رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بوتراجايا

د. نصر محمد عارف

الاثنين, 04 أغسطس 2014 22:00
د. نصر محمد عارف

بوتراجايا توجه دعوة إلى رئيس الجمهورية، وإلى رئيس الوزراء لكي يرسلا اليها وفوداً تزورها، وتطلع عليها، وتدرس تخطيطها، وتصميمها، ومعمارها، وجمالها، ودورها التاريخي في إحداث نقلة نوعية في تطور ماليزيا ونهضتها الحديثة، بوتراجايا تنادي كل المسئولين عن تخطيط وتصميم وتنفيذ العاصمة السياسية الجديدة لمصر أن يأتوا اليها بأشخاصهم،

وليس فقط من خلال تقارير يكتبها غير ذوي اختصاص، بوتراجايا هي كلمة السر لكي تستطيع مصر أن تخطو أول خطوة في مشوار بناء مصر الجديدة، مصر الألفية السابعة، أو الثالثة بعد الميلاد، مثلما فعل القادة العظام الذين خططوا وأسسوا عواصم مصر السياسية في موقعها الاخير؛ ابتداء من الفسطاط، الى العسكر ثم القطائع فالقاهرة بكل امتداداتها التي كان لكل والٍ أو خديو أو سلطان او ملك من أسرة محمد علي بصمة واضحة عليها، ومنطقة فيها، أضافها الى ما تركه الفاطميون، والأيوبيون، والمماليك، بوتراجايا تقدم نموذجاً هو الاقرب إلى الاقتداء، والاستفادة، وستوفر على مصر الكثير من الجهد والوقت، وستقدم حلولاً ناجعة وفعالة ومجربة لكل ما تحتاجه مصر في عاصمتها السياسية الجديدة.

بوتراجايا هي العاصمة السياسية الجديدة لماليزيا، بعد أن أصبح من المستحيل على النمر الآسيوي الصاعد أن يظل حبيساً في مدينة كوالالمبور التاريخية، التي ازدحمت، وتوسعت وتمددت حتي صارت عائقا امام النمو الاقتصادي لماليزيا، وانطلاقاتها الاستثمارية الهائلة، وتقدمها التكنولوجي المضطرد، ورفاهية شعبها، وجاذبيتها السياحية للزوار من كل أرجاء العالم، أمام

هذا الوضع الذي وصلت إليه كوالالمبور، والذي وصلت اليه القاهرة منذ السبعينيات في القرن الماضي، أمام هذا الوضع المعيق للتنمية؛ لم تنتظر القيادة السياسية الماليزية ممثلة في زعيمها وقائد نموذجها التنموي الدكتور محاضر بن محمد، فاتخذ القرار السياسي الحكيم في ١٩٩٩ بنقل العاصمة السياسية الى خارج كوالالمبور، فاختار مكاناً قريباً من العاصمة، يبعد عنها ٢٥ كيلو فقط، ونقل اليه جميع مؤسسات الدولة ماعدا وزارتي الاستثمار والتعاون الدولي فقد أبقى عليهما في العاصمة التاريخية كوالالمبور، لتيسير الأمر على المتعاملين معها من الزوار الاجانب، ومن ولايات ماليزيا الأخرى.
تم التأسيس، على مساحة ٤ كيلو مترات مربعة، عند التصميم حرص المخططون على أن يؤسسوا مدينة غاية في الفن والإبداع والجمال، وكأنهم ينشئون مدينة سياحية، أو تحفة فنية، فصنعوا فيها بحيرات صناعية تغطي جميع مناطقها، وحولوا البحيرات الى ما يشبه نهر يلتف داخلها ليصنع دائرة كاملة بين مناطقها، يقطع هذا النهر الصناعي أو البحيرات الصناعية ١٢ كوبرياً، كل واحد منها تحفة معمارية تعبر عن فن من فنون العالم القديم والحديث، وعلى أطرافها مساجد غاية في الابداع والجمال المعماري، فتجد مسجداً من زجاج، وآخر من حديد خالص، وثالث معماره هندي، ورابع من
وسط آسيا، وعلى هذا النمط تم تصميم جميع المؤسسات الحكومية يتوسطها مجلس الوزارة في معماره البديع، كأنه قصر تاريخي غاية في الجمال المعماري، وباقي الوزارات تأخذ نماذج معمارية متنوعة ومختلفة، لتقدم بانوراما فنية، يذهب اليه السائح ليشاهد نموذجاً مصغراً للحضارة الماليزية الحديثة.
ولم يكن الماء متاحاً في المكان الذي أنشئت فيه بوتراجايا، بل إنه تم استقدام الماء من نهرين قريبين منها، وتم شق البحيرات والأنهار الصناعية، وتمت صناعة مدينة جديدة بكل ما تعنيه الكلمة، ولكنها أصيلة تعكس الثقافة الماليزية وعمقها الحضاري الإسلامي بكل جدارة واقتدار، والفكرة هنا أن العاصمة السياسية لا تعني القبح، أو الصرامة والجدية فحسب، بل تعني الحضارة والثقافة التي تعكس هوية الدولة، ونموذجها الحضاري، وفي نفس الوقت تمثل مقراً، ومسكناً لكل اولئك الذين يعملون فيها، ويعيشون مع أسرهم على أرضها، وتمثل في نفس الوقت نموذجاً لباقي مدن الدولة، تقتدي به، وتقلده، وتسعى أن تكون مثله، وهذا هو دور العاصمة السياسية، إنها تمثل رمزاً للعظمة والأبهة أمام الأجنبي والزائر، وفي نفس الوقت تمثل النموذج المثالي، والقدوة للدولة والمجتمع، في معمارها، وفنونها، وجمالها، ونظافتها، وهذا ما تحقق في بوتراجايا.
زرت بوتراجايا منذ أربعة شهور لحضور مؤتمر حول حوار الحضارات نظمه مكتب رئيس مجلس الوزراء، وتم تنظيم رحلة للضيوف في مركب سياحي في البحيرات الصناعية، طفنا على جميع مناطقها مرة من الماء سياحة، وأخرى بالسيارات للاطلاع على ما بداخل بعض المباني، وسألت عن معنى بوتراجايا، فقالوا لي: «بوترا» هو الاسم الأخير لرئيس الوزراء الأسبق السيد عبدالرحمن بوترا؛ الذي حكم ماليزيا قبل محاضر بن محمد وانتقل إلى رحمة الله، و«جايا» تعني بلغة الباهاسا وهي اللغة القومية «النجاح»، فتكون هي «مدينة السيد بوترا للنجاح».. فماذا سوف نطلق على العاصمة السياسية الجديدة لمصر؟