رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

رقعة الشطرنج الأوكرانية

د.مصطفى محمود

الأحد, 23 فبراير 2014 23:19
بقلم: د. مصطفى محمود

يبدو أن ورقة التوت الأخيرة قاربت على السقوط لتبدو الصورة الحقيقية التي تتخفى وراءها القوى الغربية رافعة شعارها الذى أصبح مستهلكا» الديمقراطية»...... فكل ما يقال عن

طموحات الشعوب الهادفة للتغيير وبناء الديمقراطية. والتغنى  بالعدالة الاجتماعية ما هو إلا قناع  تختفى وراءه طموحات الغرب فى السيطرة على العالم.. وما يحدث الآن فى أوكرانيا ما هو إلا تجسيد لفكرة التقسيم الإجباري لأوكرانيا وتصفية حسابات روسية أمريكية بمساعدة قوى سياسية داخلية مستغلين حالة الفساد، وتفاقم الأزمة الاقتصادية هناك.. ويتجلى هذا بوضوح فى ما قاله  وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في مقال له نشرته صحيفة «كوميرسانت» الروسية: «الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يحاولان دفع الحدود الفاصلة في أوروبا نحو الشرق، بدلاً من إزالة مناطق النفوذ في أوروبا حسبما تم الاتفاق عليه، وذلك على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي أكد في السابق أن مشروعه بشأن مشروع شراكته الشرقية مع دول وسط أوروبا وشرقها ليس موجهاً ضد روسيا».
وفى الواقع أن الأزمة الأوكرانية ما هى إلا صورة بالكربون من الأزمة السورية وإن اختلفت فى بعض الرتوش التى يصبغها فنانو إثارة الأزمات لصالح الغرب من مكان الى آخر، مرتدين أقنعة الثورة ورافعين شعار «عيش حرية عدالة اجتماعية»..وكالمعتاد كذب أوباما عندما قال، معلقًا على الأحداث التي تشهدها كل من أوكرانيا وسوريا، إنه لا يعتبر البلدين «رقعة شطرنج للحرب الباردة»، تتنافس فيها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا». ولا أعرف كيف نستطيع تصديق هذا الهراء، وخاصة أن كل صاحب بصيرة يرى النفوذ الأمريكى الروسى وصراعهما على تورتة تمزيق الشعوب الذى يبدو جليا وواضحا

فى كل من المشهدين السوري والأوكراني، ولأن الرئيس أوباما على «رأسه بطحة» كشفها من قبل كتاب زيجينو بريجنسكي الشهير (رقعة الشطرنج العظمى) فلقد طالب بريجنسكي واشنطن بإعطاء اهتمام أكبر لأوكرانيا باعتبارها الدعامة الأكبر لروسيا والتي بدونها لا تستطيع موسكو أن تستعيد طموحاتها في التوسع خارج حدودها وتفقد حلمها في نشر أساطيلها الحربية في المياه الدافئة، ولهذا أطلق بريجنسكي على أوكرانيا «قطعة الشطرنج العظمى». ومن هذا المنطلق فإن الصراع الروسى الأمريكى هو السبب الرئيسي في عدم إتاحة الفرصة للوصول الى الحلول والاستقرار سواء كانت الأزمة سياسية أم اقتصادية. والأزمة الأوكرانية تتحرك وفق أجندات ذات صلة بالولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، وجذورها تمتد في العمق لسنوات. وخلف الكواليس تتجلى الحرب بين القوى الكبرى لتفرض سيطرتها عليها وتستعمرها على طريقة الجيل الرابع من الحروب، ولكم فى الثورة البرتقالية نموذجا يا ذوي الألباب.
ورغم أن الأوضاع في أوكرانيا ليست محسومة لا لصالح الغرب وواشنطن ولا لصالح روسيا، ولكن المؤشرات تقول إن وضع موسكو أقوى في ظل استمرار إهمال أوكرانيا من قبل الإدارة الأمريكية التى وجهت أحلامها وطموحاتها الى منطقة الشرق الأوسط لمشروع برنارد لويس، ولكن عندما وقفت مصر عقبة امام تحقيق الحلم، حاولت إنقاذ ما يمكن إنقاذه فى أوكرانيا، ولكن يبدو هذا صعبا في الوقت الذي تملك فيه موسكو أوراق ضغط قوية ورابحة
بشكل كبير، وعلى رأسها إمدادات الغاز والنفط لأوكرانيا وارتباط الاقتصاد الأوكراني بالسوق الروسية التي تستوعب وحدها أكثر من 70% من صادرات أوكرانيا.
وسط هذا كله نجد أن الشعب الأوكرانى يقع بين فكي كماشة الولايات المتحدة من جهة وروسيا من جهة أخرى، كل منهما تحاول فرض سياستها عليها باستغلال ظروفها الاقتصادية. فروسيا تهددها «بقطع التجارة بين موسكو وكييف»، والولايات المتحدة تغريها بالاتحاد الأوروبي لما له من مزايا اقتصادية وسياسية من سهولة التنقل ورفع الجمارك عن بعض البضائع اقتصادياً وعلى المستوى السياسي تبني القوانين المعلنة للاتحاد الأوروبي وبذلك ستمتلك أوكرانيا وزناً سياسياً بين الدول الأخرى.
أمريكا تستغل المحتجين بحجة حماية الديمقراطيات «بدعم المعارضة التي صُنعت بأيدٍ خارجية وتسعى إلى السلطة لا أكثر»، وروسيا تراها بلداً تابعاً لها وامتداداً لمستعمراتها، وهو المعبر الرئيسي لتمرير الغاز الروسي إلى أوربا «وهو ما يزود الاقتصاد الروسي ويقصر المسافات وتكاليف النقل الباهظة» ومنفذها على البحر الأسود الذي يستخدمه أسطولها البحري..
والمتضرر الأول هو الشعب الذي يعاني الأمرّين نتيجة الاضطرابات السياسية وتدور الدائرة ويدفع الشعب ثمن الخلافات والصراعات التي لا تخص الشعب ولكن قيام فئات مدفوعة من الخارج بالتحرك وفق مصالح دولية يطغى على المشهد المضطرب.. فالمراقب للمشهد على الساحة السياسية الأخيرة يرى أن رفض الرئيس الأوكراني في البداية التوقيع على اتفاق الاتحاد الأوروبي كان بضغط مباشر من موسكو، وازدياد حدة الاحتجاجات أثناء الرفض كان بتحريض من أمريكا ودعمها ولاسيما للمعارضة الأبرز يوليا ياكوفيتش التي حضّت على الاحتجاج والتوجه إلى كييف واضرابها عن الطعام بسبب رفض التوقيع.. إن الأمر لا يخرج عن كونه صراع المصالح بين البلدين، مدعوماً بالعملاء المحليين ماركة المناضلين السياسين والمعارضين أصحاب الأجندات الخاصة التى يدفع ثمنه الشعوب من دمائهم واستقرارهم ويحصدون هم الملايين من الدولارات... إن ما يحدث الآن فى العالم لن يهدئ الأوضاع بل ربما يزيدها اشتعالاً إلى الحد الذى يخشى منه اندلاع حرب عالمية جديدة تكون ساحتها الشرق الأوسط ووسط آسيا.. «وكله باسم الديمقراطية».