قانون التظاهر و«الأمن الإنسانى»

د.مصطفى محمود

الأحد, 01 ديسمبر 2013 22:47
بقلم: د. مصطفى محمود

خلال الأيام الماضية تأرجحت أفكاري بين مقولتين الأولى: «من يريد إسقاط أي أمة وإنزالها إلى الحضيض، فما عليه إلا أن يكبح الحريات ويلجم الأفواه».. لتوماس جيفرسن.

والأخرى: «حين يقع الشعب في قبضة الإرهاب، فإنه لا يفقد فقط أغلب حرياته، إنما سيتخلى طوعاً عما يتبقى منها، ويكون مستعداً للركوع لكل من يدّعي حمايته».. ألدن لوفشيد.
ووجدتنى أميل إلى الأخيرة, لذلك أؤيد تطبيق قانون التظاهر ليس خوفاً على مصر  فقط ولكن على المتظاهرين أنفسهم ورغبة فى الديمقراطية لأن الفوضى التى عشناها فى الأيام السابقة كانت سوف ترشحنا لا محالة لقيام الدولة الفاشيست  فكل تجارب الدول الفاشيستية أتت بعد فوضى عارمة عاشتها شعوبها، خاصة أننا عندما نتحدث عن احترام القانون، فإننا في البداية نقر بأن القانون هو الأساس الذي ينظم العلاقة بيننا جميعاً، بين المواطنين أنفسهم، وبين المواطنين والسلطة التي تدير دفة البلاد.. ونحن بالتالي نقر بأن هناك مجموعة من الحقوق كل تجاه الآخر، بالإضافة إلى وجود مجموعة من الواجبات أيضاً كل تجاه الآخر.. وعلينا أولاً ألا نتوهم أن الحرية مطلقة أو مرادفة للفوضى طالما هي التخلص من القيود، والقيود تأتي أحياناً كثيرة من ضمير الإنسان الحي وإرادته المعقلنة وتأتي أحياناً أخرى من الظروف الاجتماعية والسياسية، وعلى هذا الأساس يمكننا الاعتقاد أن الحرية لا تعني انعدام القيود، ووجود القيود لا يعني بالضرورة انعدام الحرية، فنوعية القيود هي التي تحدد ضيق واتساع دائرة الحرية، وعلينا أن ندرك أن حرياتنا تتأكد عن طريق حماية الدولة لمصالحها ومصالح غيرها من المواطنين، والقيود التي تضيّق دائرة الحرية من خلال القوانين والأنظمة التي تضعها الدولة لا تضيق وتحدد مساحة الحرية، لكنها في الوقت نفسه تقدس حق الحرية الشخصية، كما يرى الفيلسوف الاقتصادي الإنجليزي «جون ستيوارت مل» في كتابه «حول الحرية» المنشور عام 1859م أنه رغم شرعية تفوق رأي الأغلبية على رأي الأقلية في الحالات التي تتطلب رأياً واحداً فإنه لا يستبعد حصول ما يسميه بـ «طغيان الأغلبية» الذي لا ينبغي، من الناحية الإنسانية، أن يبرر إلغاء أو مصادرة الحق الشخصي.. ويورد مثالاً في ذلك فيقول: «لو افترضنا ان اتفق أبناء الخليقة جمعاء على رأي واحد ضد رأي آخر يتبناه رجل واحد فقط، فإن ذلك الإجماع الأسطوري لا يعطي أدنى حق لإسكات ذلك الرجل أو منعه من قول ما يشاء قوله، ناهيك عن بطلان حق الخليقة في محاسبة أو عقاب الرجل على اختلافه معها».
وقد كان كتاب «مل» ولا يزال من أهم النصوص الكلاسيكية التأريخية في معالجة طبيعة

الحرية الشخصية وتحليل شرعية السلطة التي يقرها ويمارسها المجتمع حيال الفرد، وفي هذا الصدد استنبط مل ما يسمى بـ (معيار الضرر) الذي يقنن مدى حرية الأفراد لقول أو عمل ما يشاءون بشرط ألا تؤدي أقوالهم أو أفعالهم إلى إلحاق الضرر بالآخرين، على أن مبدأ الضرر هذا يحمل ضوابط معينة بين ثناياه، فيفترض بالفرد الذي يطالب بالحرية أن يكون واعياً بما يقول أو يفعل، عارفاً بحدوده، ومقدراً لمسئولياته وواجباته تجاه نفسه والمجتمع، وبخلاف ذلك فليس له الحق أن يكون حراً بالمعنى الفوضوي.
وفى الواقع أن ما حدث فى الآونة الاخيرة فى مصر يجعلنا ننظر لحرية الأفراد فى التظاهر من خلال مفهوم واضح للأمن القومي المصري واضعين فى  الاعتبار التهديدات والتحديات التى نواجهها فى الداخل والخارج لنرسم استراتيجية للدولة لتحقيق المصالح القومية، ومواجهة السيناريوهات المتوقعة للإرهاب.. وهذا كله في حاجة إلي‏‏ آلية‏ تمتلك الرؤية الاستراتيجية الشاملة، ومن ضمن ركائزها القوانين التى تتحكم فى عملية التظاهر.
ولا يعنى هذا كما يدعى البعض أننا نضع حجر الأساس لإيجاد أنظمة قمعية، فمفهوم «الأمن الإنساني»، أحد أهم المفاهيم الحديثة التي لا يمكن للدول والمجتمعات أن تحقق تنمية حقيقية إلا مرتكزة عليه «وهذا الأمن الإنسانى» يتم من خلال تجنب الأخطار والتهديدات التى بدأت تطل علينا من خلال الصراعات الداخلية وتنامى معدلات العنف غير المبرر، مما يهدد استقرارانا السياسي والاقتصادى والذى من شأنه أن يهدد الأمن القومى الداخلى ومردوده السلبى على أمن الفرد كون من يعيش التهديد على مختلف مستوياته.
لذلك نحن فى حاجة إلى حماية وتوطيد حقوق الإنسان في ظل سيادة القانون، وبالتالى اعتبار الكثير من القيود القانونية قيوداً حضارية إيجابية مهمتها تنظيم المجتمع وتسهيل حياة الإنسان وتأكيد لحريته في الكثير من المجالات، وعلى  رأسها قوانين التظاهر الموجودة فى بلاد العالم المتحضر وليست بدعة ابتدعها المصريين.. ومن خلال تنظيمها وتفاعلنا معها  تسود الحرية بأبهى أشكالها ولنا فى القانون البريطانى أسوة فلقد أقر البرلمان البريطانى فى السنوات الأخيرة بعض القوانين التى تقيد حق التظاهر وتعطى صلاحيات أكبر للشرطة وذلك وفق قانون مكافحة الجريمة المنظمة لعام 2005، ومكافحة الإرهاب لعام 2006، وذلك بعد انتشار الجريمة المنظمة والإرهاب بطريقة تشكل خطراً على الأمن القومى للبلاد، كما فرض على المتظاهرين قيوداً شديدة فى مناطق معينة للتواجد أو التظاهر بها مثل القواعد العسكرية أو المحطات النووية وداوننج ستريت، مقر رئاسة الوزراء فى بريطانيا، وقصر ويست منيستر والذى يضم مبنى البرلمان البريطانى وغيرها من المناطق الحيوية التى تشكل خطراً على الأمن القومى.