أسلحة التحكّم فى البشر

د.مصطفى محمود

الأحد, 13 أبريل 2014 22:20
بقلم: د. مصطفى محمود

 

منذ أكثر من نصف قرن والولايات المتحدة تجرى وراء استراتيجية إمبريالية كبرى من أجل سيطرتها على العالم وإخضاعه وظهر هذا جلياً في أزمة الصواريخ الكوبية، بهدف السيطرة

مهما علت المخاطر.. وفعلت هذا إدارة بوش فى العراق ودفعتنا نحو الحدود النهائية للسيطرة الإمبريالية نحو الاختيار بين امتيازات القوة وإمكانية العيش على الأرض، وهذا ما تسير على خطاه بالورقة والقلم الإدارة الأمريكية الآن وعلى رأسها أوباما، وما ستفعله أمريكا لا محالة بعده، فهى سياسة واحدة لا تختلف بتغير الرؤساء، فكل المظاهر الأخيرة لسياسة السيطرة على العالم، من الإحادية، وتعطيل الاتفاقيات الدولية، إلى إرهاب الدولة لتحقيق الهيمنة الأمريكية، تنفيذا لخطة السعي الأمريكي لتسيّد العالم، من خلال سياسات الحكومة الأمريكية الهادفة لتحقيق «السيطرة التامة» مهما بلغت تكاليف تلك الرؤى.. ولقد أشار إليها بوضوح فى مقالة وكتاب الكاتب الأمريكى «نعوم تشومسكي».. ففي كتابه «الهيمنة أم البقاء» يتفحص كيف وصلنا إلى هذه اللحظة، وما المخاطر المحدقة بنا، ولماذا يرغب القادة الأمريكيون في تعريض مستقبل البشر للخطر.. محللا مبادئ الاستحواذ التى يتميز بها الفكر الأمريكى الراغب فى قيام الإمبراطورية الأمريكية تحت مسميات لدول تخضع قرارتها وإرادتها لأمريكا حتى وإن كانت بشكل صورى يطلق عليها مستقلة، وتلك وصفة لتحويل العالم إلى مستعمرة أمريكية.
وفي مقال مهم له «الأسلحة الصّامتة للحروب الهادئة» وهى «وثيقة سريّة» تم العثور عليها صدفة سنة 1986 عن أساليب التحكّم في البشر، طرح 10 استراتيجيّات للأساليب المستخدمة من قبل وسائل الإعلام العالميّة للسيطرة على الشّعوب وهى الاستراتيجيات التي تعتمدها دوائر النفوذ في العالم للتلاعب بجموع النّاس وتوجيه سلوكهم والسيطرة على أفعالهم وتفكيرهم في مختلف بلدان العالم.
أولها وأخطرها استراتيجيّة الإلهاء المبنية أساساً على التحكم بالمجتمعات، بتحويل انتباه الرأي العام عن المشاكل المهمة والتغييرات التي تقرّرها النخب السياسية والاقتصادية، وهى استراتيجية ضرورية أيضاً لمنع الناس من الاهتمام بالعلوم، والاقتصاد، وبالتركيز على تشتت اهتمامات العامة، بعيداً عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية، وجعل هذه الاهتمامات موجهة نحو مواضيع ليست ذات أهمية حقيقية، فينحصر تفكيرالناس فى التفاهات، من دون أن يكون لهم أي وقت للتفكير.. ويبدو هذا فى الحكايات الغريبة عما يقال عن عسكرة الدولة، وعودة الفلول وما شابه من أطروحات عقيمة غرقنا فيها فى الآونة الأخيرة.. وهناك استراتيجية ابتكار المشاكل ثم طرح الحلول، وأعتقد أن تلك الاستراتيجية كانت تنفذ بخطى ثابتة إبان الحكم الإخوانى لتدمير البنية التحتية، لنصل إلى حد الموافقة على تأجير قناة السويس لقطر.. وكان الشعب يهيئ لذلك لدرجة أنه حتى قد يطالب تلك الإجراءات ويقبل بها.. وتستكملها الجماعة الإرهابية الآن بتنظيم تفجيرات دامية، على أمل مطالبة الشعب بعودتهم للمشاركة السياسية، وهناك استراتيجية التدرج فى كل شىء تريده الإدارة التابعة للأمريكان لتصل فى النهاية إلى ما تريده على فترات طويلة قد تصل إلى 10 سنوات بنظرية أطياف اللون الواحد (من الفاتح إلى الغامق)، واعتمدت تلك الطريقة بين الثمانينيات، والتسعينيات من القرن السابق ببطالة شاملة، وفساد، وفى عصر الإخوان الكلام عن المشاركة ثم الدخول فى مرحلة المغالبة, والسير نحو أخونة الدولة بأكملها.
أما استراتيجية التأجيل فقد استخدمها الرئيس المعزول كثيراً وهي طريقة تعتمد على

