برامج المرشحين فى الميزان

د.مدحت أنور نافع

الثلاثاء, 15 مايو 2012 13:03
بقلم - د.مدحت أنور نافع

إذا أردت أن تصوّت فى انتخابات الرئاسة فعليك أن تتعرف على برامج المرشحين، فضلاً عن شخصية كل مرشح وأدواته التى يعتزم بها تنفيذ برنامجه المزعوم. ولأن عدد المرشحين أكبر من أن تحصى برامجهم

فى ظل الفترة المحدودة للدعاية الانتخابية فليس أقل من أن تبحث فى برامج أكثر المرشحين قبولاً لديك بعد أن تعمل فيهم معايير التصفية الأولية التى تختلف باختلاف الناخب، فمثلاً هناك من لا يقبل أن يمنح صوته لآخر رئيس وزراء فى عهد مبارك التعيس أياً كان برنامجه الانتخابى طعناً فى صلاحية الرجل لتولّى هذا المنصب، فمن أفسد نظاماً ليس من السهل أن تمنحه ثقتك لبناء نظام جديد، وهناك من يضع معياراً للتصفية يستبعد به المتنطعين على المنصب المتاجرين بتذكرة ترشّحهم حتى إذا ما فتح مزاد المعركة الانتخابية تنازل عن ترشّحه لأحد منافسيه ممن يملكون حظاً أوفر فى الفوز وأدوات أكثر للإثابة على هذا التنازل!.
أما أنا فقد أعملت معاييرى الخاصة فأمكننى استبعاد رموز التطرف الدينى، وخوالف نظام مبارك، وداعمى المستبدين، ومحدودى الرؤية الشاملة، ولم يبق فى قائمة المرشحين إلا ثلاثة أولهم السيد عمرو موسى بصفته رجل الدولة الوحيد الباقى فى قائمة المرشحين، والذى لم تلوث يده بخطايا العشر سنين الأخيرة فى عهد مبارك حيث يعد اختياره -كما قدّمت فى مقال سابق- تجسيداً لفن الممكن بين الأضداد المتنافسين. أما المرشح الثانى فهو الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ممثلاً مستقلاً عن روح الثورة، أتلمس فيه أملاً فى إقامة نظام جديد تختفى منه رموز مبارك وابنه بغير رجعة، وهو أيضاً المنقطع عن جماعة الإخوان منذ عهد قريب على أثر خلاف تنظيمى. أما ثالث الثلاثة فهو الدكتور محمد مرسى بحكم انتمائه لحزب الأغلبية فى البرلمان المنتخب، وعلى الرغم من عزوفى عن التصويت لأى من مرشحى الإخوان فيما سبق فقد رأيت ضرورة مراعاة الأعراف الديمقراطية التى تعلى من قيمة المؤسسة مقارنة بالأفراد المستقلين حتى فى أقدم الديمقراطيات وإن أبدع المستقلون فى صياغة برامجهم، ذلك لأن أى برنامج مهما بلغت روعته هو مشروط بتوافر قواعد مدنية لتنفيذه عادة لا تتوافر إلا فى الأحزاب وقواعدها بمختلف المحافظات، ولأن سائر مرشحى الأحزاب لا يعبّرون فى الواقع إلا عن شخوصهم فإن مرشح الإخوان يبقى هو المرشح الوحيد الذى يرتكز على قاعدة مؤسسية حقيقية، إذا سلمّنا بصدق إيمانهم بمدنية الدولة ومبدأ المواطنة لكننا على أية حال لا نملك قرائن تصديق أى من برامج المرشحين المختلفين.
أما وقد أسفرت التصفية الأولى

