اللجان الشعبية هى الحل السريع؟!

د.فتحى النادي

السبت, 01 سبتمبر 2012 23:56
بقلم - د. فتحى النادى

كتب الإدارة وتنمية الموارد البشرية تخصصان فصولاً كثيرة عن العمل الجماعى وروح الفريق وما يمكن أن تحققه مؤسسة تسود فيها تلك الثقافة ومدى تميزها وتفوقها على منافسيها بدليل أن آلاف العناوين التى تصدر كل يوم فى هذين التخصصين أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً فى العالم متفوقة فى ذلك على الروايات والقصص والكتب الدينية.. والإدارة وتنمية الموارد البشرية علمان مختلفان لكل منهما أصوله وقواعده ومهاراته التى يشدد عليها

، ولكنى شخصياً أحب أن أفكر فيهما معاً على أنهما علم واحد متكامل يمثل الاستثمار فى تحسين جودة الناس والاهتمام بتنمية قدراتهم حجر الزاوية فى قيامهما وتطورهما حتى أصبحا أساس المفاضلة والاختيار للمناصب القيادية الرفيعة فى أى مؤسسة محلية أو إقليمية أو علايمة.. ولو اعتبرناهما معياراً نقيس عليه تقدم الدول وجاهزيتها لمواجهة تحديات العالم الواحد الذى نتقاسم موارده كل على قدر حجمه لوجدنا أنهما عاملان فاصلان بين التطور والجمود والتقدم والتأخر والانفتاح والانغلاق والرفاهية والفقر والصحة والمرض.. وعلى الرغم من توافر كل الإحصاءات التى تؤيد وجهة نظرى إلا أن المقال الصحفى ليس مكاناً لذلك، ولكنى أستطيع أن أورد أمثلة سريعة تدلل على ما أقول، ما حدث لمصر خلال ستين عاماً من سوء الإدارة وانتهى بثورة أطاحت برأس النظام وكبار رموزه بعد أن أصبحت مصر رمزاً للتخلف فى المنطقة وما حدث ويحدث فى الهند والصين والكوريتين من طفرات وإنجازات وراءها شعوب تدير كل شئونها ومواردها بأساليب الإدارة الحديثة وتعتمد فى خططها على فرق عمل من البشر لديهم يقين بأنهم الأساس لتحقيق أى نهضة ويعلون من قيمة العمل باعتباره السبيل الوحيد إلى ذلك، والنتائج التى

تحققت فى آخر أوليمبياد شاهدناه خير دليل على مدى الجدية والالتزام والإصرار على التفوق وحصد الميداليات فى تلك الدول.
مصر الآن أحوج ما تكون إلى حل سريع يضع أقدامنا على الطريق الصحيح لتحقيق أهداف الثورة واستكمال مسيرة الإصلاح اعتماداً على قواعد علم الإدارة وإحداث طفرة فى إعداد الناس لقبول مسؤولية التغيير والمشاركة فى صنعه تحفيزهم على العمل معاً رغم الاختلاف فى الرؤى والتوجه طبقاً لخطط مدروسة وأهداف واضحة معلنة وقبول الآخر وليس محاولة تغييره ليصبح نسخة منا كشرط لقبوله والتعايش معه.
لو انتظرنا حتى ينصلح حال التعليم، ويصبح لدينا تعليماً حقيقياً يستهدف المعرفة ويؤصل القيم ويحفز على التفكير ويكتشف المواهب ويوظفها ويعد الخريج لمواجهة متطلبات أسواق العمل بمصر والخارج، فإننا سوف ننتظر كثيراً وربما لأجيال قادمة، وذلك ترف لا نقدر عليه ولا نملك أن نورثه للجيل الذى قام بالثورة.
ولو تركنا مصر تسير بقوة دفع الثورة التى قارب عمرها على السنتين، فإن قوى كثيرة تتنازع المناصب وتتكالب على المكاسب الشخصية وتستميت لفرض الإرادة وإثبات الوجود وخلف كل هؤلاء جيوش ممن حرمتهم الثورة من الجاه والسلطان وهزت عروشهم وأصبحت تهدد صميم مصالحهم ومستقبلهم وإحساسهم بعدم الأمان، هؤلاء لا هم لهم سوى إشعال فتائل الفتن والكراهية والبغض والحقد وروح الانتقام بين المصريين وكلها فيروسات تهاجم جسم الأمة توهن عزيمتها وتسلبها إرادتها وتضعف من قوة الدفع الهائلة التى تولدت بعد الثورة للتغيير،
فما العمل إذن؟
هناك انفلات فى الشارع المصرى فيما يختص بسلوك الناس وأصبح الاستهتار بحقوق الآخرين سمة غالبة تميز سلوك المصريين بوجه عام وتعذب القلة التى لاتزال تؤمن بالالتزام والتمسك بالقيم والأخلاق فى التعامل مع الآخرين واحترام حقوقهم، وتدهورت الخدمات بعد أن ركن الناس إلى الكسل واللامبالاة والميل إلى الكسب السريع دون عمل والتفنن فى «قتل» الوقت فى نشاطات غير منتجة، وأصبحت الشواارع «مزابل» وتكرر انقطاع الكهرباء والمياه وزاد الضجيج والصخب بالشارع ويكاد التحرش يصبح ظهرة تهد استقرار وأمن المجتمع كله، وأصبحت الخيام والبطاطين ونصب الأكشاك العشوائية والاعتصامات وقطع الطرق وسائل لفرض الرأى بالقوة والبلطجة بدلاً من الحوار واللجوء للقانون للحصول على الحق أو تغيير قانون أو الاعتراض على قرار إلى الدرجة التى أصبح فيها أشهر ميدان فى مصر الذى انطلقت منه الثورة ملجأ لأسر بأكملها تعيش فى خيام عشوائية متناثرة وما يستتبع ذلك من إيجاد عشوائيات جديدة فى قلب ميادين عاصمة مصر وعواصم محافظاتها المختلفة استغلالاً لضعف قبضة الأمن والحساسية من التهم التى توجه للأجهزة المختصة لو حاولت أن تواجه تلك السلوكيات.
لابد إذن أن نفكر خارج الصندوق ونلجأ للحلول غير التقليدية لإيجاد مخرج سريع يعيد بعض ما فقدناه ونفقده كل يوم، ماذا لو قلنا اللجان الشعبية من مجموعات عمل من الشباب المعروفين فى كل حى ومعهم عدد من الشخصيات العامة المحترمة وتكون مهمة تلك اللجان ممارسة نوع من الحكم الذاتى للحى بالتنسيق مع الأجهزة المختصة لحل المشاكل التى يتعرض لها الناس مع تلك الأجهزة وضبط إيقاع الشارع ومواجهة صور التسيب والسلوك غير المسئول أو أى خروج على القيم والآداب العامة ورفع درجة وعى الناس بشركائهم فى الوطن واحترام وبحقهم فى أن ينعموا بالهدوء والسكينة فى بيئة نظيفة وتنمية روح التعاون والعمل الجماعى التطوعى لرفع مستوى الحياة فى الأحياء والإبلاغ عن أى إهمال رسمى يمس المرافق أوالأعطال ومتباعة إصلاحها.. تلك فى رأيى هى الوسيلة الوحيدة العاجلة والمتاحة الآن لكى نواجه ما نشكو منه ويسير بالتوازى مع خطط الدولة طويلة المدى فى هذا الشأن.