رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

من عصر الحمَّارين …إلى عصر الزبَّالين

د. نصر محمد عارف

الثلاثاء, 07 أبريل 2015 00:06
د. نصر محمد عارف



مجتمع يوشك على التحلل، ودولة تحاول النهوض من تحت ركام عقود من الشلل والفساد، والفقر والجهل والمرض، ودول جوار مشتعلة، وراغبة فى إهداء بعض من نارها لمصر علها تصطلى بما اصطلت به، وإقليم تنهش فيه كلاب الجيران من كل حدب وصوب، ووسط هذا المشهد المأساوى تعمد واحدة من الفضائيات التى تنتمى لعالم فتيات الإعلانات، ذلك العالم الذى كانت تنقل أخباره صفحات الحوادث بصورة متكررة، وبعنوان ثابت «شبكة دعارة من فتيات الإعلانات».. عالم فتيات الإعلانات، وشبكات الدعارة أصبح يصنع الثقافة، ويجدد الدين، بل يغير كل مفاهيم المجتمع عن الدين،

وعلى يد مجدد دينى يتناسب مع الفضائية التى يطل منها، واحد من فتيان الإعلانات، مشغول بدهان وجهه وشعره بكل مستحضرات التجميل، ويحرص أن يفتح قميصه بعقلية «دنجوان المراهقات» ويتفاخر أنه يقيم فى فندق حتى لا يسبب إزعاجا لوالديه….فما نوع هذا الإزعاج يا تُرى؟
ذلك المجدد الدينى القادم من عالم فتيات الإعلانات يحمل شهادة من واحدة من جامعات المستوى الرابع فى بريطانيا، لا يُعرف لتلك الجامعة تاريخ فى الدراسات الإسلامية، ناهيك عن القرآن والسنة، ورغم ذلك، يحرص هذا الدنجوان عريض القفا أن يسب كبار العلماء والمفكرين والفقهاء بكل صفاقة، تفوق فى وضاعتها أدنى مستويات عالمات شارع محمد علي، وكل مهمة هذا المجدد الدينى البحث عن الزبالة فى حقول الورود، والتركيز على الشوك لإقناع  المستمع أن ذلك الحقل كله شوك.
ذكرنى هذا الدنجوان المراهق  بعصر عنتر الزبَّال «محمود ياسين»

فى فيلم «انتبهوا أيها السادة» الذى سحق بما يملك من مال ونفوذ أستاذ الفلسفة الباحث عن الحقيقة «حسين فهمي»، شعرت أن هذا الدنجوان المراهق من أبناء عنتر الزبَّال، وأنه ينتمى إلى عصر الزبالين الذى يعيشون فى مقالب القمامة لا يرون فى الوجود شيئا إلا القبح والخراب، مع الاعتذار للزبَّالين الحقيقيين الذين ينظفوا حياتنا، فيقلِّب له فريق إعداد البرنامج عشرات المجلدات حتى يأتى بشيء يتخذه ذريعة للهجوم القبيح على العلماء والفقهاء والمحدثين الذين لولاهم ما كان له اسم ولا صفة، ولا يمنعه أدب أو حياء من أن يكيل السباب للعلماء الذين رحلوا ولا تجوز عليهم إلا الرحمة حتى ممن يختلف معهم.
ولكى نفهم عصر الزبالين الذى نعيشه الآن يجب أن نقارنه بعصر آخر فى مصر أيضا منذ أكثر من خمسة قرون، وهو عصر الحمَّارين، لأنه بالمقارنة تتضح المعانى وتنجلي، كانت مهنة الحمَّار موجودة فى مصر على مر التاريخ الإسلامي، وكان الحمار هو الأصل التاريخى للتاكسي، أو شئت فقل التكتك، وكان القادرون من الناس يؤجرون حمَّارًا فى ذهابهم وإيابهم، ومن هؤلاء أحد شيوخ الأزهر العظام، هو الشيخ القرافى رحمة الله عليه، وسمى بهذا الاسم لأنه كان يحرص على أن يمر بالقرافة وهو فى الطريق
للدرس، يترحم على الأموات ويتذكر الموت، فكان كلما استأجر حمارًا يحكى مع الحمَّار موضوع الدرس الذى قام بتدريسه فى ذلك اليوم، ولأنه لم يكن له حمَّار مخصوص، وكل يوم حمَّار مختلف، فقد نشر الثقافة الفقهية بين حمَّارى القاهرة، حتى قيل إنه فى عصر القرافى أصبح حمَّارو القاهرة يتكلمون فى الفقه وأصوله من كثرة مصاحبتهم للشيوخ وحرصه على أن يعيد الدرس لمن يصاحبه منهم فى غدوه ورواحه.
فى زمن الحمَّارين كان العلم من الانتشار والذيوع فى المجتمع، وكان الحمَّارون مثقفين ثقافة فقهية عميقة، أما زمن الزبَّالين فقد تغير الحال، وأصبح العلم فى ذيل الاهتمام، بل والاحترام من المجتمع والدولة والمنتمين لمهنة العلم، فأصبح الأستاذ الجامعى يبيع علمه فى صورة مذكرات تمتص دم الطلاب، أو دروس خصوصية، وفقد احترامه بعد أصبحت يده هى الدنيا ويد تلميذه هى العليا، هنا انتصر الزبَّالون، وأصبحت الزبالة واجهة المجتمع، تملأ الشوارع، وتتراكم على الطرقات، وتعج بها مداخل البيوت، وأصبحت تملأ الفضائيات فى صور متعددة من تجارة اللحوم التى يقودها جزار سابق، أو دعارة الفكر والثقافة، وأصبح على من يريد إصلاح الحال أن يبدأ بتنظيف الزبالة من كل أماكن وجودها.
فمن العبث أن يكون الموضوع الأبرز فى مصر هذه الأيام هو ذلك الدنجوان المراهق القادم من عالم عنتر الزبال، وأن ينشغل الأزهر به عن الجماعات التى استباحت الدماء والأعراض بإسم الدين، وغررت بشباب غض كان من الممكن أن يكون من بناة الحضارة فيتحول إلى أشلاء طمعًا فى الحور العين، قمة المأساة أن يتم استدراج الأزهر لمحاورة مراهق من فتيان الإعلانات.. ولم يكن أمام الأزهر خيار، لأن الزبال الصغير نشر قاذوراته على رؤوس العالمين، فكان لابد من التنظيف، ولكن للأسف تنظيف لقاذورات طفل، وليس لقاذورات عصر كامل جعل من هؤلاء يتحكمون فى الإعلام والقافة بفضل أموال فتيات الإعلانات.

 

ا