رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حديث الشك (2)

د.هشام مصباح

الجمعة, 17 يونيو 2011 22:01
بقلم:د. هشام مصباح

تستطيع أن تأتي بأي تخمين عما حدث ويحدث، واستطيع أنا أو أي أحد أن يفعل ذلك أيضاً، لكننا سنجد صعوبة بالغة في أن نأتي بدليل يؤيد تخميناتنا، فنظل في حلقة مفرغة من الجدل والظنون، ونظل نتحدث جميعاً في وقت واحد، غير قادرين على فهم ما فات أو توقع ما هو آت،

خاصة أننا دخلنا بعد الثورة في عصر نصف الخبر، وتسريب الخبر ثم نفيه. وصرنا نعيش مزيجاً من التضارب والغموض وعدم اليقين والشعور بالعجز والخوف واليأس، وهو مزيج مثالي للاستسلام والتسليم لمن يبدو قادراً على تبديد الغموض وتحقيق الأمان، حتى على حساب الحرية التي جرتنا (هكذا سيفكر البعض) إلى ما نحن فيه. وهنا أعود إلى الشك مرة أخرى لأتساءل: هل من سيبدو قادراً على تبديد ما نحن فيه هو الذي خطط لحدوثه أصلاً؟ هل من أعاد الهدوء هو في الأساس مصدر الضوضاء؟ طبقاً لنظرية "نزار قباني" فإن من "أشعل النيران يطفيها."

 

ولكن من الذي أشعل النيران؟ في عام 2003 توقع الشيخ عمران أن الجماهير في دول عربية ستخرج إلى الشارع، وستدعمها الحكومات ووسائل الإعلام العالمية، وهو ما حدث فعلاً، وكان من أكثر الأشياء ريبة تلك القصة التي تداولتها السي إن إن و كبريات مصادر الأخبار  أثناء الثورة حول ثروة "مبارك". ما الذي جعلهم يفتشون في دفاترهم ويأتوا بهذه القصة التي تحولت إلى هتاف ثوري "حسني مبارك يا طيار، جبت منين 70 مليار؟" ثم بدأوا يتحدثون عن تجارة السلاح وشركة "اتسكو" لمبارك مع حسين سالم وآخرين في السبعينيات. غريبة! لقد كان الرجل أمامهم لأكثر من 30 عاماً، فلماذا سكتوا؟ ولماذا تكلموا؟ هل كان الشيخ عمران على حق إذن؟

في الحقيقة يصعب الاقتناع بتوقعات الشيخ وتصنيفها على أنها منطقية، فكيف تسعى إسرائيل والغرب إلى التخلص من مبارك الحليف المخلص والمطيع على طول الخط؟ يرد على هذا التساؤل الصحفي الأمريكي الذي ظهر في أهم البرامج الإخبارية بأمريكا مثل 20/20 و60 دقيقة- أليكس جونز قائلاً: إن مبارك فعل الكثير من أجل الغرب، ولكنه امتنع عن تنفيذ مطلبين محددين، هما: الموافقة على إحداث العقم لدى الذكور وسيلةً لتنظيم النسل، والترخيص بالإجهاض. ولكن -مرة أخرى- ما الدليل يا سيد جونز على هذا الطلب من أمريكا والرفض من مبارك؟ لم يكشف الرجل عن مصدره، ولكنه يمضي متحدثاً عن أن اتحاداً للمصارف العالمية قد راكم مدفوعات قدرها 1.5 كدريليون دولار (الكدريليون يعادل ألف تريليون، يعني واحد وعلى يمينه 15 صفر) لشراء الحكومات في العالم، وتثبيت أنظمة بوليسية في الدول النامية تحول دون نموها سكانيا وتنمية قدراتها العلمية التي سوف تهدد الغرب فيما بعد، ولذا قرر هذا التحالف إبعاد مبارك والبحث عن بديل، وربما لا يعرف القارئ أن رجال المال والبنوك هم المتحكم الحقيقي في السياسة الأمريكية، بل إن بنك الاحتياطي الفيدرالي الذي يمثل البنك المركزي في أمريكا ينتمي للقطاع الخاص والمساهم الرئيسي فيه هو بنك مورغان تشيس الذي تمتلكه عائلة يهودية.

ولكن ألا تحتاج أن تهتف متعجباً: يا مثبت العقل يا رب! وهل كان هذا الاتحاد العالمي هو الذي أخرج الشباب إلى الشارع وأقنعهم بالموت من أجل الحرية؟ من وجهة نظر جونز، فإن الأمر ليس

مباشرا أو بهذه البساطة، فالقدرات التقنية جعلت الشعوب مكشوفة ومرصودة طوال الوقت، ومن خلال تحليل البيانات يمكن معرفة الأشياء التي تشغل بال شعب ما: عن أي شئ يبحثون ويقرأون، وعن ماذا يتحدثون، ومن ثم يمكن توقع حركة المجتمع على نفس غرار توقع حركة البورصة، وبالتالي استطاع من يمتلك جوجل أن يعرف الكثير عن قطاع مؤثر في المجتمع المصري وأن يتوقع حركتهم وردود أفعالهم (لاحظ أن جوجل ابتكرت وسائل تتيح للناشطين بث رسائلهم على الإنترنت عندما قطع نظام مبارك الخدمة أثناء الثورة). بل ذهب "جونز" إلى أكثر من هذا بالبحث عن رابط بين جاريد كوهين (واضح من الاسم أنه يهودي) المؤسس المشارك لتحالف حركة الشباب في العالم، ومدير شركة "أفكار جوجل" وبين أحد قادة "شباب 6 ابريل" خاصة بعد الخبر الذي نشرته "نيويورك تايمز" عن المؤتمرات الثلاثة التي نظمتها الرابطة لتدريب الناشطين على استخدام الإنترنت" بدءا من 2008  وتزويدهم بتقنيات تجعل تعقبهم من جانب الحكومات مستحيلاً، وساهمت كل من الحكومة الأمريكية والبريطانية وشركة ببسي في تمويل هذه المؤتمرات بمبالغ ذكرتها الصحيفة في عدد 6 فبراير 2011. ولمعلوماتك فإن "جاريد كوهين" كان يحتل المرتبة الثالثة في الولايات المتحدة من حيث عدد المتابعين على "تويتر" بعد اوباما وجون ماكين.

تتزاحم المعلومات، وتختلط بالأسماء والآراء، ولكن تظل على "الشفاه المطبقات"  تساؤلات: هل كانت الثورة مخططاً خارجياً؟ وماذا عن الملايين التي خرجت والآلاف التي قتلت وأصيبت؟ هل كنا أداة نفذت ما أراده الغرب لتحقيق مصالحه؟ هل الهدف هو الوصول بالصراع إلى مواجهة دينية ينتصر فيه "المؤمنون" تحت راية المسيح في أرماجدون؟ أم تقليص النسل والقضاء على إمكانات النمو؟ أم أن هناك أسباباً أخرى؟ أم أنها نظرية المؤامرة التي شوهت قدراً من الفكر العربي؟ في الحقيقة احتاج مقالاً آخر لمناقشة هذه التساؤلات والبحث في مدى منطقية التخمينات والنظريات التي وردت. لا أحد منا يعرف القدر، ولكننا يجب أن نعرف ماذا نختار، وأن نلم بأدوات صنع القرار، وأهمها أن نفكر، وأن نبحث، وألا نتحيز أو نهاجم القائل ونغفل عن القول. إلى مقال ثالث إذن.