المواكب.. بين قصور العدالة وقصور الرئاسة

د.فتحى النادي

الأحد, 10 أبريل 2011 08:07
بقلم :د. فتحي النادي

 

المشهد واحد لا يتغير.. سيادة الوزير يتحرك إلي مكتبه أو إلي قصر الرئاسة فتتوقف حركة الحياة وتغلق الشوارع في وجوه الناس ويحبسون في سياراتهم بالساعات ويصطف علي جانبي الطريق تشريفة من الرتب الكبيرة لا دخل لها بما يحدث في الشارع سوي ترقب وصول موكب الوزير لأداء التحية له ولفتح الطريق أمامه حتي لا يتعطل عن المهام المصيرية الجسام التي ينوء بها كاهله والتي صدعوا بها رؤوسنا لثلاثة عقود باعتبارها تضحيات يقدمها الحاكم ومن حوله وينبغي لنا أن نقدرها ونعترف بفضلها ونقنع بها.. أما إذا حدث وقرر من كان »يحتل« قصر الرئاسة أن ينتقل في سيارة للذهاب إلي مجلس الشعب أو الشوري لزوم »الشو« الإعلامي وتوزيع المنح والعطايا علي عبيد السلطان، فإن مصر كلها تتوقف وليس مهما بعد ذلك من كان يعاني سكرات الموت في عربة إسعاف أو سعياً وراء الرزق يحاول أن يوفر الحد الأدني من احتياجاته التي حرم منها لصالح جيوب »السادة اللصوص«.

نفس المشهد يتكرر هذه الأيام ولكن في إطار مختلف.. السادة النصوص في مواكب من السيارات المصفحة يذهبون إلي قصور العدالة لكي يحاكموا علي جرائمهم ضد الشعب ونهبهم لثروات مصر وإشاعتهم للفساد

في جميع ربوع مصر الجميلة التي لطخوا وجهها وثوبها بأقذر وأحط الأفعال.. الرتب الكبيرة لم تعد تنتظر مرور مواكبهم لتحييهم وإنما لتحميهم من سخط الناس وغضبهم وإن كانوا لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً أمام صيحات الاستنكار واللعنات التي تنهال عليهم في مظاهرات حاشدة تنتظرهم علي أبواب المحاكم وعلي طول الطريق إليها.. الشيء الوحيد الذي لم يتغير في الحالتين هو خوف المسئول من الناس وحاجته إلي الحماية من احتمال اعتدائهم عليه لو أتيحت لهم الفرصة لذلك.. اللصوص الذين خربوا مصر بيعاً بالجملة والقطاعي يعرفون جيداً أنهم مستهدفون ممن ائتمنوهم علي تسيير أمور حياتهم فجاءوا لا ليحكموا بالعدل وإنما ليسرقوا بالعدل.

وكثيراً ما جلست إلي نفسي أحاورها ويجنح بي الخيال محاولاً أن أفكر بطريقة مبتكرة في شيء يجعلنا لا ننسي ما حدث ونستفيد منه ولا نكرر أخطاءنا وخطايانا في قبول القهر والخوف من العقاب والسكوت علي الاغتصاب الممنهج حتي لشبر الأرض الذي يعيش فيه المواطن المصري ثم يدفن فيه بعد مماته واقفاً

بعد أن باع السادة اللصوص أرض مصر بملاليم دخلت خزينة الدولة وملايين دخلت جيوبهم وتضخمت بعد ذلك لتصبح مليارات سوف تتحول إلي نار تحرقهم هم وكل من اشترك معهم في جريمة خيانة الوطن.. أحاول أن أتخيل نفسي مطالباً بقانون جديد يضيف كلمة »الغير« إلي العقوبة التي سوف يحكم بها علي رؤوس الفساد في مصر لكي تعريهم وتصفهم علي حقيقتهم بدلاً من الأسماء التي لا يستحقونها وأصبحت بعد كشف المستور تثير التهكم والسخرية.. هم لا يستحقون أن يكون في أسمائهم كلمات تنم عن البركة والشرف والبهجة والانبساط أو العزيمة والإصرار علي أن يحتلوا أعلي المناصب ويتربعوا علي كراسي السلطة بالتزوير والقهر حتي الممات.

كلمة »الغير« التي أقترح إلزامهم أمام أسمائهم - بعد أن يقول القضاء العادل كلمته فيهم وبعد أن يستعيد الشعب ما سرقوه منه - سوف تعيد الأمور إلي نصابها وتصفهم بما هم أهل له، ولكي يعتاد الناس علي مناداتهم بأسمائهم الجديدة أقترح أن توضح شارة بالاسم الجديد بلون لافت علي بدل السجن التي يرتدونها أثناء تنفيذ العقوبة.. لو فعلنا ذلك فلن يكونوا فقط أمثلة حية ماثلة أمامنا دروساً وعبراً طوال الوقت، وإنما يمكن أن يكونوا عنصر ردع لغيرهم ممن تداعبهم أحلام القفز علي السلطة ويؤمنون بمبدأ »الغاية تبرر الوسيلة«.. وأثني علي ذلك باقتراح أن تتضمن المناهج التعليمية في المرحلتين الإعدادية والثانوية نسميها »أخلاقيات العمل والمسئولية الاجتماعية« تنمي في الطلاب قيم العمل وخدمة المجتمع في إطار أخلاقي يحفظ للمجتمع ثوابته وقيمه ومثله.