن كل من حولنا مشغولون بنا  بينما نحن ذاهلون عن أنفسنا، أو تائهون، أو منقسمون، أو مرتابون. أخشى أن أقول: إننا أكبر المتآمرين على أنفسنا.