رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الثـورة... والقـــضاء

د. محمود العادلي

الاثنين, 04 يونيو 2012 08:59
بقلم : الدكتور محمود العادلي

• الثورة .. والفقه الجنائي :
عندما ثار الفقيه الجنائي بيكاريا -  الإيطالي الجنسية ؛ المولود في ميلانو في مارس 1738 م ؛ والمتوفي في فلورنسا في نوفمبر 1794م – في القرن الثامن عشر  ضد الفقه الجنائي السائد ..والعدالة الجنائية في عصره ... كان الهدف من ثورته تحقيق المزيد من الضمانات للمتهمين .. وإرساء قواعد عدالة جنائية جديدة .. تقف لصالح المتهم .. الذي يتمتع بقرينة البراءة الناطقة بأن الإنسان برئ حتى تثبت إدانته .. وإلى أن يثبت ذلك فالمتهم له كافة حقوق الدفاع .. وإن تم حبسه احتياطياً ، فإن ذلك يكون على سبيل الاستثناء .. لأن الحبس الاحتياطي هو بطبيعته إجراء شاذ وخطير ..

فهو إجراء شاذ لأنه يعني تقييد حرية إنسان لم تثبت إدانته بعد .. وهو خطير .. لأن حرمان إنسان من حريته قد يمتد إلى عدة أشهر بل قد يصل إلى عامين أو أكثر .. لمجرد وجود دلائل أو شبهات أو قرائن أو أدلة على اتهامه بجرم معين .
لذا ، فإن الفكر الثوري في مجال الفقه الجنائي .. كان دائماً وأبداً مع المتهم ولصالحه .. ومع إقرار العدالة بشكل أفضل .. ولصالحها..
لذا غريب – على الفكر الإنساني كله -  أن تنصرف الثورية في مجال الفقه الجنائي .. لترتد بالبشرية إلى عصور الظلام ... الذي كان يسودها فكرة أن المتهم مدان حتى يثبت العكس .
فسيارة العدالة لا تسير للخلف ... أي لا تسير  ضد صالح المتهمين .. وضد فكرة العدالة ذاتها .. فهنا لا نكون أمام فكر ثوري .. بل أمام انتكاسة لفكرة العدالة وارتداد عن الفكر الجنائي الحديث الذي يكرس كافة القواعد القانونية من أجل حماية حقوق الإنسان في كافة مجالات العدالة ..

إذ يضع القواعد والأسس والنصوص التي تحمي الإنسان من طغيان أخيه الإنسان ..
القضاء ..... والاستفتاء ....
لذا ؛ ليس غريباً على  القضاء المصري ... أن يصم أذنيه ... عن الأصوات التي تنادي  ... بالإدانة  على كل مَنْ تم توجيه الإتهام إليه .... طالما أن مشاعر الجماهير تريد ذلك ...
لأن هذه الأصوات ... قد أخطأت الطريق .... فأحكام القضاء ... ليست استفتاءات ...شعبية على أمر سياسي ....
فالفارق شاسع .... بين القضاء ... والاستفتاء ....
فالاستفتاء ... يصح في الأمور السياسية .... التي تحتمل وجهات النظر المتضاربة ... والاستفتاء هو أخذ رأي العامة ... في شأن عام ..
أما القضاء ... فهو حصن الحريات والحقوق العامة ... الذي يلجأ إليه الجميع ... ليفصل فيما يثار بينهم من خصومات ... ليعلن كلمة الحق ... أو كلمة القانون فيما يعرض عليه من نزاع .
فالقضاء يعنى العدالة ... والعدالة هى  إعطاء كل ذي حق حقه ... لأن ضمير القاضي يأبى أن يخضع لأى مؤثر خارجي يملي عليه ما ينطق به ... فالقاضي ينطق بكلمة الله في الأرض ...أى كلمة العدالة ... صحيح أن العدالة الإنسانية ... عدالة نسبية .. أي ليست عدالة مطلقة كتلك التي تنسب للسماء ...
غير أن القاضي – أي قاض – يجتهد ما بوسعه لأن يحكم بالعدل ...لأنه يعلم ... أن حكمه هذا سيُسأل عنه يوم القيامة ... يوم لا ينفع مال ولا بنون ...يوم لا ينفع ..فيه ... أن يحتج القاضي بأن ... حكمه هذا
كان مطلباً شعبياً ... أو جماهيرياً ..
فالقاضي مسئول أمام الله وأمام ضميره عما ينطق .... من أحكام ... فالقاضي ... العادل ... لا ينام ... مطمئن البال ...يملء جفنه اليوم ... لأنه دائماً يكون ...قلق ... يردد حجج الخصوم في ذهنه ...وعبارات ... المتهم ... في دفاعه ...ليزن ... كل الأدلة بميزان العدل ...والعدل وحده ... ويحرص – كل الحرص – ألا يميل ميزان العدل ...  تجاه طرف ...لاعتبارات خارج .... ملف الدعوى ... فملف الدعوى ... ومايطرح في الخصومة الناشئة عنها ... هى فقط التي تشغل ذهن القاضي ....
فالتاريخ العريق للقضاء المصري يأبى ... أن يسطر ...في صفحاته ...صدور أحكام ... تحت ضغط ... أية جهة كانت .....
نعم ... أن الجماهير .... ذات عاطفة جياشة .... وذات أحاسيس ...صدمت ...بقتل الأبرياء   من الثوار ...ولكن ..... العواطف لا تفرز أحكاماً .....فالعواطف والأحاسيس .... يتجرد منها القاضي عندما يصدر أحكامه ..... فلا يجوز أن يحكم تحت ضغط ....محبة .... و لا تحت ضغط .... كره .... بل أن القانون ....فتح الباب للخصوم لمخاصمة القاضي ورده .... عندما .... تثور شبهة وجود رابطة ما بين الدعاوى المنظورة أمامه .... يستشعر منها ... أنه لن يحكم بضميره بصفة خالصة ....لوجود عدواة أو محبة بينه وبين أحد الخصوم ....
لذلك .... نأمل أن يهدأ الثائرون ....وأن يجنبوا القضاة حرج ....التشكيك في قضائهم ....ليس في مصر فقط ...بل في العالم كله .....الذي ينظر من بعيد  ...إلى قاضئنا الشامخ ....  لذا ... لم ولن .... يحكم إلا بما يمليه عليه ضميره ....وما تفرضه عليه الأدلة والمستندات المطروحة أمامه .
وتبقي كلمة ..
•    إن ثورتنا ... ثورة بيضاء .... نأمل أن نحافظ  على أن تظل كذلك .... فلا يجب أن تدفعنا العواطف الجياشة ....إلى الإنعطاف  بالثورة ....إلى طريق آخر ...حتى نظل نباهي بثورتنا شعوب العالم .
• قلبي وعواطفي وأحاسيسي كلها مع الثوار ..وأهالى الشهداء والمصابين ...غير أن  عقلي ...مع ضرورة أن نجنب القضاء ... الحرج.. لأن الحكم هو إعلان لكلمة  العدالة ..وكلمة القانون ...بل كلمة  الحق ..

________________________

أستاذ القانون الجنائي  ورئيس قسم القانون العام
كلية الشريعة والقانون بطنطا -والمحامي أمام محكمة النقض
والإدارية العليا والدستورية العليا
[email protected]
http://dreladly.com