رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أبداً لم تكن ثورة!

د.هشام مصباح

الاثنين, 23 يناير 2012 12:43
بقلم - د.هشام مصباح

نحن نتحدث كثيراً، ونفهم قليلاً، وليس ذلك راجعاً بالضرورة إلى مشاكل في الفهم لدينا، قدر ما هو راجع إلى مشاكل في الكلام، فنحن لا نقول ما يحدث، بل ما نراه يحدث، أو أحياناً ما نتمنى أن يحدث، فيخرج الكلام معبراً عن رؤانا وأمانينا، ليصبح الواقع أمراً نسبياً، وكلمة غامضة،

ووهماً خادعاً. هناك سبب أهم لسوء (أو عدم) الفهم الذي نقع فيه، فنحن عندما نتحدث نستخدم اللغة، والشيء المؤكد أن اللغة قاصرة، ونسبية، وغير متفق عليها دائماً. خذ مثالاً الكذب؛ قد تظن أنه أمر سهل ويمكن تحديده، فكل من يتعمد مخالفة الحقيقة فقد ارتكب الكذب. ليس بهذه البساطة، فقد أتعمد أن أخالف ما تعتبره أنت حقيقة لأنني لا اعتبره حقيقة، ولذا تراني كاذباً وأراني صادقاً، وسيرانا شخص ثالث مجرد اثنين مختلفين.
ببساطة نحن نتداول الألفاظ دون أن نتفق على معانيها، بل إن اللفظ الواحد قد يعني الشيء وعكسه في نفس الوقت، فقد صنف لغويون مفردات في اللغة الإنجليزية ذات معان متناقضة أسموها "النقائض" أو Antagonyms، مثل Fast التي تعني سريع وتعني غير قادر على الحركة أيضاً. ويتنوع المعني حسب مستوى اللغة أيضاً، ف"الشاطر" هو الماهر في العامية، وهو قاطع الطريق في الفصحى، وهكذا تدرك أن الأصل في الحياة هو الاختلاف، والغريب هو الاتفاق، لذا لا اندهش كثيراً من هؤلاء الذين لا يفضلون أن يصفوا ما حدث في مصر بالثورة، أو يستبعدون الوصف كلية، بل أنني أجد هذا الجدل مقبولاً، ومثيراً للتفكير أيضاً. وبالرغم من أن مناقشة الثورة يعتبر من أعراض "الفلولية" إلا أنني لم أجد في نفسي غضاضة من أتساءل: هل هي فعلاً ثورة؟
من المثير للعجب أن كلمة Revolution في الإنجليزية من النقائض! فهي تعني التغيير، كما أنها تعني الدوران حتى العودة إلى نقطة البدء (أرجو ألا ننتهي إلى هذا في مصر)، ولذا كان عنوان الكتاب الذي أصدره "كوبرنيكوس" عام 1543 عن دوران الكواكب هو "عن ثورة الأجرام السماوية"، وبالطبع نحن نقصد التغيير عندما نتحدث عن الثورة في عالم السياسة، فالثورة فعل عنيف لتغيير النظام السياسي وفرض نظام آخر. وغالباً ما يتم تغيير النظام الاقتصادي إذا اتفقنا على أن الاقتصاد مرتبط بالسياسة دائماً. حسنا..

