رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حكمة النحاس باشا

بقلم / د.مدحت أنور نافع

ربما كان عدد الذين خرجوا في ثورة يناير طلباً للحرية والديمقراطية والعدل أقل كثيراً من مجموع الحشود التي خرجت وغيرت معادلة القوى على أرض الواقع،  لكن المحقق أن هذه الثورة هي خير ما أنجزه العقل والضمير الجمعيان المصريان في التاريخ الحديث

. إلا أن حرصنا على تمام ثورة يناير لا يصح أن يغشينا عن واقع مؤسف نتاجه أن كثيراً ممن خرجوا في هذا الحدث لم يحملوا أچندات خارجية كما زعم مبارك وحاشيته، لكنهم حملوا معاول هدم للحضارة المصرية أخفوها في سرابيلهم وتحت لحاهم، انطلقوا في الشوارع بثقافة بدوية تريد أن تغزو كل ما هو مصري خالص، وتدمغه بقوالب رجعية جامدة لا تعرف من الدين إلا الحدود، ولا تعي من الشريعة إلا ما يقيم دولتهم الماضوية التي يسهل على الجهلاء قيادها، وما أكثر الجهلاء في صفوفهم وعلى منابرهم.
لذا ظللت أحذر من ساعة ينقلب فيها طلاب الديمقراطية على أصحاب تلك المعاول، وأيقنت أن الاستقواء بالمجلس العسكري قد يصبح

الملاذ الأخير للقوى المدنية، التي بدأت تقيم في اللاشعور ميزاناً للمفاضلة بين غزو ثقافي بدوي قد ترزح بسببه لسلطان حاكم بأمره ألف عام أخرى، وبين بقاء الحكم العسكري يهيمن على مقاليد الحكم خلف أستار نظام شبه مدني تعودنا عليه لأكثر من ستين عاماً. ربما رسخ في ضمير القوى المدنية حقيقة أن هذا الحكم الأخير ترك منافذ أمكن لهم أن يثوروا عليه من خلالها. ربما قنعوا بخلخلة مكانة الحكم العسكري الذي أحدثه شباب في عمر الزهور، فعلموا أن موجة جديدة وشيكة أقل دموية يمكنها أن تقيم الدولة المدنية التي يصبون إليها، ما لم تتغير ثقافة مصر وتطمس معالمها التي ميزتها عن بوادي العرب.
كان النحاس باشا رحمه الله ومن خلفه رواد الوفد العظماء يدركون بحسّهم السياسي الاستثنائي أن الغزو البريطاني أفضل بكثير من الوقوع في براثن
النازية أو الفاشية، في الوقت الذي تحركت فيه مشاعر كثير من العامة والدهماء وبعض هواة العمل السياسي تجاه محاباة "هتلر" وتشجيع قوات "رومل" ثعلب الصحراء الألماني للتقدم عبر الحدود الغربية لمصر، مؤثرين بسذاجة فطرية أي محتل يعادي الإنجليز (عدو المصريين الألد) واثقين في وعود النازية بتحرير الشعب المصري! لكن الوفد الذي آمنت به الجموع على قلة عدد صفوته، علم أن الأيديولوچيات التي تحرك دول المحور أخطر على مصر بل وعلى البشرية كلها من الاحتلال البريطاني، الذي كان الوفد أول وأشرس مقاتليه، فعلم الوفديون مفاتح المحتل الانجليزي وأمكنهم فيما بعد التخلص تماماً من هذا الاحتلال، بخلاف ما يروّج أعداء الوفد في تزييفهم للتاريخ.
وهكذا كان يخبرني أبي رحمه الله حينما علّمني أن ما يميز الاحتلال الانجليزي عن الاحتلال الفرنسي أن الأخير كان يغزو الثقافات ويمحو اللغات، فلا يبقي في الدولة المحتلة إلا ثقافته ولغته الفرنسية وإن بقي في الحكم أقل بكثير من نظيره الإنجليزي.
هذه المقاربة أوردها غير عامد إلى تشبيه بعض المصريين بالغزاة وبعضهم الآخر بالمفاضِل بين احتلالين، لكن الصورة تتضح حينما نجترئ على ألوانها، فنزيد القاتم قتامة والمبهج إشراقاً، والتشبيه دائماً مع الفارق.
أخشى أن تكون الدعوة المدنية في مفترق طرقوعليها أن تتخذ سبيلاً يسهل منه الخلاص.