رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

البرادعي.. ليس شيطاناً ولا ملاكاً

د.هشام مصباح

الأحد, 15 يناير 2012 22:41
بقلم - د.هشام مصباح

مشكلة البعض منا أنهم يقررون قبل أن يفكروا، ويصدرون الآراء قبل أن يرتبوا الحقائق ويستوعبوها، ولذا غالباً ما تأتي آراؤهم على شاكلة تليفزيون الخمسينيات: أبيض وأسود، كما يصنفون الناس في إحدى خانتين: الخير والشر، لكن الواقع حافل بالألوان، وعامر بالخانات.

ربما كان المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية د. محمد البرادعي من أكثر الشخصيات السياسية التي عانت من تلك الثنائية في التصنيف ما بين الشيطنة والملائكية، أو العمالة والوطنية، أو ما بين إعتباره إصلاحياً من جانب أنصاره، أو "مصلحجياً" من جانب معارضيه. هذه الحدة في التأييد أو العداء لا تؤدي إلا إلى سطحية في التفكير، وفساد في الرأي، وضلال في القرار والاختيار.

لم أجد أدنى صعوبة في إدراك أن البرادعي ليس ملاكاً مجنحاً، أو شيطاناً مقرناً، لكنه رجل نابه بدأ مشواره موظفاً بيروقراطياً في الخارجية المصرية، ثم سلك المسار الأكاديمي، ليحصل على الدكتوراه من جامعة نيو يورك في القانون منتصف السبعينيات، ثم عاد بيروقراطياً يتعاطى السياسة الدولية ويتفاعل معها من خلال وكالة الطاقة الذرية التي انتخب رئيساً لها ثلاث دورات انتهت عام 2009.

لم يكن البرادعي المولود في يونيو 1942 شخصاً مألوفاً في شارع السياسة المصرية طوال كل هذه المراحل، بالرغم من موقفه الرافض للعدوان الأمريكي على العراق والإسرائيلي على غزة، حتى إن فوزه بجائزة نوبل للسلام عام 2005 لم يساعده في أن يتحول في مصر إلى نجم شباك مثل نجيب محفوظ ود. زويل، بل إن التلفزيون المصري لم يهتم بنقل الحفل الذي إستلم الرجل فيه جائزته من الأكاديمية السويدية. ولذا ظل البرادعي مألوفاً للنخبة ومجهولاً للعامة في مصر المحروسة التي كانت تعد لأن تصبح موروثة، وساقت الدعاية الحكومية (ولا أقول الإعلام) كل ما يمكن من حجج لحصر الرئاسة ما بين الأب الخبير، والابن "مفجر التطوير"! وطرحت تلك الدعاية سؤالاً بدا تعجيزياً عمن يمكن أن يصلح بديلاً لهذين الجهبذين، فكان أن تفتق ذهن أحد عباقرة الطب في مصر -دكتور محمد غنيم- عن اقتراح اسم محمد البرادعي بديلاً ذا مكانة مرموقة، وكفاءة مشهودة.

لقى اقتراح د. غنيم استحسانا لدى قطاع كبير من معارضي نظام مبارك، وتوالت الدعوات المطالبة بترشحه، ولم تصدر عن البرادعي إشارة تظهر قبوله لتلك الدعوات، لكنه بدأ في انتقاد نظام مبارك (وليس مبارك) على استحياء، وأعلن عن عودته النهائية إلى مصر في فبراير

2010 لتذهب جموع لافتة إلى استقباله في المطار، في إشارة تظهر أن الناس كانوا باحثين عمن يسيرون خلفه ليخلصهم من ذلك الحكم الفاسد، والمستقبل البائس. فجأة وجد الرجل نفسه مطالباً ببث الأمل في وطن اغترب عنه ثلاثين عاماً، لكن الرجل لم يستوعب أن المد الثوري إذا اتي يجب أن يعتليه، لا أن يتأمله، فجاء رده هادئاً على الأصوات الصاخبة، ولم يعد بالكثير، بل قال: إنه لا يستطيع أن يفعل وحده شيئاً، وطلب من الناس أن يساعدوه حتى يستطيع أن يساعدهم.

سعت شخصيات معارضة لها وزنها إلى التحالف مع البرادعي لتشكيل الجبهة الوطنية للتغيير التي اجتذبت عدداً كبيراً من المشاركين الداعين إلى إعطاب قطار التوريث وتعديل الدستور حتى يتمكن البرادعي من الترشح. كان خطأ البرادعي الأكبر أنه رأى أن الناس وبعض القوى السياسية تريد أن تسير خلفه، لكنه آثر أن يسير بعيداً عنهم، وبدلاً من أن يركب المد الثوري ركب الطائرات وأمعن في السفر للخارج، مما أصاب كبار مناصريه بالإحباط، وبدأوا في الابتعاد عن جمعية التغيير، مثلما فعل د. حسن نافعة، ومن بعده حمدي قنديل.

