رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

التحكم في العرب بالفوضى والأزمات

د.مصطفى محمود

الأحد, 10 نوفمبر 2013 22:09
بقلم: د. مصطفى محمود

مازال حلم السيطرة على العالم العربى بكل السبل والطرق تتضح معالمه يوما بعد يوم وهو وما يطلق عليه التحكم في العرب بالفوضى والأزمات.. (Gouverner les Arabes par le chaos).. وللأسف أن تلك الافكار الشيطانية أخذت من فكرة انسانية رائعة تبناها فى البداية «ايمانويل كانت» (فيلسوف من القرن الثامن عشر ألماني وآخر فيلسوف مؤثر في أوروبا الحديثة) بمشروع «سلام دائم» في عام 1795 وكانت أهم أسس ودعائم المشروع الكانتي أن يصبح السلام الدائم بين الأمم ناتجاً عن الترابط الطبيعي بين الدول الديمقراطية، على أساس النظام السياسي القائم على القانون والدستور المدني وحقوق الإنسان, بحيث يزيد عدد الدول الديمقراطية ليملأ العالم لكون الديمقراطيات لا تتفق مع الدول الاستبدادية الأصولية، التي لا تعرف الحوار.

وتتجاوز فلسفة «إيمانويل كانت» السياسية عن السلام إلي اعتباره مشروعاً بعيد الأمد، يتحقق بتغيير الإنسان ومنح السلام أساساً قانونياً - حتى يكون هناك إطار حامٍ للسلام وتتحول علاقات القوة إلي علاقات قانون - ويجعل من الحرب «أمرا مستحيلا» لأنها خسائر بشرية واقتصادية وتحرم الإنسان من حقوقه الأساسية.
ولكن للاسف أن هذا الحلم الانسانى الرائع ترجمه جحافلة الامبريالية العالمية بعد ذلك ليطابق مصالحهم, وحولوه الى «مشروع حرب دائمة» أو «أزمة دائمة». بداية من النصف الثاني من القرن 18 ومع صعود الرأسمالية, وبدلا من انتظار الأزمات اصطنعوها.. فالمبادئ الثورية لسنة 1789 أصبحت الثورات الزائفة المسماة «الربيع العربي» وللأسف البعض حاول التأكيد على أن فيلسوف تلك الثورات هو «إيمانويل» كانت من منطلق أن كل الثورات المعروفة لها فلاسفها.. وحاولوا تنفيذ

مشروع الشرق الأوسط الكبير الذى اتخذ من هجمات 11 سبتمبر 2001 فرصة للدخول الى حقبة استعمارية جديدة دعمتها حرب دعائية اعتمدت على رواية القصص الشهيرة ، وترديد المعلومات الخاطئة، التى تتبع نفس الأهداف من إعادة ترسيم الحدود الجغرافية السياسية, تحت ذريعة الحرب ضد الطغاة والإرهاب، والقيام بما يسمى الهجمات الوقائية لمكافحة «الدول المارقة» من المغرب إلى باكستان لتشكيل العالم ضمن هذا البرنامج الإمبراطوري الماضي قدما من خلال «الثورات الملونة» بدعم من المنظمات غير الحكومية والمتواطئين للتدخل بشكل متزايد باسم «حق التدخل» من أجل حقوق الانسان.
يأتي ذلك رغم أنه تدخل لوضع رجال بأعينهم في مواقع السلطة وإعادة رسم الحدود لصالح المحتل ماركة القرن الواحد والعشرين بتدمير النظام القائم, واستبداله بنظام تابع. وتلك الاضطرابات هى وسيلة أو غاية في حد ذاتها، وهذا مانراه جلياً وواضحا مع زبيجنيو بريجنسكي وكتابه «رقعة الشطرنج الكبرى»، وعنوانه الفرعي «الأسبقية الأمريكية وضرورات الجيوستراتيجية» الذى عرض برنامجاً صريحاً للاستعمار الجديد.. وفى الواقع أنه كان بعيد النظر فى رؤيته للسياسة الامريكية, من منطلق أنه إذا لم يحدث تغيير في سياسة الإدارة فإن أمريكا ستنهار. مشيراً إلى أن الروس يبدون شديدي الانزعاج مما يدعونه الحصار الذي يفرض عليهم عبر أوروبا وهم قادرون على إلحاق الأذى بالاستراتيجية الأمريكية في تلك المناطق. لا سيما المناطق الآسيوية
الشديدة التعقيد. سواء تعاونوا مع الصينيين الغاضبين بدورهم أم لا.
ولم يستبعد أن يدعم الروس الإسلام المتشدد في بعض الجمهوريات رغم أن ذلك قد يؤثر على وضع الشيشان، ولكن الرئيس فلاديمير بوتين لا يريد لبلاده أن تتحول إلى برازيل أخرى غارقة في المشكلات ودون أن تكون لديها أي فاعلية استراتيجية على الإطلاق.
وهذا فى الواقع ماحدث فى الآونة الأخيرة, فإن القيادة الأمريكية بدأت تتهاوى بعد فشل مشروعها فى مصر بسقوط الاخوان, إلى جانب أن الدب الروسى كشر عن أنيابه فى سوريا مؤكدا انتهاء فكرة الاحادية فى العالم.. وخاصة بعد أن أعاد بوتين بناء روسيا من الداخل, وبدأ فى التطلع الى قيامها بدورها المنوط بها للمشاركة فى التأثير فى العالم وعدم ترك الساحة الدولية لأمريكا تفعل بها ماتشاء, وكانت النتيجة أن أمريكا لم تستطع تنفيذ مشروعها الاستيطانى فى سوريا الى جانب أنها تحاول حاليا إعادة مصر الى حالة التوافق التى كانت قائمة ابان حكم مبارك ومرسى وخاصة بعد أن بدأ يلوح فى الأفق أن الروس قادمون لامحالة الى مصر, وخاصة مع تردد المطالبة بتنويع مصادر السلاح المصرى, اضافة  الى هذه التحولات الإيجابية السريعة في العلاقات بين إيران وأمريكا وحلفائها. ومن جانبها، تقف إيران في حالة خاصة، إذ إنه في عهد بوش الابن وخلال الفترة الأولى من حكم باراك أوباما كان يجري التفكير بحل سريع للقضية النووية الايرانية بوصفها عنصراً أساسياً من عناصر مفهوم الشرق الأوسط الكبير.
ولا شك أن الوضع قد تغير الآن إلى حد ما، مع السماح لإيران بتخصيب جزء من اليورانيوم إلى جانب أن إسرائيل تتبنى مواقف أكثر حسماً، وتقوم أحيانا بإزعاج الولايات المتحدة ببياناتها وآخرها حالة التقارب بين بوتين ونتنياهو.. وكل هذا يصب فى النهاية فى أن التحكم في العرب بالفوضى والأزمات والذى كان قاب قوسين أو أدنى من تحقيق حلم أمريكا فى السيطرة توقف أمام استيقاظ الدب الروسى وعودته للتأثير على القرار الاستراتيجى فى الشرق الأوسط.