كشف نضارة مصر

بقلم- د. هشام عطية عبد المقصود

رغم كل مداعبة خيوط الحكايات الممتدة و  ماتقذف به دوائر المفاجآت التى من كثرتها صارت " مألوفة !" تظل أحداث الإنتخابات الرئاسية لاتلهمنى بجديد ، و هكذا لانلتفت كثيرا حين يدخل من بوابة الترشح سعدا منتشيا صغيرا مداعبا و لاعبا ،

لكننا لاننفلت من بعض ألم مباغت فى اللحظة ذاتها حين يخرج من البوابة ذاتها سعد آخر عرفته مصر حرية وديمقراطية وحداثة صامتا حزينا ، غير ذلك لاشئ جديد مهم يمنح متابعة شغف أوشكت أن تكون " قديمة " ، خروج وجه أو جمود وجه أو كمون وتربص وجه او استعداد وجه للمغادرة، كلها لعبة وجوه تتناوب على شريط ثابت صامت لايوحى الا بسكون .
و ساحات السياسة تتحول من جدل التغيير بشأن القادم الى بؤرة خلافات مركزها أرنبة الأنف ، فى الوقت ذاته يتكرر اسم الوطن كلقب تذكارى ثانى لاسم راقص ، و هكذا صار مقتضى الحال فى مصر التى لم تعد من زمان طال  تحدثنا عن نفسها .
يحلو لمن يسعى لأخذ العبر أن يعود الى التاريخ فيأخذ منه حادثة أو أكثر ليدلل بها على شئ كبير ، هكذا تتشكل ذاكرة عدل الحكام و انتصاراتهم فى مخيلة الجموع ، و ننسى أنها مجرد حادثة أو أكثر فى سجل طويل ربما يكون مزدحما بما هو ضد ، ولكن ما العمل فى ذاكرة تحتفى بماتريد ، وهذا ربما يفسر شهرة كوبلية الغناء الشفهى التراثى " اللى بنا مصر كان فى الأصل حلوانى " رغم أن معيشة المصريين تشهد على طول الزمان بمرارة العيش و القهر و احتكار الخيرات ، بينما خفاقا ظل هذا الشعار عن ذلك " الحلوانى " متداولا و مسيطرا .
يمكن جدا القول ان سر عدم التغيير الحقيقى فى مجتمعنا يكمن فى أن اهل بلدنا الطيبين ربما يكرهون السياسة و الساسة كعقدة تاريخية مرتبطة بالحلوانى الذى لم يعرفوه الا حلما وخيالا لم يضحى واقعا و احتمالا ، و لهذا فان ظهورهم فى السياسة كجموع هو مؤقت و سريع وطارئ ، وانهم يميلون لمنح التوكيلات لمن يتوسمون فيه شيئا ما ، ثم و بمنتهى التسرع و السرعة معا يغادرون ربما لحاقا بكاوتشات حلم الإنتاج " ذائع الصيت والعلامة التجارية " او ربما طلبا لاسترخاء او حتى للفرجة .
هى طيبة تجعل منح الأمان و الحنان طبعا غالبا لكل من يسوق شعارا ويلقى سلاما أو حتى يكتفى بأن " يطبطب و يدلع " بالكلام ومن اى اتجاه ومن كل التيارات ، مع

