رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الإخوان من الغرفة إلى الميدان

بقلم / د.مدحت أنور نافع

اتسم العمل السياسى للإخوان المسلمين بالسرية والتكتم الشديدين طوال عقود من الاضطهاد والتعذيب فى المعتقلات، تلك العاقبة التى ارتدت عليهم جرّاء ضلوع تنظيمهم العسكرى السرى فى أحداث عنف واغتيالات فى العهد الملكى، ثم نتيجة لحلمهم باقتسام السلطة مع العسكر عقب انقلاب يوليو 52. واتضح من ممارسة الإخوان لعملهم الدعوى عبر تاريخهم الطويل أنهم لا يميزون كثيراً بينه وبين المآرب والأهداف السياسية، حتى وإن اتسمت أعمالهم الدعوية والاجتماعية بالعلنية والشفافية، لكن تظل أهداف الوصول إلى السلطة أو على الأقل السيطرة على مفاتيحها متجذّرة فى أنشطة الإخوان كافة.

وبعد أن استطاع الإخوان المسلمون بناء قاعدة من الأعضاء والمنتسبين والمتعاطفين تسمح لهم بانتزاع السلطة من يد نظام مهترئ سقطت شرعيته قبل أن يسقط رأسه بسنوات، بدا وجه الإخوان القوى كحزب سياسى يختلف عن جماعات المصالح التقليدية من حيث رغبته فى الوصول إلى الحكم، فقد تحوّلت الجماعة بين عشية وضحاها إلى هذا الحزب فى عملية سريعة لكشف نقاب شفاف من فوق جسم الجماعة، وما حزب الحرية والعدالة بالكيان الوليد المنبثق عن الجماعة بل هو مكتبها السياسى وأمانتها العليا وذراعها المدنية التى تداعب بها جمهور القوى الداعية لبناء دولة مدنية حديثة.
ولكن الإخوان المسلمين يدفعون اليوم ضريبة الحجم الذى وصلوا إليه، فبعد أن اتسعت رقعة الجماعة ونطاق سيطرتها محلياً ودولياً، تلاشت إلى حد بعيد تلك الأيديولوجية

السرية للتنظيم الأول، وتلاشت معها أية سمة لعقيدة التشدد وشمولية التنظير والتطبيق، فانقسم الإخوان إلى أجنحة وتيارات يغلب عليها جميعاً طابع مهادنة الدولة ومصالحة التطور بشتى صوره. فالإخوان الذين مازالت تجمعهم تقاليد الجماعة ومبادئها الراسخة ليسوا جماعة متجانسة أو حزباً شمولياً كحزب البعث أو الحزب النازى يخضع أعضاؤه لتمارين العنف والشيفونية ونبذ الآخر، بل هم يطورون مهارات برجماتية من الطراز الأول، وتقية سياسية تعلّموها فى غيابات السجون ونظّروا لها حتى اندمجت فى مراجعاتهم ومدارسهم الفكرية.
تلك الضريبة التى يدفعها الإخوان تفيض علينا نحن أنصار مدنية الدولة بوفورات خارجية كثيرة، حيث توشك مخاوفنا من تفرّد الإخوان بالحكم وإغلاق كافة منافذ المعارضة وسد شرايين الديمقراطية أن تصبح فى حكم العدم. نعم فمن المغالاة فى تقدير تطرّف المنهج الإخوانى أن نحسبه يستهدف الوصول إلى الحكم بغية العودة بالبلاد إلى عصر الناقة والمنجنيق، حيث ينعم الكثير من أعضاء الجماعة بمزايا المجتمع المدنى، ويتعاملون مع البنوك وفوائدها –فيما يبدو لنا- بغير تحرّج، ثم هاهم يعلنون عن طلب مهارات فى الغناء والاستعراض لدعم حملة مرشحهم!..إلى غير ذلك من أمثلة لدغدغة مشاعر القوى المدنية، فلو أننا استطعنا أن نأمن تطرف
الإخوان من باب حرصهم على حياة لا من باب تطور وعيهم وفلسفتهم فى الحكم، فذلك أدنى ألا نرى منهم ما نخافه على أنفسنا وحرياتنا من القمع والكبت والحسبة التى يعدنا بها أصحاب الفكر الوهابى المسمى خطئاً بالدعوة السلفية.
ففى أسوأ تقدير يغيب عن حكم الإخوان رؤية شاملة أصيلة للإصلاح والنهضة المزعومة، فهم فى تقديرى يصلحون للحكم المحلى وتسيير أمور الناس اليومية بما اكتسبوا من خبرة فى ذلك المجال، لكنهم قد يسدّوا كثيراً من منافذ الفساد المالى بما يساعد على وقف نزيف ثروات البلاد حتى تنضج دعوة مدنية جديدة إما من داخل الجماعة أو من خارجها خلال بضع سنين، ولو اكتفى الإخوان بذلك فإن حكمهم لفترة انتقالية –حقيقية- ربما يكون ضرورياً للعبور من مرحلة الحكم العسكرى الطويل إلى الحكم المدنى، مع ضرورة وضوح الفارق بين المرحلة الانتقالية هذه المرة وقدرتها على امتصاص الأزمات والمرحلة "الانتقامية" التى ظل العسكر يفجرونها بالأزمات.
أما أصحاب الفكر الوهابى فإن حكموا –لا قدر الله- فإن هدفهم لن يكون تسيير الأمور كما هى أو حتى العودة إلى الوراء خطوة أو خطوتين، بل هم يريدون أن يعودوا بنا إلى الوراء زهاء ألف وخمسمائة عام، ذلك هو برنامجهم المفضّل!! وبالتالى ينبغى على الإخوان أن ينفصلوا بمشروعهم عن هؤلاء، إن هم أرادوا أن يزيلوا المخاوف وأن يقيموا دولة مدنية حديثة تتسع لتشمل كافة الأطياف.
فالليبرالية من حيث الأصل هى المنهج الأحوط، لأنها تقبل الآخر ولا تصنّف الناس على أسس العقيدة والفكر، وتسمح بمساحة للحريات الفردية ولا تطغى على الفرد بكوابح وقيود المجتمع، فإن كرهوا مصطلح "الليبرالية" وكرّهوا الناس فيه دون سبب مفهوم، فليستحضروا القاعدة الشهيرة التى طالما استشهدوا بها والتى تقول "لا مشاحة فى الاصطلاح".