اللعب بورقة السنة والشيعة!

د.مصطفى محمود

الأحد, 08 فبراير 2015 22:03
بقلم: د. مصطفى محمود

هل يعيد التاريخ أقبح ما فيه؛ وترتدى الطائفية أردية القديسين؛ وتصبغ الإمبريالية العالمية وجهها بمساحيق أخذت من دمائنا؛ فما أشبه ما نشتمه اليوم من رائحة الفتنة بين السنة والشيعة كما حدث من قبل بين البروتستانت والكاثوليك وأشعل الحروب بينهما فأفقد ألمانيا وحدها 30% من تعدادها. الكثير من المؤشرات تفيد بأن هناك صفقة أمريكية إيرانية بدت تتشكل خيوطها وتبرز معالمها في الأفق، وخاصة أن الولايات المتحدة خسرت تقريبا جميع أوراقها في الشرق الأوسط، فضلا عن الحلفاء التقليديين.

ولأن الغاية تبرر الوسيلة فإن خدمات إيران لإشعال المنطقة فى حرب ضروس بين الشيعة والسنة؛ ربما ستمنح الولايات المتحدة قبلة الحياة لمشروع تقسيم الشرق أوسط؛ بينما تهب أمريكا من أجله إيران بطاقة العضوية النووية لأن المرحلة الحالية تتطلب تعاونًا وثيقًا بين الإدارة الأمريكية وإيران فمفاتيح اللعبة الجديدة فى الشرق الاوسط فى يد إيران.
ففي ظل الانقسامات والصراعات القبلية والدينية والطائفية والسياسية في العالم العربى، فإن المكاسب التي ستجنيها «داعش» والتعاطف معها وانضمام مقاتلين جدد إليها، وردود الأفعال السلبية ستزيد النار اشتعالا وكلها تلعب فى اتجاه  تدعيم ما عرف بـ«سايكس بيكو» قبل مائة عام (1916) والتي قسمت الإمبراطورية العثمانية فيما بينها.
فبعد حرب الخليج ونهاية الحرب الباردة أراد الصهاينة استغلال اللحظة المناسبة من أجل صياغة المنطقة على مقاسهم، شرق أوسط مفكك على أسس عرقية وطائفية ومذهبية يشتبك الجميع فيه مع بعضهم البعض بينما يتصالحون جميعاً، وربما يتحالفون أيضاً مع الدولة العبرية. وهذا ما أعلنته وزيرة الخارجية الأمريكية حينذاك كوندوليزا رايس أثناء القصف الجوي المتواصل للأهداف المدنية اللبنانية؛ من أن الحرب هي «ميلاد» لشرق أوسط جديد، وخاصة أنه بحسب دراسة حديثة لمركز

القدس للشئون العامة، فإن الأعاصير السنية الجهادية الشرسة الضاربة في جميع أنحاء المنطقة الآن، تسعى لاختراق الحدود ومحو الدول والجهاد السني المتمثل في «داعش» أو الدولة الإسلامية للعراق والشام يشكل الآن خطرا حقيقيا على الشيعة في سوريا ولبنان، ولأن إيران مازالت تحلم وتتطلع لاستعادة التفوق الشيعي في الشرق الأوسط الكبير. وهذا ما تغذيه أمريكا، متناسية أنها خالقة داعش؛ وأن واحدا من المخاطر الرئيسية الناجمة عن توسع «داعش» هو انتشار الإرهاب العالمي خارج حدود العراق وسوريا والمنطقة بأسرها؛ وهذا ما سيحدث ايضا مع تقوية شوكة الشيعة فى المنطقة.
ولقد طرحت القضية في تحليل أمريكى عنوانه «اللعب بورقة السنة» تضمن ما يلي: «من وجهة نظر فريق الحرب في أمريكا فإننا إذا نظرنا إلى الوضع الطائفي في الشرق الأوسط فسوف نجد أن الحكام السنة المتحالفين مع أمريكا متوحدون في مواجهة احتمالات المد الشيعي. وإذا كنا في حالة حرب حضارية مع الإسلام من وجهة نظر فريق الحرب، فإن تعميق هذا الانشقاق الطائفي في صفوف العدو يجب النظر إليه باعتباره استراتيجية فعالة». وهذا فى الواقع هو التخطيط الامريكى منذ البداية لإشعال فتنة طائفية تمزق العالم العربي. وهو ما نشرته المجلة العسكرية الأمريكية المتخصصة «أرمد فورسز جورنال» عندما طرحت خريطة جديدة للشرق الأوسط، وضعها الجنرال المتقاعد رالف بيترز ، وقسّم فيها المنطقة إلى دول سنية وشيعية وكردية، دولة شيعية تُعرف باسم «شيعستان» تتحالف مع إيران في الجنوب،
بكل ما يحتويه من آبار نفط، ودولة سنية في شمال وغرب بغداد، أما العاصمة فيتم تقسيمها إلى بغداد الشيعية الشرقية وبغداد السنية الغربية والآن ترتفع الجدران بين السنة والشيعة.
وللاسف أن التنظيم المصنوع داعش يستقدم المقاتلين من جميع أنحاء العالم الإسلامي السني للانضمام إليهم، ويحصلون على تمويل من الدول السنية، مما أشعل التوتر بين السنة والشيعة في جميع أنحاء العالم وأخذ في الارتفاع في أفغانستان وباكستان وتركيا والكويت ولبنان والبحرين وليبيا وتونس وماليزيا وحتى في لندن  بشأن قضايا الهوية والحقوق والمصالح ومنح حق التصويت، كما أن هناك توترات عميقة الجذور في المخاوف الاقتصادية والجيوسياسية الأوسع، لكن الخطر الأكبر للانقسام بين السنة والشيعة هو الحرب بينهما، والتى ستدفع المنطقة إلى الدمار ؛وسوريا أكبر دليل على هذا الصراع، حيث يوجد مقاتلون جهاديون من تنظيم القاعدة السني، مقابل مقاتلي حزب الله الشيعي، وهو ما يحوّل الحرب في سوريا إلى حرب طائفية من الدرجة الأولى، ورغم أن هناك نحو 1.5 مليار مسلم في العالم أغلبهم من السنة - وتبلغ نسبة الشيعة ما بين 10 إلى 20% من المسلمين في العالم - ما يجعل الشيعة أقلية في العديد من دول الشرق الأوسط في دول السنة، لكن في دول مثل العراق وإيران والبحرين وأذربيجان يفوق عدد الشيعة عدد السنة، ويشعل الوضع في سوريا وجود أغلبية سنية تحكمها أقلية شيعية، وأن وضع العلويين في سوريا - الطائفة التي ينتمي إليها الرئيس السوري بشار الأسد والكثيرون من النخبة في الجيش السوري الحكومي - عكس الوضع العراقي في عهد صدام حسين، لوجود أغلبية شيعة تحكمها أقلية سنية، وهذا الانقسام بين الفيصلين أقدم وأعمق حتى من التوترات بين البروتستانت والكاثوليك التي أفسدت أوروبا لعدة قرون.
إن ما يحاك ضد الامة الاسلامية هراء وهدفه الاول استعمارى وأنا مع ما توصل إليه العراقى أحمد الكاتب فى رسالة الدكتوراة من نتائج تلغي الخلافات التاريخية بين السنة والشيعة وتجعلها لا أساس لها وخاصة أنه أثبت من خلال دراسات متعمقة استغرقت وقتا طويلا أن تلك الخلافات قامت على نظريات سياسية وليس على عقيدة دينية.

 

ت