التعصب

د. محمد الجزار

الاثنين, 25 أبريل 2011 14:23
بقلم- د. محمد الجزار:

إذا كان المسلمون يؤمنون بأنهم خير أمة أخرجت للناس، فإن اليهود يرون أنهم: شعب الله المختار. وإذا كان السيد المسيح قد قال: (لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا....)، فإن الغرب المسيحى  قد خرج من ثوب الخنوع والتسامح، وساد التعصب فى اليهود والمسيحيين، والمسلمين، فى الغرب وفى الشرق. أصبح التعصب عاملا مؤثرا للحيلولة دون الوصول إلى تعايش سلمى بين المسلمين والمسيحيين داخل الوطن العربى فى مصر ولبنان والسودان. حتى داخل الدين الواحد، حدث تعصب بين السنة والشيعة فى العالم الإسلامى، وبين البروتستانت والكاثوليك فى العالم المسيحى، أدى إلى خصام وتباعد، وحروب واغتيالات.

يُعرف علم النفس الاجتماعى التعصب بأنه اتجاه موجب أو سالب يؤازر أو يضاد أى فرض لم يقم على صحته دليل أكيد معصوم من الخطأ أو الاحتمال. ويلازم التعصب شحنة انفعالية، لذا يحول بين الفرد وبين التفكير المنطقى السليم. فكل اتجاه يأخذ الفرد نحو بُغض كل ما لا ينتسب إلى جماعته، وما يصاحب هذا البغض من خوف وخشية وتربص للعدوان، يسمى تعصباً.

يعزل التعصب الأفراد والجماعات المتعارضة بعضها عن بعض ويؤدي إلى إقامة الحدود الفاصلة بينها، ثم يبدأ شحن الانفعالات العدوانية وتعزيز اتجاه

العنف. تظهر هذه الاتجاهات حينما تهدد جماعة ما، جماعة أخري وتحاول أن تفند آراءها أو تنكر عقيدتها، أو تحاول أن تقلل من قوتها وتنتقص من مكانتها وهيبتها. أيضا حينما يهدد فرد فردا آخر، أو يهدد الفرد الجماعة، أو تهدد الجماعة الفرد.

إن التعصب نوع من أنواع النرجسية أو عشق الذات، فمغالاة الأفراد فى حبهم لأنفسهم أو إعجابهم بها وبكل ما يماثلها، تجذب الفرد إلى الكره ومقت الأفراد الآخرين الذين يختلفون عنه اختلافا ملموسا. وبذلك تنقسم الجماعات بالنسبة إلى التعصب إلى نوعين، هما الجماعة الداخلية والجماعة الخارجية. أما الجماعة الداخلية فهى التى تفرض سلطانها الثقافى والدينى والاقتصادي والعنصري على الفرد، وتؤلف بذلك بين قلوب أفرادها. وأما الخارجية فهى خاصة بالعدوان على الجماعات الأخري نظرا للاختلافات الجوهرية وغالبا ما يسبق العدوان عملية إثارة الأفراد نحو أخطاء ومغالطات الآخرين، حتى وإن كانت هذه الأخطاء وتلك المغالطات من صميم عقيدة الآخر.

إن تجاوزنا علم النفس، وسرنا فى اتجاه العقيدة نجد أن التعصب هو نتيجة حتمية لفكرة التابو. يشير هذا المصطلح إلى كل ما هو مقدس أو محرم أو

الاثنين معا، فالعقيدة الدينية هى آراء وأفكار مقدسة، يحرم على أي شخص أن يحيد عنها. اشتق من هذا المعنى مصطلح آخر وهو الدوجماطيقية ويعنى تأكيد الرأي/ العقيدة والقطع به بكل حزم وشدة، بوجود أو عدم وجود مبرر كاف أو دليل قاطع. إن النظام الاجتماعى الذي ينطلق إلى المطلق والجمود، يتعصب ضد أي اتجاه آخر ينشد التغيير للوضع القائم، أو حتى البحث والاجتهاد. للخروج من جمود التابو والدوجماطيقية نشأ التسامح. تعرف الموسوعة البريطانية التسامح Tolerance بانه " السماح بحرية العقل أو الحكم على الآخرين"، والتسامح باللغة العربية مشتق من السماح، اي السماح بأن يتواجد الآخر بجانبك، والسماح لأفكاره وعقيدته أن تتواجد بجانب الأفكار والعقائد الأخري. أما التسامح الاجتماعى فيعنى العيش مع الآخرين فى سلام وأمان، وتقبل أفكارهم وثقافتهم التى قد يختلف معها الفرد. قد يكون الآخرون أجانب أو من أبناء الوطن الواحد، ولكنهم مختلفون فى الرأي والفكر والعقيدة، والعادات والتقاليد، أو مختلفون فى المستوي الثقافى أو الاجتماعى أو المادي. ارتبط التسامح بقيم أخلاقية أخري مثل العطاء والقبول والصفح ولين الجانب والتساهل، وقبول الاختلاف. يعبر التسامح عن الاحترام والتقدير، والقبول لمختلف الثقافات فى العالم، وعدم تكفير أو إهانة أو ازدراء العقائد والأديان الأخري سواء سماوية أو غير سماوية.

يذهب علماء النفس والاجتماع إلى أن من أهم الطرق للقضاء على التعصب هو تشجيع الاختلاط بين الطوائف والجماعات المختلفة لإزالة الفوارق الفكرية أو على الأقل حصرها، وكذلك لتقريب الثقة المعدومة بين الأطراف المختلفة. كما يذهب الفلاسفة إلى أن نشر العقلانية والموضوعية يذهب بالفكر إلى النسبية، أي فكري بالنسبة للآخر، وفكر الآخر بالنسبة لى.