رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

قواعد الأخلاق.. والإعلام

د.فتحى النادي

السبت, 30 يوليو 2011 20:31
بقلم : د. فتحي النادي

كان هتلر نموذجاً للديكتاتور الإرهابي صاحب المطامع التي لا تتوقف عند حد والمؤمن بأن «الغاية تبرر الوسيلة» فلا يقف شيء أمام جموحه وغاياته، وكان عنصرياً غايته أن يكسر إرادة الشعوب لكي يخضع دول العالم كله لحكم الشعب الوحيد الجدير من وجهة نظره بتقرير مصير العالم في دولة واحدة عظمي برئاسته.. الجنس الآري عنده هو الأحق بالحياة، وكل أجناس الأرض ينبغي أن تقوم علي خدمته.. اعتمد هتلر في خداعه لشعبه وتوريطه في حرب عالمية ضد كل جيوش أوروبا التي كان ولابد أن تنتصر علي أسطورة الجيش الذي لا يقهر وترتب علي ذلك تدمير كامل لألمانيا وتسويتها بالأرض علي عنصرين مهمين: آلة عسكرية جبارة كانت قمة في حسن التدريب والالتزام والولاء الأعمي لقادتها من رفاق هتلر الذين اختارهم بنفسه وكان الإعدام هو الجزء الوحيد لمن يخالف أوامره، وآلة إعلامية يتولاها جوبلز لغسل عقول الشعب الألماني كله وتنويمه وسلب إرادته لكي ينساق إلي كل ما يريده هتلر.. جوبلز هذا هو صاحب المقولة المشهورة «حينما أسمع كلمة مثقف أتحسس مسدسي» والنموذج الجوبلزي في الإعلام الموجه يعتمد أساساً علي ترسيخ صورة ذهنية للزعيم الملهم القوي الموثوق به الذي ينبغي طاعته بلا تردد وتصديق كل ما يقول دون سؤال، واستخدام فن التواصل في التأثير علي مشاعر الناس «وسوقهم» إلي الاتجاه الذي يريده القائد، واستغلال الشائعات في تهويل الأحداث أو التهوين من شأنها حسب الحاجة، والإلحاح في بث الرسائل الإعلامية وتكرارها حتي ترسخ في أذهان الناس وتتحول إلي «حقائق» لا تقبل حتي الشك فيترتب عليها سلوك يبلغ درجة اليقين بأن ما يفعلونه هو الصواب.. نوع من «غسيل المخ الجمعي» يؤله الحاكم وينزهه عن الخطأ يسمو به عن كل محاسبة، تماماً مثلما كان يحدث في عهد مبارك إلي الدرجة التي تجعل كثيرين حتي اليوم يتمنون عودته

ويبكون علي فراقه.

أكتب ذلك وأنا أتابع ما يجري علي ساحة الإعلام المصري من قبل بعض حملة الأقلام سواء من المحترفين الذين يمتهنون الكتابة، أو ممن يسمح لهم بالكتابة في صفحات الرأي فيبثون سمومهم لخدمة تيارات أو تحالفات ليست بالضرورة تخدم أهداف أنبل وأنقي ثورة في التاريخ يحاولون ركوبها وتوجيهها لتحقيق مكاسب حزبية أو شخصية أو خدمة عقائد يؤمن بها أصحابها ويستغلون الكتابة في الترويج لها والتمهيد للانقضاض علي الثورة حين تجىء الفرصة.. يستغلون حالة الإحباط التي يعاني منها الناس نتيجة لعدم وضوح الرؤية ويشعلون نيران الفرقة والبغض والتناحر بين التحالفات والحركات والائتلافات التي اتخذت من ميدان التحرير منصة لطرح أفكارهم باعتبارها الحقيقة المطلقة التي ينبغي للكل أن يتبناها ومستغلين للسياسة التي لا أفهمها وينتهجها الثوار بعدم الاتفاق علي قيادات تمثلهم وتتحدث باسمهم لتفويت الفرصة علي من يركبون الموج في انحراف الثورة عن مسارها.. لم يعد خافياً أن أكثر من جهاز مخابرات يعمل في ميدان التحرير، ولم يعد خافياً أن بعض القيادات التي تدعي البطولة وتختفي وراء شباب ثائر يسهل التأثير عليه واستقطابه من أجل تنفيذ أجندات خاصة تخدم من يدفعون لهم، وطبعاً لا أفهم لماذا لا يواجهون بما لدي المجلس العسكري من قرائن وأدلة يقدمون بها إلي المحاكمة ليقول فيهم قضاء مصر كلمته وتتضح الأمور وتعود الثورة لأصحابها ولمصر استقرارها وأمنها.. هؤلاء يتحسرون علناً وبلا خجل علي عهد مبارك ويعددون «أفضاله» هو والعصابة التي كانت تحكمنا علي شعب مصر، ويروجون لـ «الاستقرار والأمن» المفتقدين بحماس العبيد الذين يدينون بالولاء للسيد الذي

