التنوع والتخلف

د.هشام مصباح

السبت, 07 يناير 2012 21:57
بقلم -د.هشام مصباح

أمضيت سنوات في تدريس الإعلام في جامعة القاهرة كانت هي سنوات التكوين والنمو، ثم انتقلت للتدريس في جامعة الكويت لأبدأ في مرحلة النضج وما يتبعه من استقرار، ثم أتتني الفرصة للتدريس في إحدى الجامعات بالولايات المتحدة وأنا في عز استقراري، فقررت عبور البحر والمحيط لأخوض هذه التجربة المثيرة. وللحق فإنني أدركت من البداية أن ما سأتعلمه سيكون مماثلاً -إن لم يفق- ما سأعلمه للطلاب.

وصلت إلى الجامعة، وجلست إلى رئيسة القسم تشرح لي نظام العمل وبناء المنهج، ثم ذكرت لي أنه لابد من تخصيص درس على الأقل في كل مقرر عن التنوع. تنوع!! هكذا تساءلت بداخلي: ما المقصود بذلك؟ التنوع موجود ومعروف في المجتمع الأمريكي، فما الذي يحتاج طلاب الصحافة ليعرفوه أكثر من هذا؟ ولماذا؟ كتمت التساؤلات داخلي لأنها كانت ستبدو نشازا قياساً على التلقائية التي تحدثت بها السيدة، فلم أشأ أن أبدو جاهلاً بالأساسيات في الوقت الذي من المفروض فيه أنني سأحاضر في نظريات الإعلام.
ما إن فرغت لنفسي حتى بدأت البحث في الموضوع، ومقال يقود إلى كتاب، وموقع إلكتروني يقود إلى فيديو، ثم وجدت أن الأمر يحتاج أكثر من ذلك، فسجلت في مقرر إليكتروني مدته ثلاث ساعات، بعدها وجدت إجابات لأسئلتي، لتختفي دهشتي، وتبدأ دهشة جديدة: لماذا لا يدرس طلاب الصحافة عندنا مفهوم التنوع هذا؟ ولماذا لا يتدربون على كيفية التعامل معه؟ حسناً، دعني أجب عن كل ما مر من تساؤلات.
من المعروف تاريخياً أن الرجل الأبيض كان هو المسيطر على المجتمع، والسياسة، وأدوات الإنتاج في أمريكا، لدرجة أن الرجال الملونين لم يكن لهم حق التصويت في الانتخابات حتى عام 1870, أما حق التصويت للمرأة فانتظر حتى عام 1921. ولذا تجد أن إعلان الاستقلال الذي صدر

