شهادات براءة التآمر على مصر

د.مصطفى محمود

الأحد, 19 يناير 2014 23:47
بقلم: د. مصطفى محمود

مازالت الحرب الضروس قائمة بين مريدى ثورتي 25 يناير و30 يونية. ولا ينجو منها إلا من رحم ربى، أو كان إنساناً طبيعياً عاشقا لمصر مستعداً أن يفهم الأخطاء ويعمل على إصلاحها ويتجاوز الشعارات والهتافات الى مرحلة البناء. وللتحديد نشير إلى أن المتحمسين للثورة الاولى يمكن تقسيمهم إلى ثلاثة أنواع، الأول المحب النقى الذى أصلح المسار بثورة 30 يونية ويأمل فى تجاوزها بعد الدستور لمرحلة البناء أو شخصية عميلة ومأجورة وجد أن هناك من أنقذ مصر من الانحدار الى الهاوية، فيعمل جاهداً على إعادتها الى المنحدر . والنوع الثالث مغيب ينطبق عليه مقولة «حافظ مش فاهم» ينساق دون أن يدرى فى ركب مرتزقة «25 يناير» ينفذ مخططات التشكيك فى 30 يونية وتوابعها من خارطة الطريق والدستور لأنهم أفسدوا عليهم الصفقات القذرة والمخفية.

والغريب أننى لاحظت أن هناك من الذين شاركوا فى صياغة الدستور أمثال خالد يوسف الذى ردد ما قالته الجزيرة دون تفكير من أن الاستفتاء لم يشهد مشاركة الشباب، مما يستوجب إعادة التفكير فى الاخطاء التى وقعنا فيها رغم أنه لو فكر قليلاً لوجد أن فترة الصباح الباكر سيطر على مشهد المشاركة فيها كبار السن والسيدات وهو ما يرجع الى أن ايام الاستفتاء لم تكن عطلة رسمية والطبيعى أن يكون الشباب فى أشغالهم. والغريب أنه عندما ملئت صفحات الفيس بوك مساء بطوابير الشباب لم يخرج هو وأمثاله لتصحيح الخطأ... هذا يعيدنى الى تحليل وافٍ للدكتور أحمد بن سعدة، والذى يعيد النظر ويحاول قراءة ما بين السطور في ما أطلق عليه «الربيع العربي»، خاصة أن رؤيته، بعيدة عن الأحكام العاطفية المحللة

للمظاهرات الشعبية عبر العواصم العربية، إلى جانب أنها قد تفسر لك لماذا يكره الغرب السيسى ولماذا يناصبون العداء لثورة 30 يونية، وهو يضعنا على طريق محاولة فهم ما يحدث وراء الواجهة.
فمع اعترافه بمشاعر الظلم والقهر التي ولدها الحاكم العربي، فإن المحرك الأساسى لجميع الثورات العربية وداعمها بشكل لوجيستى هى أمريكا بتأجيجها موجة العنف المستمرة حتى الآن والتى كانت ذراعها فى المنطقة المنظمات غير الحكومية عبر شبكات الانترنت. وهناك دور رئيسى لشركة أمريكية مقرها بماساشوستيس، طورت نظام TOR (تور) الذي يسمح بالإبحار في الشبكة بصفة مجهول، حيث وضع النظام على الشبكة في متناول «المنشقين» الإيرانيين مجانا،  حتى يتقاسموا معلومات تخص «الدول الشمولية»، وهي نفس المنظمة، التي ساعدت مستعملي الإنترنت في تونس ومصر على التواصل أثناء ثورتهم، للتحايل على رقابة حكوماتهم وجميعنا لا ننسى كيف تواصل أعضاء نادى صربيا فى مصر مع العالم بعد قطع الاتصالات يوم 28 يناير. وخاصة أنه فى كتابه «ارابيسك أمريكان» يوجه د. بن سعدة سهامه إلى الأنظمة العربية المتسلطة وسلوك الإدارة الأمريكية والقوى الغربية في منطقة الشرق الأوسط. مشيراً بوضوح الى دور الولايات المتحدة الأمريكية في الثورات العربية،من خلال الوكالات الأمريكية التي «تصدر» «الديمقراطية» منهاl’US AID, la NED , Freedom House ,Open Society Institute ومن بين الهيئات النشطة، ما يعرف بـ«الفريدوم هاوس» الذي بُني سنة, 1941 وهو جزء من المكتب الفيدرالي «سي أي
أي»، من طرف حرم الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلن روزفلت، وتداول على إدارته كبار المسئولين في الإدارة الأمريكية؛ على غرار رونالد رامسفيلد بروزنسكي والملياردير الأمريكي سوروس الذي أنشأ بدوره منظمة «معهد المجتمع المفتوح» سنة, 1993 والتي أخذت على عاتقها تطوير ونشر الديمقراطية وتعميم الإصلاحات الاقتصادية، ولكن هدفها المعلن -كما قال صاحب الكتاب- هو فتح أسواق اقتصادية جديدة.
وهذه المنظمات في مقابل ذلك ممنوعة من ممارسة نشاطها داخل التراب الأمريكي إلى جانب مساعدة موقع جوجل وتويتر والفيس بوك والبرمجيات الرقمية الشهيرة. وهذا ما أكدته الأيام من الدور الذى لعبه جارد كوهين وجين شارب فى الثورات العربية، حيث أشار الى منظمة «كانجا» التي استطاعت تكوين أشهر المدوّنين الذين حرّكوا الشارع العربي، مستخدمين الشعارات ذاتها مثل «كفاية» و«ارحل» وقبضة اليد الواحدة المستوحاة، مما تعلّموه في فترات تكوينية مجانية تلقاها هؤلاء في صربيا، ووجدت هذه المنظمة وفروعها موجودة فى ثورة مصر والعالم العربى...ولأن الأيام تكشف لنا المؤامرة التى حيكت لمصر والوطن العربى إبان ثورات الربيع العربى والتى تآمر على دم المصريين فيها أناس من نفس جنسيتهم ارتدوا ملابس الإصلاح ورفعوا شعارات لا يؤمنون بها ولكنها أداة الشغل، لذلك منحوا شهادات براءة التآمر على مصر. واستطاعوا من خلال فساد النظام السابق وفطرة المصريين اغتيال ربيع ثورة حلم بها المصريون فى مهدها وبالتالى فكل مساحيق التنظيف في العالم غير قادرة على محو قذارتهم وعمالتهم من تاريخ بلدنا، لكونهم عملوا لمصالح الإمبريالية العالمية وعلى رأسها أمريكا والكيان الصهيوني، ومن خلالهم يتم تنفيذ كل الأوامر الصادرة بتعطيل خارطة الطريق. وبث المناهج التآمرية بين صفوف المصريين، ولكنهم للاسف لا يعلمون انتهاء صلاحيتهم وتواجدهم فى الصف المصرى والذى رقص طربا بالمشاركة فى الاستفتاء على الدستور.
إننا لا نرفض 25 يناير ولكن نعيد النظر فى الملابسات المحيطة بها، وخاصة بعد أدراكنا أننا كنا ترس فى آلة تقسيم الوطن العربى إلى دويلات، تحضيرا لإعلان مشروع الشرق أوسط الجديد، لذلك فإن الارهصات الدائرة من مرتزقة 25 يناير لا تخرج عن كونها زوبعة فى فنجان... لن يلتفت لها العقلاء.