لماذا أصبحت القرية…عبئًا على الدولة؟

د. نصر محمد عارف

الاثنين, 23 مارس 2015 19:58
د. نصر محمد عارف

فى الستينات كان جدى وجدتى رحمهما الله لا يطيقان أكل «البتاو»، وهو خبز مصنوع من الذرة الرفيعة المخلوطة بنسبة ٢٪ من الحلبة، وهو خبز قاس جدا إذا نشف يتحول إلى قطعة حجر قد تقتل من تصيب رأسه، لذلك كان أبى رحمه الله يخصص لهما خبز القمح، ولأننى الابن الوحيد كنت أشاركهما فيه، وحين لا يكون هناك طحين قمح فى البيت كان أبى يشترى «أوقتين» من الدقيق الإفرنجي، وحينها كان هناك دكانان فى قريتنا يبيعان الدقيق، دكان الحاج إسماعيل السيد إمام، ودكان عمى نوح رشوان، وكنت أستغرب لماذا يخفى أبى الدقيق بين ثيابه،

ويمسكه من فتحة الجيب الشمال، التى لا يوجد فيها جيب فى قفطان الصعيدي، كان شراء الدقيق عيبا كبيرا، لأنه يعنى أنك لست مزارعًا، وأنك لاتملك مخزونا من القمح… ودارت الأيام.. وفى عزاء أبى فى يناير ٢٠١٥، وحسب عادة أهلنا هناك يأتى الجيران بالطعام لأهل الميت، وجدت واحدا من أهلى يضع على صينية الطعام عيش بلدى من الفرن، وليس العيش الشمسى المصنوع فى البيت.
شراء الدقيق كان عارًا، واليوم شراء العيش البلدى المخصص لأهل البندر أصبح فخارًا، نقلة نوعية خطيرة تقيس التغير فى مصر، فالقرية التى كانت تطعم المدينة، أصبحت عبئًا على المدينة، وبيت الفلاح الذى كان يحقق الاكتفاء الذاتى من كل شئ، أصبح يشترى من «السوبر ماركت» كل شىء، «السوبر ماركت» أصبح فى نجع الدقيشى، حيث تعيش أسرتي، خمسون

بيتا، أصبح عندها «سوبر ماركت»، مؤشر على ضياع الريف، وانتهاء القرية، وذوبان ثقافتها، وانقلاب دورها من منتج إلى مستهلك، من مصدر للاقتصاد الزراعي، واحيانا الصناعي، إذا تذكرنا صناعة الجبن، والسمن، والعسل، إلى عبء استهلاكى فى كل شىء، القرية أصبحت تستورد من المدينة البيض، والجبن، والخبز، والوقود…الخ. ولا تنتج الكثير، والمثال هنا قرى الصعيد.
كل شىء فى القرية كان على مقاس اقتصادها، كل الإنتاج الزراعى والحيوانى كان منضبطا على اقتصاد القرية ماقبل زمن الكهرباء والأسفلت، كل إنتاجها كان منضبطا على استهلاكها، والآن تغير الاستهلاك بل انقلب رأسا على عقب، ولكن للأسف لا يزال الإنتاج على نمطه القديم ولم يتغير، لذلك تحول إلى نوع من العبثية الاقتصادية الكاملة، أو المأساوية الاقتصادية المطلقة، واليكم بعض الأمثلة:
< نزرع نصف مساحة الأرض فى فصل الصيف بالذرة الرفيعة التى كانت غذاءً فيما مضى، ولم تعد كذلك، وكان البوص لسقف البيوت وللوقود، وحلت محله الخرسانة والبوتاجاز…فلماذا نحافظ على زراعتها؟
< نزرع نصف الأرض فى فصل الشتاء برسيما لتغذية الحيوانات التى كانت تستخدم فى الحرث، والدرس «فصل الحبوب عن القش» وتنتج الجبنة والسمن، واليوم نستخدم الآلات فى كل الأنشطة الزراعية، ونأكل جبنة وسمن من «السوبرماركت».. لماذا نزرع البرسيم إذن؟
< نربى سلالة معينة من الأبقار مستأنسة بصورة عميقة، تستخدم فى كل الأنشطة من حرث، ودرس، ولكن إنتاجها من اللبن لا يتجاوز عشر مثيلاتها من الأبقار الأوروبية أو المهجنة، وبعد استخدام الآلات.. ماذا نستمر فى تربية نفس النوع من الأبقار؟
والأمثلة كثيرة لمن أراد أن يحصي، ولكن الحقيقة واحدة وهى استمرار نفس نمط الإنتاج رغم تغير أنماط الاستهلاك، ووسائل المعيشة، نحافظ على العادات الزراعية، وكأنها نوع من الفلكلور، أو طقوس عبادة وثنية دون تفكير، رغم أن الواقع كله قد تغير، وهذا أدى إلى أن أصبحت القرية المصرية عبئا ثقيلا على الاقتصاد المصري، وتحولت إلى مقر لسكنى الموظفين الذين يعملون فى بطالة مقنعة فى أجهزة الدولة، أو سكن لأبناء العاملين فى الخارج، وبالمناسبة لولا العمالة المهاجرة إلى دول النفط، والموظفين فى المدن، لما استطاعت القرية المصرية أن تستمر يوما واحدًا، كل اقتصادها يقوم على مصادر تمويل تأتى من خارج القرية، والزراعة أصبحت نوعاً من المحافظة على العادات، لتحقيق الحد الأدنى من الإنتاج.
وهنا يثور السؤال: كيف نعيد القرية إلى سابق عهدها ككيان منتج، ومنتج لأهم السلع الإستراتيجية فى الدولة وهو الغذاء؟…. الحل يكمن فى إعادة هيكلة الإنتاج الزراعى والحيوانى فى القرية بصورة كاملة من خلال:
< التركيز على زراعة المحاصيل الغذائية سواء حبوب أو خضراوات أو فواكه، أو المحاصيل الصناعية مثل القطن، والكتان والسمسم، والذرة، والفول السودانى.. الخ
< استبدال الثروة الحيوانية بسلالات كثيفة الإنتاج الحيوانى سواء الألبان، أو اللحوم.
< عودة الجمعيات التعاونية، ونظام الدورة الزراعية والإرشاد الزراعي.
< التعامل مع القرية على أنها أهم نقاط الأمن القومى وهو الأمن الغذائى.
< نشر الصناعات الغذائية فى القرى؛ مثل صناعة الجبن، والسمن، وتعبئة وتجفيف الفواكه، وتعبئة الحبوب، والعسل.. الخ.
وقبل كل ذلك أن تعود الدولة إلى القرية بعد أن أهملتها وتجاهلتها لأكثر من ثلاثين عاما.

 

ا