رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

صكوك الملكية الشعبية بين النشأة والإجهاض..1/3

د.مدحت أنور نافع

الجمعة, 17 يونيو 2011 09:23
بقلم- د. مدحت أنور نافع

تكلّم الكثيرون عن مشروع صكوك الملكية الشعبية، الذى عٌرف بمشروع التوريث وعٌرف بمشروع "عايز حقى" أسوة بالفيلم الهزلى الذى حمل ذات الاسم، وعرف أيضاً فى أوساط متخصصة بالبورصة الشعبية، لكن أحداً لم يفصح بعد عن كواليس هذا المشروع المريب، كيف نشأ ؟ وكيف أٌجهض؟ من عمل على فرضه، ومن عمل على إجهاضه؟..أسئلة كثيرة لا أزعم أن لدىّ مفاتحها، لكننى أشرك قارئ الوفد العزيز فى كواليس أحداث كنت شاهداً عليها، عسى أن يعرف الناس جانباً من عملية اتخاذ القرار فى أسوأ عهود مصر الحديثة، وألا يفرطوا فى تصوير الخديوى سعيد بالرجل النهم الذى وافق على تدشين مشروع حفر قناة السويس لقاء وجبة مكرونة!! فها هو الزمن يدور لنرى مصر تقدّم بشعبها وأصولها وجبة للوريث الذى يقبع الآن فى محبسه غير مأسوف عليه.

عهد الىّ رئيس البورصة السابق بتقييم فكرة الخصخصة الشعبية mass privatization وجدوى تطبيقها فى مصر، واضعاً بين يدى بضع ورقات تحتوى على السمات الأساسية للفكرة، ممهورة بعبارة "سرّى للغاية". سارعت وقبل إعداد ورقة بالموضوع إلى توضيح ما لهذا المشروع من عواقب قد تصل إلى حد تفتيت ملكية أصول الدولة على غرار تفتيت الملكية الزراعية الذى أحدثه مشروع الإصلاح الزراعى. فلم أجد لدى رئيس البورصة مانعاً من توضيح ذلك فى الورقة.

شعرت من الوهلة الأولى أن المشروع سياسى الطابع

وأنه يستهدف التلميع السياسى لتقديم جمال مبارك للجمهور، فبطبيعة الحال ليس ثمة ضربة جوية جديدة فى الأفق، وحتى إن تكررت هذه الضربة فلن يكون جمال بطلها بالتأكيد.

أعددت ورقة بالعواقب الاقتصادية لهذا المشروع، والذى لم يكن يعرفه فى مصر حينها سوى نفر يحصون على أصابع اليد الواحدة. ولأننى كما أسلفت أعى البعد السياسى لهذا الأمر تعمّدت إلقاء الضوء على المخاطر السياسية والامنية التى قد تحيق بالدولة إن هى أقدمت على التنفيذ، لافتاً إلى خروج ملايين من الشعب تقتلهم الحاجة والعوز للوقوف فى طوابير طويلة لصرف حصة من الأصول قيمتها الفعلية ربما تكون بالسالب نظراً لطبيعة الشركات الخاسرة التى تضمّنها المشروع فى نسخته الأولى. من الآثار السلبية التى أشرت إليها فى الورقة أن تقييم الأصول بعد تفتيتها على ملايين المصريين المستحقين لحصص فيها ربما انخفض بسعر السهم الواحد إلى ما دون الجنيه وما يستتبعه ذلك من صعوبة بالغة فى التداول بالبورصة. كما أن العائد الاقتصادى للمواطن لن يكون مجزياً خاصة بعد ان تفرض الدولة ضرائب أرباح رأسمالية على مبيعات المواطنين لتلك الأصول (وكان ذلك من تفاصيل المشروع أيضاً).

وشعرت أن رئيس البورصة آنذاك مقتنعاً بالنتيجة التى توصّلت إليها، وإن كان قد حرص على تخفيف حدة اللغة التى استعملتها فى نقد المشروع فى مسوّدة الورقة المطلوبة.

مرّت الأسابيع وظننت ان الفكرة قد دفنت فى مهدها ولكن حدث أمر لم أستطع تفسيره بمعزل عن المشروع الخبيث، فقد طالب وزير الاستثمار بإعداد مشروع لتعديل وحدة تسعير الأسهم فى البورصة لتصبح بالقروش لا بالجنيهات، وتم تفسير ذلك فى سياق دعم المشروعات المتوسطة والصغيرة والبورصة المزمع تدشينها لخدمة هذا الغرض (بورصة النيل لاحقاً).

ثم مرّت أسابيع أخرى لأجد رئيس البورصة يهاتفنى فى أمر عاجل وسرّى للغاية لأحضر معه يوم العطلة اجتماعاً بوزارة الاتصالات بالقرية الذكية دون أن أعرف موضوع الاجتماع!.

فى الصباح الباكر من يوم السبت الموافق 21 أبريل 2007 ذهبت إلى الاجتماع والتقيت رئيس البورصة قبله ببضع دقائق، فعلمت منه أن مشروع الخصخصة الشعبية أو ما عرف لاحقاً ببورصة الشعب ثم بالملكية الشعبية قد تم إحياوءه مجدداً، وأننا اليوم بصدد مناقشته وسوف نعمل على إبداء رأينا فى جانبه الفنىّ. لم أخف اندهاشى من عقد الاجتماع بوزارة الاتصالات! ولكن سرعان ما تبددت دهشتى بعدما انطلقت الجلسة ودار الحوار.

عزمت أمرى ألا اكتم شهادة أعلمها، وأن أستعيد من ذاكرتى تفاصيل نقاط الضعف التى يغص بها المشروع. فى قاعة الاجتماعات بدأ كبار موظفى وزارة الاتصالات يتوافدون كلهم بين درجتى رئيس قطاع ومساعد أول وزير، ولم يأت من وزارة الاستثمار سوى خبير واحد من مكتب الوزير، ثم حضر رئيس إحدى الشركات العاملة فى الأوراق المالية وكان معروفاً بعلاقته الوطيدة بجمال مبارك، وقبل ان تدق الساعة التاسعة دخل علينا وزيرا الاستثمار والاتصالات. وللحديث بقية فى المقال القادم إن شاء الله.