مرتزقة التحوّلات الديمقراطية

د.مصطفى محمود

الاثنين, 06 يناير 2014 00:42
بقلم -د.مصطفى محمود


يبدو أن ضبابية المشهد فيما سمى مجازا فى السنوات الماضية بالربيع العربى، بدأت تنقشع ويظهر المستفيد الاول منه خاصة أن الاقنعة التى وضعتها النخبة المحركة له بدأت فى السقوط الواحد تلو الآخر. ولم يعد للمساحيق التى صبغ بها عملاء أمريكا والصهاينة وجه الحقيقة مكان. وللاسف فإن المكاسب من تلك الثورات اتجهت مباشرة إلى الرصيد الإسرائيلى من أحلام السيطرة على المنطقة العربية وهذا ما يؤكده ال موشيه العاد، المحاضر الإسرائيلي في الكلية الأكاديمية للجليل الغربي، من أن «فاتورة» الربيع العربي حققت إنجازات إستراتيجية

لإسرائيل عجزت إسرائيل عن تحقيقها على مدار عقود، وبالأخص تدمير سوريا التي كانت دومًا عدوا شرسا لها بتفكيك وإجهاد قوتها العسكرية، بدون قيام إسرائيل بإطلاق رصاصة واحدة عليها.. وأيا كان القادم فى سوريا فإن التهديد الاستراتيجي السوري المباشر ضد إسرائيل سيزول ولفترة طويلة، خصوصًا أن أي نظام سوري جديد سيواجه تحديات داخلية صعبة تمنعه من التفرغ لمعاداة إسرائيل.
وللاسف فإن حركة حماس  التى كانت تقوم بمسلسلات بطولية ضد إسرائيل وضح أنها تلعب لصالح نفسها. ومن أجل ذلك فلتذهب مصر إلى الجحيم ولتقسم سوريا إربا، لذلك لم يكن غريبا أنها اضطرت إلى مغادرة دمشق التي شكلت معقلها السياسي واللوجيستي خلال العقدين الأخيرين، وتركيز قادتها الموجودين فى العواصم العربية على اللعب لصالح الإخوان حتى لو كان هذا النظام هو الأنسب من بين الأنظمة العربية بالنسبة إلى إسرائيل، فهو لم يعترض على اتفاقية السلام مع إسرائيل، ولكنه كان سيمكن حماس من سيناء، لكونها الذراع العسكرية لجماعة الإخوان الإرهابية وكل هذا كان يصب في الصالح الاستراتيجي الإسرائيلي تمامًا، خصوصًا أن إسرائيل طالما عانت من عمليات

تهريب السلاح إلى حماس وبقية المنظمات الفلسطينية بقطاع غزة»... فإسرائيل أصبحت تطرد وتبني المستوطنات من غير حسيب ولا رقيب بعد أن ابتعدت منابر الإعلام عنها لتغطي قصصاً جديدة عن ما يحدثه المسلمون والعرب فى أنفسهم  ومع انهيار الدول الإسلامية والعربية الحلم كاد أن يصبح واقعاً ملموسا مع قدوم الاخوان إلى مصر. لكونهم رافعى شعار الأوطان.
وفى الواقع فإن مثلث المصالح فى المنطقة أضلاعه: الصهاينة وحماس وجماعة الاخوان الارهابية والتيارات الإسلامية المتشددة. ويدعم هذا الرأى «هنري جينو» مستشار الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، بأن التيارات الإسلامية المتشددة هي المنتصر الأكبر من الثورات العربية.وأن الفوضى السياسية والأمنية دليل على ذلك.
وإذا سألنا أنفسنا لم الاصرار من قبل الغرب لرفض الاعتراف بان الإخوان جماعة إرهابية واستمراره سرا وعلانية فى دعمها!، سنجد الإجابة فى أن  إسرائيل ومن معها من الغرب هم مَن وراء هذه الفوضى الإخوانية  التي أدت إلى انعدام الأمن الذي أراح إسرائيل. لأن كل هذا يقضى على الاستثمار والسياحة فى مصر، بينما انتعشت إسرائيل سياحيًا وأصبحت المنتجعات المصرية والآثار السياحية مدن أشباح خسرت من خلالها الأماكن السياحية التي كانت تدر دخلًا للبلد بالمليارات، وأصبحت خزانة الدولة خاوية من العملة الصعبة، وكذلك الفنادق والمطاعم وغيرهما، وتم تسريح المصريين من أعمالهم، وفى نفس الوقت تلعب لتكون سوريا عراقًا آخر؛ مع الاعتبار أن إسرائيل زرعت حزب الله الإيراني في جنوب لبنان وحرسه الثوري، وهذا
باعتراف إسرائيل بأن حزب الله اللبناني ما هو -في واقع الأمر- إلا امتداد للحرس الثوري الإيراني.
مع  دعم الجيش الحر الذى ما هو إلا مجموعة من المرتزقة.. والغريب أنهم يركزون على مصر واتهام النظام الحالى بمعاداة حقوق الانسان بينما نجد أن ما يحدث في سوريا لا يهم تلك المنظمات العالمية فلا بيانات شجب وإدانة لما يحصل، فالمهم هو أن شعب سوريا لا بد أن يُباد عن بكرة أبيه، حتى تتنفس إسرائيل الصعداء. فسوريا أصبحت أرضا خصبة للجماعات الإسلامية المتطرفة تقتل الاشخاص بمزاجها من غير ذنب... ونحن الآن على يقين من أن هناك أيادى عابثة إبان الثورات العربية  تزعمتها جماعات مثل 6 أبريل فى مصر، والجيش الحر فى سوريا.. واليوم باتت الأمور أوضح كثيرا مما كانت عليه من قبل. فعامة النّاس باتوا ليس فقط أنهم لا يصدّقون بخدعة الشعارات، بل يعرفون مرتزقة التحوّلات الديمقراطية. ولم يعد أن هناك التباس، لما هو فعل ثوري خالص لا يختلف حوله اثنان وهم مؤيدو 30 يونية والخطوات الجادة من القوات المسلحة للقضاء على البؤر الإرهابية التى زرعها مرسى ونظامه فى مصر، وصناع الثورة من الشعب الذين يعملون على تغيير الداخل ويدهشون الخارج ولا يعقدون  الصفقات المشبوهة … «لقد استوقفنى جزء هام من كتاب الثوري الإفريقي «سيكوتوري» رئيس غينيا الأسبق «l’Afrique et le Socialisme» فى فصل «الثورة» (وسوف أعود للكتاب بالتحليل وربطه بما حدث فى العالم العربى فى مقال قادم إن شاء الله).. يقول إن الثورات الجادة وسبل تأثيرها على الشعوب، ليست رهينة بالمقايضات (السمجة)، وبالمضاربات الميركانتيلية المقنعة، ولا يتم توطيدها باقتصاد الصفقات التجارية (النفعية) البخسة، ولكن بالمبادئ السامية، وبالاقتصاد السياسي الممنهج. لأننا لا يمكننا شراء أو بيع مبدأ مثالي: ولكن أن نضحي من أجله، ونعطي كل شيء في سبيل تحقيقه، بأن نكون إيثاريين حتى النهاية، لكي ينتصر مبدأ الثورة المثالي والحق الأسمى. إن الثورة هي القيمة العليا في حد ذاتها، وبفضلها يفضل أصغر بلد على أكبر الدول.. وهذا يفصل بين الفعل الثورى الخالص وبين الشعارات النفعية والديمقراطية العميلة مدفوعة الأجر.