عام 1776 ليعلي من الحرية وحقوق الإنسان قد جاءت أهم جملة فيه عنصرية، وهي الجملة التي تقول: "كل الرجال يولدون متساوين"! وما الحال بالنسبة للنساء؟ إلا أن المجتمع تغير في أمريكا، وتغير معه توزيع الثروة والسلطة، وشكلت النساء الأغلبية، وانتقلن إلى الوظائف العليا، وكذلك الحال بالنسبة للأمريكان من أصل أفريقي، وكان لزاماً على الصحافة أن تستوعب هذه التحولات، وأن تفهم كيف يعمل التنوع في المجتمع، وكيف تطورت اللغة، فما كان مقبولاً بالأمس صار قبيحاً ومرفوضاً اليوم، بل إن الصحفي الذي يكتب عن الأقليات مستخدماً اللغة القديمة يمكن أن يجر صحيفته إلى قضايا وتعويضات كبيرة، ولذا يجب أن يتعلم طالب الصحافة أن الأقليات الخاصة بالنوع، والعمر، والدين، والعرق، واللون، والحالة الصحية يجب أن تحظى بتغطية صحفية تتناسب مع حجمهم في المجتمع، ولا يجب اشعارهم أنهم اقليات في طريقة الكتابة، أو الانتقاص من قدرهم بأي أوصاف لا يفضلونها،ولذا نقول للطالب: تخيل أنك في كل مرة تكتب عن رجل أبيض ثري، واستخدم نفس المستوى من اللغة، فبدلاً من "رجال الإطفاء" يفضل "مقاومو الحرائق" (منعاً للتحيز للرجال)، وبدلاً من "يعاني من الأيدز" نستخدم "مريض الأيدز" (لماذا نقرنه بالمعاناة؟)، ولا يجب أن يختصر وصف "ياباني" (جابانيز) لتصبح "جاب" كما كان سائداً وقت الحرب الثانية. وهكذا يجب أن تصبح الصحافة أداة لصهر الأقليات، وتذويب الحساسيات من أجل صحة المجتمع، وبالتالي تقدمه.
ليس هذا فحسب، بل إن التنوع يعد مصدراً لقوة المجتمع وتجديد حيويته، ومثلما أن التنوع المناخي
هو مفتاح الأكتفاء الذاتي في الطعام، فإن تنوع الأعراق والجينات ينتج كل أطياف المواهب والملكات، أما إذا أسئ التعامل مع هذا التنوع فإنه يتحول إلى بؤرة صراع، وصداع، وربما تفتت وانفصال، ولا أحد يريد ذلك، ولذا لم يكن غريباً أن يفهم طلاب الصحافة قيمة التنوع، وأن يتعلموا كيف يتعاملون معه.
خطر على بالي أن أعرف أكثر عن التنوع الديني في أمريكا وحجم الأقليات الدينية، ولكنني فوجئت بأنه لا توجد إجابة أكيدة! كيف ونحن في مجتمع المعلومات؟ طبقاً للقانون فإنه يحظر سؤال أي أحد عن معتقده الديني في أي إستطلاع أو إحصاء رسمي. هل هي الحرية الدينية؟ أم أنه إغلاق لباب لا يحسن فتحه؟ كلا الوجهين جائز.
ربما اعترضتني قائلاً: كأنه المجتمع الفاضل الذي يساوي بين الجميع! وأقول لك ليس كذلك، ولم يكن في يوم من الأيام، ولكنه يحاول في ظل هذا التنوع الكبير (توجد أكثر من 120 جنسية متعايشة في نيويورك وحدها)، وكل يقوم بدوره، وليس هناك تجاهل للمشاكل أو خجل منها. وفي النهاية هناك قانون لا يرحم أحداً.
وماذا عنا؟ للأسف؛ التنوع عندنا أقل، ومشاكله أكبر، لأننا نهمله، أو نسئ التعامل معه، أو نجهله، والنتيجة واحدة دائماً: صراع، ونزيف، واحتقان. أما الصحافة فهي مظلومة لأنها تعمل في مجتمع ينظر إلى التنوع على أنه اختلاف يثير الخلاف، ويودي إلى الفتنة، كما أن الصحافة ظالمة لأنها تنساق وراء الإثارة عن عمد أو جهل، لتصبح أداة لشطر المجتمع بدلاً من رأبه. فقد احتفت الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي بفتاوى جواز أو تأثيم تهنئة المسيحيين في أعيادهم! وتتحدث الأخبار عن مشاجرة بين مسيحي ومسلم، أما إذا كانت بين أهل الديانة الواحدة فلا ذكر للدين، كما يحظى قلب الدولة بالإعلام والأضواء، أما الأطراف في الصعيد والواحات وسيناء فلا تظهر إلا في المصائب، وهكذا نهدر طاقتنا، ونبدد ثروتنا، ونزيد في تهميش المهمشين أصلاً، ونحول تقدمنا إلى تخلف، ووحدتنا إلى تفتت، وتنوعنا إلى مصدر لصراعنا.
إذا كنا الآن نفكر في بناء مصر من جديد، فيجب أن نفكر كثيراً، وعميقاً، وبعيداً، حتى تتقدم مصر كلها، لأنه لا يمكن أن تسير عربات قطار واحد في إتجاهين، وإلا كانت الكارثة، وقد كفانا من الكوارث ما كفانا!