أخفق البرادعي في التعامل مع الثورة التي تناديه، كما افتقد إلى الكاريزما والطلاقة في الحديث، كما أخفق في فهم تيار الرأي العام عندما تحدث عن مشاعر الود التي يكنها للرئيس مبارك (آنذاك).

كانت حجة البرادعي في سفره الدائم أنه يريد أن يتصل بوسائل الإعلام العالمية ليصل صوته إلى القوى التي يمكن أن تمارس تأثيراً واضحاً على النظام، كأن تلك الوسائل لا تستطيع أن تقابله في مصر متى شاءت وأينما شاءت، أو على الأقل تتصل به أو تتحدث معه عبر الإنترنت. لم يستمع البرادعي إلى نصائح معاونيه واستمر في السفر، وأثناء الفترة التي سافر فيها مبارك للعلاج في ألمانيا لم يظهر للبرادعي أثر في مصر، بل إن المواقع على الانترنت كانت قد حددت يوم 25 يناير للتظاهر ضد النظام، بينما يقرر هو السفر قبلها بأسبوع، لتندلع الثورة في مصر وهو بعيد لسبب هو بالتأكيد أقل

أهمية من الثورة. كان يمكن أن يكون البرادعي قائداً للثورة، بدلاً من أن يكون مجرد منضم إليها!

تعلم البرادعي من خلال عمله وتعليمه أن يزن كلامه جيداً، وللحق فإن الرجل يقول كلاماً موزوناً، ويفكر كثيراً في كل ما يقدم عليه أو يمتنع عنه، وكان موقفه واضحاً في رفض التعديلات الدستورية وإجراء الانتخابات الرئاسية قبل كتابة الدستور، وأصدر برنامجاً جاداً لمواجهة المشكلة الاقتصادية في مصر، وأعلن عن قناعته في عدم جدوى الانتخابات البرلمانية بدون ضمانات ديمقراطية حقيقية. إلا أنه لم يسلم من محاولة البعض لضرب مصداقيته، فهوجم على أنه أجنبي لا يعرف عن مصر شيئاً، وانه بالأساس عميل لايران، في حين إتهمه الصحفي الأمريكي أليكس جونز بأنه صنيعة أمريكية سوف تبيح زواج المثليين في مصر، وسوف تتبنى مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يفتح أسواق المنطقة أمام إسرائيل.

وفي هذا الجو السياسي الغائم، والجو الإعلامي المتناقض قرر البرادعي الخروج من سباق الانتخابات الرئاسية في مصر، لتتعدد الروايات والتفسيرات، فهناك من يرى القرار لطمة للمجلس العسكري وتصعيداً للضغط عليه من أجل تسليم السلطة للمدنيين، وهناك من يرى أن البرادعي قرأ نتيجة انتخابات مجلس الشعب وأدرك أنه لا توجد لديه فرصة في ظل الإجتياح الإسلامي، وفسر الفريق شفيق القرار على أنه هروب بسبب عدم القدرة على المواجهة، كما نظر آخرون إلى القرار على أنه مجرد تكتيك لرفع الشعبية وارتداء ثوب البطولة في مواجهة العسكريين.

أما بالنسبة لي فأنا أرى أن قرار الإنسحاب ليس هو "الجواب النهائي"، نظراً لتوقيت القرار الذي يسبق الحشد الذي يتم الإعداد له في العيد الأول للثورة، بحيث يؤدي هذا القرار الذي يبدو نابعاً من إحساس بالإحباط إلى ردة فعل ثورية تجعل إعادة ترشح البرادعي واحداً من مطالب الثورة الثانية، وواحداً من سبل تحدي العسكريين،

لقد أدرك البرادعي ومستشاروه الإعلاميون أن المصريين يحبون البطولة، فاتجه إلى ذلك المسار، وأعلن في حديث له مع صحيفة أمريكية في مارس الماضي أنه إذا كان رئيساً فسوف يعلن الحرب على إسرائيل إذا اقدمت مرة ثانية على ضرب غزة، وها هو الآن يغادر سباق الترشح مولياً ظهره للعسكر في تحد ليس من الصعب أن يخفى على أحد.

قد تسألني: طيب يعني إنت مع البرادعي أم أنت ضده؟ كوني معه لا يعميني عن أن أرى أخطاءه، وكوني ضده لا يمنعني من أن أرى نجاحاته ومزاياه، ورأيي فيه لا قيمة له إن أتى بغير أدلة ومشاهدات. وأنا أرى الرجل دؤوباً، ومحنكاً، وقادراً على عقد التحالفات، إلا أن صوته من رأسه، وتحركه محدود بدوائر النخبة، فهو مازال بعيداً عن البسطاء في قلب المجتمع وفي أطرافه، كما أنه لا يجيد قراءة الموقف وأختيار الدور الذي يجب أن يلعبه. نحن لا نريد أن نرى البرادعي يغادر سباق الرئاسة، كما لا نريد أن نراه في السباق يركض في المضمار الخطأ. أعتقد أن منطق "لن ألعب إلا إذا" لا يصلح في السياسة، ليته يستبدله بمنطق "سألعب حتى لو."