عن هذه الأسماء الثلاثة فقد قرأت برامجهم الانتخابية وخرجت منها بالملاحظات التالية:
أولاً البرنامج الانتخابى للدكتور محمد مرسى والمسمى "ببرنامج النهضة": فقد اشتمل البرنامج على أكثر من ثمانين صفحة تناول خلالها عناصر مختلفة لنهضة الدولة كما يراها الحزب والجماعة، لكنه لم يخل من لغة عامة فضفاضة حتى معايير قياس فاعلية البرامج النوعية لم تكن قابلة للقياس الكمى فى أغلب الأحوال! كذلك جاءت لغة البرنامج أشبه بتلك التى أدمنها الحزب الوطنى وأمانة سياساته بما فيها من "أكليشيهات" قديمة مثل "الأمن والأمان" و"دوائر الانتماء"، ربما يستثنى من ذلك التقليد كل ما ورد فى البرنامج عن إتباع الشريعة الإسلامية تلك الإشارة المتكررة التى لا تخلو من غموض ودغدغة لمشاعر البسطاء دون أن يكشف البرنامج عن تفاصيلها اللهم إلا فيما يتعلّق ببعض أداوت التمويل والاستثمار المتفقة مع أحكام الشريعة والتى للعلم لا تحظى مشروعيتها بإجماع الفقهاء. لكن الأهم من ذلك كله أن برنامج النهضة لم يشعرنى بأية روح ثورية ولم تظهر فيه دلالات وهمم التغيير الشامل والبناء من القواعد! فقد جاء البرنامج خلواً من أية أمارات على قيام الثورة عدا بعض عبارات العزاء والترحّم على أرواح الشهداء! لكن بصفة عامة بدا برنامج النهضة كأنه خطة خمسية لحزب ظل فى الحكم عشرين عاماً أو يزيد وهاهو يضع بتلك الخطة حلقة عادية باهتة فى إستراتيجية حزبية طويلة المدى!
ثانياً البرنامج الانتخابى للدكتور عبد المنعم أبو الفتوح: يبدو أن الموائمات السياسية الكثيرة التى حرص الدكتور أبو الفتوح على مراعاتها أثّرت بشكل كبير على جرأة وحماسة برنامجه الذى كان من المفترض أن يكون الأكثر تعبيراً عن روح الثورة بين البرامج الثلاثة. فقد كان برنامج "أبى الفتوح" عاماً ومختصراً فى نحو أربعين صفحة ملئت بخط كبير، واحتوت على تركيبات لفظية بغرض الحشو والإطالة وفلسفة الرأى. كذلك بدا فى بعض أجزاء برنامجه أنه يحاول بلورة أفكاره وأفكار جلسائه فى صورة سياسات تفصيلية تشذ عن اللغة العامة التى صيغ بها سائر البرنامج! فالرجل يتحدث مثلاً عن سياسات مالية شديدة العمومية لكنه يقحم مسألة ضريبة التبغ والسجائر بصورة غريبة عن السياق!.
فى برنامج الدكتور "أبى الفتوح" ظهرت الروح الثورية التى غابت عن برنامج "النهضة"، لكن تاهت لغة التخطيط وآليات التطبيق ومعايير القياس فى زحمة التعبيرات العامة التى تحمل على أكثر من معنى، وترضى أكثر من فصيل سياسى.
ثالثاً البرنامج الانتخابى للسيد عمرو موسى: حقيقة لقد قرأت هذا البرنامج ذى الصفحات الثمانين بينما تؤرقنى شواغل انتماء السيد موسى للنظام القديم وطعنه فى السن الذى يحول دون واقعية قدرته على تغيير الواقع المصرى الصعب فى بضع سنين. لكن البرنامج كتب بحرفية شديدة وتناول أدق التفاصيل فى العديد من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والأغرب من ذلك أنه جاء بعبارات قاطعة لا تقبل المواربة وأنصاف الحلول، كما إنها عبارات أكثر ثورية وراديكالية من تلك التى  تضمنها برنامجا الإخوان وأبى الفتوح، حتى إنه من السهل وأنت تتصفح برنامج السيد عمرو موسى أن تتبين أن صاحب هذا البرنامج هو أحد مرشحى رئاسة مصر عقب ثورة شعبية كبيرة. البرنامج أيضاً راعى فى واقعية بالغة مختلف الآجال، كما أخذ فى الاعتبار حالة التشوّق لدى الناخب المصرى لإقامة الدولة من جديد بأركان ثابتة، وخصص لذلك الهدف المائة يوم الأولى فى فترته الرئاسية.
لكن المشكلة فى برنامج السيد عمرو موسى أنه يظل مخرجاً جيداً لورشة عمل متميزة تخطط لتحديث مصر فى الأجلين القصير والمتوسط. هذا المخرج يظل حبيس النظرية ما لم تتوافر للرئيس المنتظر ذراعاً مدنية منظّمة فى الشارع تعمل على تنفيذه، وتظل فكرة المرشح المستقل تلح علىّ بسوءاتها لأنها تعيدنا أدراجنا إلى أحد نظامين، إما نظام حاكم مستبد بسلطانه مزهو بكفاءته الشخصية يريد أن يطوّع أجهزة الدولة بالقوة لتحقيق خططه وأهدافه، أو نظام دستورى يتنازع السلطة فيه حزب جماهيرى أوحد ورئيس ليس له قاعدة حزبية، وبالتالى سرعان ما سوف يلجأ الرئيس لحسم هذا النزاع لصالحه إما بتزوير إرادة الناخبين أو بدعم التيارات والأحزاب المنافسة لحزب الأغلبية أو باختلاق ذراع حزبية مدعومة ومذخّرة بكافة إمكانات الدولة كما كان الحال فى نموذج الحزب الوطنى.
بالطبع هذه السيناريوهات الضبابية تظل موقوفة على شكل النظام السياسى الذى ننتظر أن يقره الدستور، لكن أى شكل لهذا النظام لن يخلو من احتمالات قوية للنزاع على السلطة إذا ما قدّر لغير الأغلبية البرلمانية الفوز بمقعد رئاسة الجمهورية.  فبين بديل توازن القوى وبديل الانفراد بالسلطة يكمن العديد من المزايا والعيوب، نريد أن يعمل الشعب مجتمعاً على الالتفات لها لتلافى العيوب وتعظيم المزايا قدر المستطاع.
خلاصة الأمر، فقد رأيت أن المرشحين الثلاثة يكمل أحدهم الآخر فى جانب من الجوانب، فنحن فى حاجة إلى برنامج ثورى موضوع بعناية رجل الدولة كالذى يعرضه علينا السيد عمرو موسى، وإلى شخصية هادئة تحظى بقبول أطراف كثيرة كالدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، وإلى تنظيم ومؤسسة حزبية داعمة لبرنامج المرشح كالذى يوفّره حزب الحرية والعدالة. لكن علينا نحن المصريين أن نعتاد اتخاذ القرارات الصعبة حيث لا مكان لنموذج مثالى يجمع فيه الرئيس القادم بين مختلف المزايا، ومن ثم فكل منا يجب أن يفاضل بين المرشحين طبقاً لما يرى فيه مصلحة الوطن، من حيث أولوية وأهمية الميزة النسبية التى ينفرد بها مرشحه المفضّل عن سائر منافسيه.