رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

«سد النهضة».. إحدى مسرحيات القرن!

د.مصطفى محمود

الأحد, 09 يونيو 2013 22:40
بقلم: د. مصطفى محمود

بين عشية وضحاها قفز على مسرح الأحداث قضية سد أثيوبيا وكأننا لا نعرف تلك المشكلة والمأساة المروعة من فترة طويلة ولم نحرك لها ساكنا إلا من خلال سلسلة متواصلة من اللقاءات الودية والتصريحات اللوذعية ماركة «أمن مصر المائى خط أحمر» وما شابه من تصريحات جوفاء للاستهلاك الإعلامى لا تسمن أو تغنى من جوع واكتفينا بدفن رؤوسنا فى الرمال ولم ننتبه للمأساة القادمة لا محالة من فقر مائى يأتى على الأخضر واليابس فى مصر.

ورغم أن الصورة أصبحت جالية المعالم إلا أننا مازلنا نتعامل معها بمزيد من التصريحات والبطولات المزيفة والكلام عن الكاريزما المهولة التى يملكها مسئولونا عندما يذهبون الى أثيوبيا ويعودون محملون بالأمانى الواهية «وآخرها زيارة الرئيس مرسى» بينما أثيوبيا تسير قدما نحو تحقيق سد النهضة الذى للاسف أنه يبدو للأثيوبيين اسما على مسمى وليس ماركة النهضة المصرية «رحم الله من أيقظها من سباتها العميق».
إن تلك الأزمة لها أكثر من رافد أولها وسببها الرئيسى هو شهوة المياه إحدى مسرحيات القرن الحادي والعشرين التى نلعب فيها دور المتفرج.. والتى نقع للأسف إحدى ضحاياها فاحتياطي المياه العذبة في أفريقيا في خطر. خاصة أن بيع الأراضي في أفريقيا ينطوي على مشاريع الزراعة الصناعية على نطاق واسع، والذى تدعمه الدول الكبرى التى تحاول تأمين احتياجها الاستراتيجى من الغذاء من تلك الأرض البكر فى افريقيا والتى تم شراؤها بثمن بخس من شركات متعددة الجنسيات مما أدى إلى استهلاك كبير للمياه.
ومن هنا فإن دعم أثيوبيا وتمويل سدها له يعد استعماريا

جديدا ظاهره مساعدة تلك البلاد الفقيرة فى التنمية والنهوض وباطنه استغلال أرضها ومائها والكهرباء المولدة فيها والتى من الممكن تصديرها لأوروبا والغريب أن هذا لن يعود على الإثيوبيين بشيء فكل حاجة ملك تلك الشركات والشعوب المالك الفعلى ستعيش على الفتات.ونحن سنتجرع كأس الحسرة والندم أمام الفرص المتتالية التى أضعناها الواحدة تلو الأخرى. رغم أنه فى العهد الناصرى كان لمصر تواجد أفريقى رائع  خاصة أن ناصر كان يعلم أهمية البعد الاستراتيجى الأفريقى للأمن المصرى, ولأن العلاقات بين الشعوب تحكمها المصالح والقدرة على إدارة أبعاد الأزمات وليس الذكريات والتغنى بأهمية مصر لشعوب المنطقة خاصة أن الرئيس مبارك تعامل مع الافارقة بمنتهى التجاهل وبالأخص  بعد حادث أديس أبابا وسارت على دربه الحكومات بعد الثورة.
واستكمل المنظومة الرئيس مرسى بعدم تحركه السريع لدراسة الملف واتخاذ قرارات تسابقية وأن يكون فاعلا فى الاحدث وليس مفعولا به كما حدث الآن. اننا أمام  قضية جيوسياسية. فأفريقيا أصبحت مطمعا لكونها لا يزال لديها احتياطيات كبيرة من الماء، غير مستغلة. والحلول المطروحة حاليا أحدها أعتقد أن القيادة السياسية غير قادرة عليه وهو الحل العسكرى  وهو الذى لم يغب عن تفكير السادات من قبل. والثانى هو التفاوض مع أثيوبيا ولكن من مركز القوة، ويسبقه أفعال بها تأكيد على مدى تحكمنا فى قرارنا وأعتقد أن
فكرة حمدين صباحى بمنع أى دولة مشاركة فى تمويل السد من المرور بقناة السويس فعالة. ولكن ما أراه الآن لا يخرج عن الاكتفاء بالتشدق بالكلمات, وهناك منحى آخر لمواجهة الأزمة كما يرى بعض الخبراء يعتمد على المشاركة في عملية تشييد السد مع الاتفاق على خفض كميات المياه المخزنة الي 30 مليار متر مكعب وليس 74 مليارا لأن السد بشكله الحالي يهدد وجود الدولة المصرية بكاملها مدمرا ملايين الأفدنة خاصة أن التفاوض قد يكون مفتاح حل الازمة وهو لصالح مصر و أثيوبيا معا خاصة أن هناك يدا اسرائيلية أمريكية تبدو المحرك الاساسى لعملية البناء.
فمن المستحيل وغير المنطقى أن هذه الخطوة جاءت دون موافقة وتشجيع أمريكا وهناك تواجد ضخم للصين فى أثيوبيا وعلاقات مع إيران, فالجميع يستغلون الفرص ونحن نكتفى بالأمانى.. وللأسف لن يقتصر الأمر علي سد النهضة وحده، بل هناك مجموعة من السدود تهدف الي حجز المياه عن مصر وخنقها، لتحول القضية في وقت لاحق إلي حديث عن نقل وبيع المياه. فإسرائيل موجودة هناك بقوة ومن زمن بعيد, والدليل على ذلك الإعلان عن توقيعها اتفاقية لتوزيع الطاقة الناتجة عن السد، وإنشاء اللجنة الثلاثية التي اضطلعت ببحث المشروع لم تكن سوي جزء من خطة التمويه علي عملية البناء التي شرعت بها أثيوبيا بدليل تأكيد رئيس وزرائها السابق «زيناوي» أن أحدا لن يثني بلاده عن المضي بهذا المشروع أيا كان الأمر».
وما أخاف منه الآن هو ما يتردد من المسئولين المصريين من التقليل والتهوين من حد المشكلة بل إن البعض يتجاوز الى فكرة انضمام مصر إلي اتفاقية عنتيبي، رغم أن استمرار مقاطعتها يدعم موقفها القانوني أمام مؤسسات التمويل الدولية ويضعف فرصة أثيوبيا في الحصول علي التمويل الذي تحتاج إليه لاستكمال السد.. تحركوا بسرعة فنحن لا نملك رفاهية الانتظار والتفكير البطيء والأيام القادمة تقذف بنا الى الهاوية إذا ظل تفكيرنا عقيما عن مواجهة الازمة كما يحدث الآن.