إكساب القرارات المكروهة القبول وتقديمها كدواء «مؤلم ولكنّه ضروري»، مع كسب موافقة الشعب في الحاضر على تطبيق شيء ما في المستقبل، فقبول تضحية مستقبلية يكون دائماً أسهل من قبول تضحية الآن على طريقة «أحينى النهاردة وأمتنى بكرة». ويترك كلّ هذا الوقت للشعب حتى يتعود على فكرة التغيير ويقبلها باستسلام عندما يحين أوانها.
أما أكثرها خبثاً فهى استراتيجية مخاطبة الشعب كمجموعة أطفال صغار بتقديم خطاب وحجج للشعب وشخصيات ونبرة ذات طابع طفولي، وكثيرًا ما تقترب من مستوى التخلف الذهني، وكأن المشاهد طفل صغير أو معاق ذهنيًا.. كلما حاولنا مغالطة المشاهد، كلما زاد اعتمادنا على تلك النبرة.
أما استراتيجية استثارة العاطفة بدلاً من العقل فتنجح فى الوطن العربى وبالأخص مصر وهي تقنية كلاسيكية تُستعمل لتعطيل التحليل المنطقي، وبالتالي الحس النقدي للأشخاص. كما أن استعمال المفردات العاطفية يسمح بالمرور للاوعي حتى تتم زرعه بأفكار، رغبات، مخاوف، نزعات، أو سلوكيات واستخدمت فى خطاب الرئيس مبارك ولكن تم القضاء على تأثيرها بما يسمى بموقعة الجمل!، أما استراتيجية إبقاء الشعب في حالة جهل وحماقة فاستخدمت فى مصر بجدارة, وفكر السمع والطاعة المبنى عليه الفكر الإخوانى يعتمد عليها أيضاً إلى جانب زيادة الفوارق بين التعليم المقدم للطبقات المسحوقة والأفقر، والطبقات العليا، والاستفادة من استراتيجية تشجيع الشعب على استحسان الأسوأ فلا يرفض أن يكون غبيًا، همجياً وجاهلًا، ولغة الحوار الموجودة على شبكات التواصل الاجتماعى الآن تؤكد أننا وصلنا لهذا بكل اقتدار.
أما استراتيجيّة تعويض التمرد بالإحساس بالذنب، فقد طبقت فى مصر بطريقة مضادة بالتأكيد أن الفرد ليس المسئول عن تعاسته، بل الدولة التى لا تقدر ذكاءه وقدراته أو مجهوداته، فوجدت الإضرابات والبلطجة كوسيلة للحصول على حقوق لم يفعل شيئاً إيجابياً للحصول عليها وكل هذا يقودنا إلى نفس منعطف الدولة الاكتئابية ولكن على الطريقة المصرية.
أما استراتيجية معرفة الأفراد أكثر مما يعرفون أنفسهم فلقد شارك فى توصيل المعلومات وتقديم الخدمات لها تلك الجمعيات الحقوقية والحركات العميلة وعلى رأسها أمثال 6 أبريل وما شابه من تجمعات ثورية تأخذ من الوطنية الاسم فقط ولكن المضمون تبعية وعمالة.