يطعمهم كما لو كانوا يتلذذون بالذلة والمهانة التي افتقدوها بزوال عصر مبارك.

أقارن بين ما يبث في بعض أجهزة إعلامنا التي تصول وتجول وتمرح في مثل تلك البيئة المضطربة وتجد فيها مادة غنية وسبقاً إعلامياً دون قياس العواقب الوخيمة علي الوفاق الوطني ومستقبل مصر ما داموا يحققون ذاتهم أو يسددون فاتورة ما قبضوه مقدماً من أموال أو انتظاراً لوعود تترتب علي هدم كل ما حققته الثورة حتي الآن وهو كثير.. أقارن إعلامنا علي مسطرة الأخلاق بما يحدث الآن في إنجلترا بسبب فضيحة التنصت علي هواتف الناس وتسببت في إغلاق إحدي صحف مملكة إمبراطور الصحافة روبرت ميردوخ وجلسات الاستماع لكل شهود الواقعة واستقالة رئيس أسكوتلاند يارد بسبب تورط بعض ضباطه في الفضيحة، وأتابع مناقشات مجلس العموم والانتقادات الحادة التي توجه لرئيس الوزراء نفسه واتهامه بالتستر علي الفساد بتعيينه لأندي كولسون رئيس تحرير «نيوز أوف ذي وورلد» مسئولاً عن الاتصالات بما يهدد بإسقاط الحكومة كلها في نهاية الأمر.. لذلك أشجع ثوار التحرير علي أن يتفقوا علي «لجنة إعلام» تكون مهمتها متابعة كل ما ينشر في الصحف أو يذاع مسموعاً أو يعرض مرئياً ليس بغرض تخوين أو إقصاء أحد ولكن للرد علي كل ما يتناول مبادئ الثورة أو مطالبها أو أهدافها ويحاول أن يشوه صورتها أو يخدم أهدافاً تضر بمصالح الشعب.. بعض ما يكتب ويذاع يخلط السم بالعسل ويتخفي في مسوح الرهبان ليخفي وجه الشيطان والطامعون في الحكم معروفون ولكنهم يجيدون التنكر في زي الثوار ويصرفون ببذخ من مصادر غير معلنة ويدافعون بضراوة عن مكاسب غير شرعية حصلوا عليها في عهد مبارك ويخافون علي مستقبل قد يهدد مصالحهم لو أصبحت مصر ديمقراطية يحكمها برلمان يختاره الشعب ورئيس منتخب يجمع عليه الشارع المصري.. خفافيش الظلام يجيدون العمل تحت الأرض، يحيكون المؤامرات ويحترفون «التهييج» والدعايات السوداء التي تشوه سمعة الشرفاء، وبورتو طرة هو معقل قادة هؤلاء ومخططي مؤامراتهم، لأن الموجودين في طرة لم يفعلوا غير ذلك علي امتداد ستين عاماً من خدمة الأنظمة الثلاثة التي حكمت مصر وظهرت عبقريتهم واضحة في آخر تلك الأنظمة لثلاثين عاماً كاملة وآن الأوان لتنفيذ أول مطالب الثورة في محاكمتهم ورئيسهم عما ارتكبوه في حق مصر من تخريب لكل مواردها وانتهاك كل قواعد الأخلاق ولكل شيء جميل فيها.