رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عمرُ بنُ عبد العزيز ضميرُ الأمّة

د.محمد عمارة

السبت, 19 نوفمبر 2011 14:14
بقلم:د.محمد عمارة

كان عمربن عبد العزيز( 61- 101 هـ- ، 681- 720م) ضميرالأمّة وخامس الراشدين، ولي خلافةَ المسلمين بعد انقضاء الخلافةِ الراشدةِ بنحو ستين عاماً، تم فيها التراجع عن "الشورى" وعن العدل الاجتماعي، وساد المُلك العضوضُ والخلافة الناقصة، وأصبح المال دُولةً بين الأمراء والأغنياء، وفي العامين اللذين حكم فيها عمربن عبدالعزيز كان في كلِّ يوم يُحيي سُنّةً ويُميت بدعةً،

وجعل همّه الأوّل ردُّ المظالم إلى أهلها، وإعادة العدلِ الاجتماعي والتكافلِ بين الناس، ولقد بدأ بنفسه فردَّ ميراثه إلي بيت المال، قائلاً: "إنّ قومي أقطعوني ما لا أستحق وما لا يملكون!".وكذلك صنع مع زوجته..ومع أُمراء بني أمية ومع سائر الناس..
ولقد اجتمع أُمراءُ بني أُميّة، فيما يشبه "الثورة المضادة" يريدون إيقاف هذا الذي يصنعه أمير المؤمنين وأرسلوا إليه عمّتَه فاطمة بنت مروان، فدخلت عليه وقالت له:" لقد أردتُ لقاءَك لأنّه قد عناني أمرٌ لابد من لقائك فيه، إنّ قرابَتَك يشكونك، ويذكرون أنك اخذت منهم خير غيرك.
فأجابها الخليفة العادل:"يا عمّةُ ما منعتهم حقّاً أو شيئاً كان لهم– فقالت له- فيما يُشبه التهديد:"إني رأيتهم يتكلمون وإنّي أخاف أنْ يهجوا عليك يوماً عصيباً!..
فكان جوابه:"يا عمّةُ، كلُّ يومٍ أخافُه دون يوم القيامة فلا وقاني الله شرَّه!.
ثم أراد الخليفة العادل أنْ يُخاطب قلب عمّتَه وأنْ يذكّرها بأنه سيحاسب أمام الله إن ترك هذه الأموال المغتصبة كنزا عند الذين لا يستحقونها فطلب ديناراً، ومجمرة تتقد فيها النار، وقطعه من الجلد، ووضع الدينار في المجمرة حتي حمي وأحمر، ثم ألقاه علي الجلد فأحدث صوت الشواء!..وذكر عمته بالآية الكريمة(وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) التوبة:34-35
لكنّ خطابَ عمر بن عبدالعزيز لم يصلْ إلى "قلبِ

عمَّته" فلم تَرقَ لهذا الذي ذكَّرها به وآثرها إياه..
وعند ذلك، أزاء مخاطبة "عقلها" وتذكيرها بفلسفة الإسلام في الأموال والثروات، فقال لها:
"ياعمّة" إن الله تبارك وتعالى بعث محمداً – صلى الله عليه وسلم- رحمةً، ولم يبعثه عذاباً، إلى الناس كافة، ثم اختار له ما عندهُ فقبضه إليه، وترك لهم نهرا شربهم فيه سواء، ثم قام أبوبكرٍ فترك النهرَ على حاله، ثم وَلي عمرُ فعمل على عَمَلِ صاحبهِ، فلما ولي عثمانُ أشتقّ من ذلك النهرِ نهراً، ثم ولي معاويةُ فشقَّ منه الأنهار، ثم لم يزل ذلك النهر يَشُقّ منه يزيد ومروان وعبدالملك والوليد وسليمان، حتي أفضى الأمرُ إلىَّ، وقد يبسَ النهرُ الأعظمُ ولن يُروى أصحاب النهر حتي يعودَ إليهم النهر الأعظم إلى ما كان عليه"!.
هكذا تحدث ضميرُ الأمّة إلى عقل عمته، فأوجز فلسفة الإسلام في الأموال، وتاريخ العدل الاجتماعي، في كلمات..
لكن عمّته فاطمةَ بنتَ مروان قد أغلقت عقلها وقلبها دون هذا الذي قال وودّعته غاضبةً ، وقالت: قد أردتُ كلامَكَ ومذاكرَتك، فأمّا إذا كانت هذه مقالَتَك فلستُ بذاكرةٍ لك شيئا أبداً.
ثمّ كانَ الذي كانَ مِنْ وضْع السُّمِّ في طعام الراشد الخامس الذي أحيا سُنّة النُّبوَّة في العدل بين الناس.