لماذا يعترضون إذن على أن ما حدث في مصر ثورة؟ لابد أن هناك ما يدعو إلى اعتراضهم، حتى وإن اعترضنا عليه.
تتركز الاعتراضات على أن ما حدث كان حركة جماهير بلا قيادة، وأنها لم تؤد إلى تغيير النظام، وأن الهيكل الأساسي للسياسة والاقتصاد في مصر كما هو، وأن الجماهير التي تحركت لا تعبر عن الأغلبية، إذ أن الأغلبية مازلت صامتة، وأن المظاهرات تعبير عن الاحتجاج، ولكنها لا تصنع ثورة ولا تؤسس لنظام جديد. بل يذهب البعض إلى مدى أبعد في الاعتراض من خلال نزع صفة الوطنية عمن حركوا الجماهير، واتهامهم بالعمالة والتآمر. وكما ترى فإن هذه الأعتراضات تنصب على من حرك الفعل (عملاء) ومن قام به (جماهير بلا قيادة أو أغلبية) وعلى نتيجة الفعل (لا تغيير).
الرد على هذه الاعتراضات لا يستدعي مجهوداً كبيراً، فالعمالة تهمة مرسلة يسهل توجيهها ويصعب اثباتها، ولابد أن أجهزة المخابرات والأمن في مصر قد قتلت هذا المسار بحثاً عن أي شبهة دليل تلصقه بالمعارضين والثائرين، ولم تكن لتتواني في إعلان مثل ذلك الدليل. أما غياب القيادة فهو ليس إبتكاراً يتعارض مع الثورات، وإلا اعترضنا على تسمية الثورة الفرنسية بالثورة، وأما الأغلبية الصامتة فتعبير رنان جاهز للاستخدام دائماً، أنا شخصياً استطيع أن ادعي أن الأغلبية الصامتة معي، فهي صامتة على أية حال ولن يمكن التأكد من أنها مع أي أحد أو ضده! وأما التغيير فقد بدأ وسيتم.
بالرغم من هشاشة اعتراضات المعترضين على وصف الثورة، إلا أن هناك جواً مساعداً على استمرار الاعتراض والجدل، وعوامل تجعلنا نرى الثورة المصرية (نعم؛ هي ثورة) في ضوء مختلف عما أخبرنا به التاريخ عن الثورات، فنرتاب فيما بين أيدينا، أو نحتار في تصنيفه. فالتاريخ يخبرنا أن الثورات تبدأ من خلال عمل سري تحت الأرض (الثورة الروسية مثلاً) أو حركة مقاومة مسلحة (الثورة الأمريكية أو الثورة الكوبية)، أو تندلع فجأة كالنار
بعد أن يكون زيت الفساد قد غطى الأرض (الثورة الفرنسية). أما في مصر فقد كان هناك موعد للقاء أمام كل العالم، وكثيراً ما قفز هذا التعليق أمامي قبل الثورة "بيقولوا هيكون فيه ثورة في مصر يوم 25 يناير"! لم يكن هناك تنظيم سري باطني، أو تنظيم عسكري منفي، أو فوران فجائي. واستمر الأمر كذلك، كله على الهواء أو على الشبكة: الصراعات والاتفاقات، الخطط والترتيبات، الثورة هي الظاهرة والشفافة واللاعبة تحت الأضواء دائماً، أما السلطة فهي التي تدبر في الخفاء وتداهن في العلن. إنها ثورة على مفهوم الثورة!
قد علمنا أن الثورة فعل تغيير عنيف، إلا أن الثوار في مصر كانوا هم ضحايا العنف، والرافضين لاستخدامه (سلمية، سلمية)، أرادوها بيضاء ورضوا بأن يكونوا شهداء، وكل ما لديهم من قوة هي حناجرهم، وأجسامهم، وأعدادهم، ثم ارتضوا أن يكون القانون هو الحكم بينهم وبين النظام الذي أسقطوه، وهو مناقض لطبائع الثورات التي هي في الأصل خروج على القانون السائد، فكيف احتكم إلى ما خرجت عليه؟ وماذا أفعل إن هزمني القانون وحواة المحامين؟ هل أخرج على حكم من تفاخرت بأنني احتكمت إليه؟ كيف يمكن لثورة أن تسلك مساراً غير ثوري وتظل ثورة؟
وعلمنا أن الثورات فعل كلي لا يهتم بالتفاصيل، ولذا تخرج قضايا الذمة المالية والفساد الإداري من بؤرة اهتمام الثوار، أما الثورة المصرية فقد غرقت في التفاصيل التي تسكنها الشياطين، ليتوقف الفعل، ونبدأ في حوار وسجال وجدال قاتل للوقت، ومبدد للطاقة، وباعث على الإحباط.
وعلمنا أن المنتصر يكتب التاريخ، فالعصيان الناجح ثورة، والثورة الفاشلة تمرد، والفائز مناضل وعبقري، والمهزوم بائد وخائن، أما في الثورة المصرية فقد نجح الثوار في إقصاء الرئيس، ليبدأوا بعد ذلك في الدفاع عن أنفسهم ووطنيتهم! تحول الفائز إلى متهم! وهذا أمر لا يستقيم، إما أن أكون منتصراً أو متهماً، أما أن أكون الاثنين فهذا إبداع جديد يجعل الشك في ثورية ما حدث أمراً مشروعاً.
وعلمنا أن الثورات تزيل الأنظمة ليبدأ الثوار في قيادة المجتمع إلى عهد جديد، ولكن الكل في مصر يتبرأ من القيادة أو من السعي إليها، وكأنها سبة، أو تهمة، أو نقيصة، ولا أكاد أذكر مرشحاً محتملاً للرئاسة لم يتلكأ في إعلان نيته في الترشح، وكانت أكثر العبارات استخداماً من جانبهم "مازال الوقت مبكراً" أو "مازلت لم اتخذ قراري بعد"! قامت الثورة بلا قيادة، ومازال البحث جارياً.
ليس عيباً في الثورة أنها قامت بلا تخطيط، لكن العيب أن تظل بلا تدبير. لقد واجه الثوار نظاما عاتياً بشجاعة، ولكنهم في حاجة إلى شجاعة أكبر ليواجهوا أنفسهم، وينظموا صفوفهم، ويعملوا في السر قبل العلن، وأن تكون لديهم أسباب أكثر للقوة من مجرد أعدادهم و"بوستاتهم"، نريد أن تظل الثورة ثورة، حتى لا يكتب التاريخ عنها "أبداً لم تكن ثورة."