رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

دليل المدير الذكي في صنع الولاء

د.فتحى النادي

الأحد, 19 يونيو 2011 10:29
بقلم- د. فتحي النادي

الولاء من الكلمات الغامضة في عالم الإدارة، وهناك بالطبع اجتهادات عدة في تعريفه، ولكن أحداً منها في نظري لم ينجح في نقل المعني بدقة تكفي لفهمه واستيعابه، والولاء درجات أعلاها مرتبة وأكثرها سمواً الولاء للوطن.. لذلك فربما كان من الأوفق هنا بدلاً من أن نجتهد بدورنا في شرح المعني المجرد للكلمة أن نقرب معناها من خلال مواقف يتجلي فيها معني الولاء في سلوك أبلغ من أي شرح.. أقول ذلك ومصر تمر بمنعطف تاريخي سوف يخصص له فصل كامل في كتاب التاريخ يكتبه جيل الثورة.. ولذلك فهي أحوج ما تكون اليوم إلي أن يترجم أبناؤها وفاءهم وولاءهم لها إلي سلوك يجسد بوضوح كل معاني اللهفة علي مصير الوطن، وحق أبنائه في مستقبل يعيد له مكانه ومكانته التي تليق به بين الأمم.. ولطالما حاولت أن أقرب تلك المعاني لطلابي بالأمثلة التي عشتها من خلال تجارب عمر أفنيته في نشر رسالة آمنت بها إلي حد اليقين بأن الناس هم من يقررون مصير الأوطان التي يعيشون فيها وجودة الحياة في تلك الأوطان، وأن الاستثمار في الناس هو أفضل استثمار يدر أعلي عائد يستمر لأجيال ويتحول إلي خبرات متراكمة لو أحسن استغلالها لأصبحت ضماناً - وربما الضمان الوحيد - لتقدم الدول ونهضتها.. سوف أضرب اليوم مثلين يترجمان معني الولاء عملياً ويقربان مفهومه في مواقف وسلوك وليس مجرد معانٍ مجردة وإيحاءات فلسفية قد لا تقترب بقدر كافٍ من المضمون، أحدهما عشته وشاركت فيه والآخر أستورده من اليابان التي ما تزال تعتبر رمزاً

متفرداً في الجودة والانتماء الوطني والتفاني في العمل عقيدة وسلوكاً.

> حين أنشئت المجتمعات الجديدة في عهد الوزير حسب الله الكفراوي، كان لي شرف أن أكون أول مصري يتولي منصباً رفيعاً في إحدي الشركات الدولية التي قررت بناء مصانعها في مدينة 6 أكتوبر في منتصف عام 85.. كان الوزير متلهفاً علي تعمير المدينة حتي قبل أن يكتمل وصول الخدمات إليها، وكنا مشغولين ببحث الوسائل التي تضمن لعمالنا وموظفينا استقراراً وحياة كريمة وولاء للشركة علي المدي الطويل.. التقينا مع الوزير التي شرح لنا أن الموقف يقترب كثيراً من معضلة »البيضة الأول ولا الفرخة« الناس لا تريد أن تشتري الوحدات السكنية التي تم بناؤها قبل وصول الخدمات إلي المدينة لبعدها عن العمران في ذلك الوقت فلا مدارس ولا مستشفيات ولا محال لبيع الخبز والخضار، والحكم المحلي لا يريد أن يصرف الميزانية المخصصة له قبل تعمير المدينة ولو جزئياً.. كان ولابد من اتخاذ قرارات شجاعة جريئة من جانب إدارة الشركة تحقق أهدافها الاستراتيجية المعلنة في العناية بموظفيها، ومن ثم عرضنا علي الوزير أن نعرض عدداً من الوحدات السكنية للتمليك لعمال وموظفي الشركة بشروط ميسرة علي أن تقوم الشركة بسداد مقدم الثمن قرضاً حسناً وتتولي تحصيل الأقساط خصماً من رواتبهم شهرياً وتوريدها لجهاز المدينة.. فعلنا ذلك بدافع المسئولية الاجتماعية تجاه

الموظفين والمجتمع ككل، وأصبح المشروع نموذجاً اقتدت به كثير من الشركات التي بدأت نشاطها بالمدينة بعد ذلك.. هل استفدنا من تلك المبادرة؟.. نعم.. أكثر من استفادة.. وفرت الشركة أكثر من 80٪ من أسطول الأتوبيسات الذي كان ينقل الموظفين من وإلي العمل يومياً من كل أنحاء القاهرة، وحين شب حريق في مصانع الشركة أثناء عطلة نهاية الأسبوع كان العمال المقيمون بجوار المصانع أول من بادر بالتصدي للنيران قبل وصول عربات الإطفاء.. لم يكن التحدي الذي واجهناه هو إطفاء النيران بقدر محاولاتنا اليائسة للحفاظ علي أرواح العمال الذين كانوا يقتحمون النيران وإبعادهم عن مواطن الخطر وترك الأمر لقوات الإطفاء لكي تقوم بعملها.. هل هناك تجسيد للولاء أكثر من ذلك؟

> المثال الآخر من اليابان حيث نظام التقاعد نظام عجيب يؤكد علي قيمة الإنسان وأهمية استغلال طاقاته حتي »آخر نفس« قبل أن يودع الحياة.. الياباني الذي يخدم في أي موقع لأكثر من 34 عاماً متصلة يحق له أن يتقاعد دون أن يفقد مليماً واحداً من مجموع ما كان يتقاضاه أثناء عمله، ويخير بين التقاعد أو الاستمرار في الذهاب إلي العمل تطوعاً كاستشاري يلجأ إليه العاملون لعرض ما يعترضهم من مشكلات تصادفهم في أعمالهم.. أكثر من 85٪ من المتقاعدين يفضلون الاستمرار في الذهاب إلي أعمالهم كالمعتاد بدلاً من البقاء في منازلهم بغير عمل، ولكن الأهم من ذلك ما حدث أخيراً من أن مجموعة من المتقاعدين المسنين قرروا التطوع للذهاب إلي فوكوشيما »موقع كارثة التسرب الإشعاعي الذي أصاب أحد المفاعلات النووية ويهدد بكارثة عالمية« لكي يساعدوا العمال والمهندسين الذين لا يزالون بالموقع يجرون الإصلاحات اللازمة من موقع المسئولية غير عابئين بما يتعرضون له من أخطار.. فلسفتهم في ذلك هو الحفاظ علي الثروة البشرية من الشباب من المهندسين لكي يبنوا مستقبل اليابان.. أحد هؤلاء المتقاعدين بالمناسبة سوف يذهب ليغني للعاملين بالموقع وتحيزهم علي العمل وتحمل الأخطار لأنه لا يجيد شيئاً آخر.. ولا تعليق!