إن الست الصبوحة تنبأت مبكرا بفتة الخل المليئة بالثوم  وهى تقول " كلام بس .. مباخدش منك غير كلام " فى اشارة طبعا للمتحلقين حول صينية الفته بعد أن يأكلوها و يحبسوا بكوبين شاى بالنعناع لزوم التخلص من الدهون .
ربما يبدو الحل بسيطا و بديهيا ، أن نعيد تركيب ذاكرة الناس و ونقول بصراحة كلها راحه انه يا أهل بلدنا الطيبيبن اللى عايز وبيقول سأبنى مصر " التى و الذى " لازم فعلا يكون حلوانى بجد .. مش حلوانى اعلانات وبس، ولازم تتصدموا وتعرفوا ان ماحدش كان صنعته حلوانى عدى من هنا من زمان ، طيب حلوانى ازاى عدى علينا و عيشة المصريين كلها طعم مالح ، وقبل أى شئ أى حد يقول أن صنعته حلوانى لازم يورينا شاره و اماره و لو حتى صينية كنافته وهى جوه الفرن .. فرن السياسة و الحياة معا .
غالبا اللى اقرب لدائما كانت تجربة المصريين مع حكامهم الذين احتفى التاريح برسم شاراتهم و حكاياتهم حزينة ، محصلتها فقر و حرمان للمصريين من طعم الخير و الخيرات اللى ماليه بلادهم ولا ازاى ممكن تفسروا لنا أنه فى كل تاريخ مصر ، وقت الامتداد خارج الحدود و وقت الامبراطوريات اللى ورا الجبال و البحار البعيدة .. ظل الترف و الثراء فوق فوق فى العالى ، وظل الأسمر المصرى يزرع و يقلع دون ان يصل ابدا الى الفعل يحصد .
اذا أردنا أن نصنع التغيير الحقيقى فى المجتمع فان نقطة البدء هى توديع الاشارات و الاشادات المجانية سابقة التجهيز لكل من يمارس معنا الفعل " يسوس" ومشتقاته الكثيرة .
تظل حلقة المرشحين منتصبة و عرضها مزدحم ، حيث يدخل مرشح جديد و يغادر مرشح قديم و يطلع عم هذا افريكانو و خال ذاك سوريانو ، وتظل مصر تحدث نفسها عن نفسها ، وننسى انه من بدرى غنى عدوية " حبه فوق وحبه تحت " طبعا قبل أن يتحول لمطرب حداثى يغنى "" للناس الرايقه " ، وكأنه سجل تجربة " نهضة مصر " ، حين ظل المصريون على سلالم التحول واقفين شويه على عتبات بتطلع لفوق و
شويه لتحت والمحصلة الزمان بيدور و المكان ثابت لايتغير .
انتهى عصر ماقبل الثورة ، وظن الجميع آملين مع حشد و همة و عزم واستبشار أننا سنحيا داخل عصر الكهرباء الكونية التى تضئ أسانسير الصعود الجديد من غير ر وائح الجاز والغاز وعفار السلالم القديمة المتآكلة المهشمة بكل مايقف عليها من فئران الأفكار ،ودخلت طلائع المصريين ماظنوه عصر الأسانسير ، أولا باعتباره أسرع و باعتباره تعبيرا عن الرغبه فى الوصول لعلو حضارى و ثقافى أرقى ، لكنهم دخلوا الأسانسير و يمكن نسيوا يدوسوا على الزرار .
و لما دخلوا بدأوا يبصوا لبعض تانى ويكتشفوا انهم كانوا كارهين بعض بس نسيوا ، وهنا تغيرت النظرة للطابق الذى سيصعدون له ، ونظرا لعدم الإتفاق و الخلافات ، كان الحل أن يقف الأسانسير فى مكانه اللى هوا قريب من بسطة السلم القديم بالظبط ، لحد مايقرروا حايروحوا فين .
وبدأت معركة من يقف الى جانب لوحة مفاتيح الأسانسير علشان يدوس الزرار المقصود ، و نسى الجميع أنهم ركبوا معا وكانوا يستهدفون صعودا محددا، وفجأة لاحت فى لوحة الأسانسير أزرار طوابق أخرى سفلية وليست عليا فقط ، و ارتأى البعض أن الهبوط لطابق أسفل ربما يمنح بداية جديدة ، و رأى البعض أن طابقا واحدا علويا يقلل المخاطر ، و رغب حالمون أن يصعد بهم الأسانسير نحو طوابق أعلى كثيرا تطل على فضاء الحياة الأرحب .
بحكمة الكبار " الذين دوما يعرفون أكثر !" تم تهذيب الصغار و ردعهم بأن طاقة الأسانسير محدودة و ضرورة الحفاظ على الصعود المتدرج تتطلب بطئا و احتياطا وحذرا .
وتغلب مع الوقت وبعض الشجار و بعض الردع منطق من عاشوا الزمنين ، زمن السلالم وزمن الأسانسير ، و صمت الحالمون  و انزووا فى ركن قصى ،و لما اطمئن الكبار لصمت الصغار نظروا لبعضهم مسرورين فرحين ، ولما كانت العين دايما تصيب ، بدأوا يتناقشون .. أى طابق ومن يدوس الزر ، ولما كانت أفكار منطق الاشياء و الضرورات لاتجزى فى صراع قهر الإراردت ، اختفت القبل و الاحضان القديمة و عادت كل ريما بكل مافى جعبتها القديمة من مخزون كره و تشفى و اتهام  .
هل كل شئ كان معدا سلفا لتجهيز أسانسير لايتحرك ،سؤال صعب محير مربك.. مؤشرات كثيرة تقول ان الأسانسير ده شكله كان محطوط على الأرض مالهوش موتور رفع ولا حتى ليه حبل سحب ، خناقة الأسانسير شكلها باظت ، وتقريبا الكل حايجرى على بوابة الخروج بعد ما أوكسجين التنفس أوشك أن ينفذ داخل هذا الأسانسير .
هل يمكن أن نستدرك الأخطاء ..؟ الحقيقة ممكن جدا ، بس مع تغيير بسيط اننا نعترف بالحقيقه وهى ان مصر مش محتاجه تدخل أسانسير الأول ، مصر محتاجه كشف نظر جديد ، يحدد الرؤية و المسافات ، ويحدد المعقول و الممكن و الصح والغلط ، الاتفاق و الاختلاف ، وبعدها نعرف نركب أسانسير ايه وليه ، قبل كشف النظر فليركب من يرغب و ليخرج من يشاء ، لان لوحة الزراير  حاتتشاف غلط ، كما أن الأسانسير من الأصل خارج نطاق خدمة الصعود .. واللى بنا مصر .. ! .