نوع البضاعة فى «بوتيكات» السياسة(2)

د.فتحى النادي

الأحد, 20 مايو 2012 09:47
بقلم - د. فتحى النادى

بعد المناظرة المشهورة بين اثنين من مرشحى الرئاسة والتى تابعها الملايين فى مصر وخارجها انتظرت أن تخرج علينا «بوتيكات» استقصاءات الرأى التى تحدثت عنها فى المقال السابق بنتائج قياس الرأى العام عن المرشحين كما تقضى الأصول المهنية، ولكن يبدو أن النتيجة لم تكن على هوى أصحاب تلك البوتيكات من صحف ومراكز مشبوهة وأحزاب مؤيدة لمرشح بعينه فآثروا التعتيم حفظاً لماء الوجه ومحاولة للرقص على كل الحبال..

باستثناء ثلاثة أو أربعة مرشحين. أعجب لباقى المرشحين وجرأتهم على المنصب وعلى قدر مصر، وعلى إصرارهم على الترشح وحلمهم بأن يحكموا مصر وبأنهم سوف يحصلون على عدد الأصوات اللازمة لتحقيق الحلم.. هؤلاء بالكاد يصلحون رؤساء لبعض المصالح الحكومية، أو على أقصى تقدير وزراء فى حكومة تحتاج لتخصصاتهم إذا ثبت أنهم أفضل المؤهلين لذلك.. تعالوا نقلب فى البضاعة المعروضة نحاول التعرف على هويتها لكى نستبعد «المضروب» منها الذى أصبح تناوله أو التعامل معه خطراً داهماً مثل البضائع الصينية المصنعة من مواد مشعة أو معاد تدويرها وتحمل أختاماً مقلدة لماركات مشهورة كان يمكن أن تخدعنا فيما سبق ولكنها الآن أصبحت مفضوحة ومكشوفة.. سقط الكثير من الأقنعة تحت وطء الضغط العصبى للمرشح حين يعرض نفسه على الناس ويضطر إلى الحديث عن سنه وصحته وذمته المالية قبل أن يتكلم عن برنامجه لحكم مصر وحل مشاكلها وتطوير اقتصادها، وانكشف المستور خلفها معلناً عن الحقيقة التى لا تنجح أى مساحيق فى إخفائها.
< مرشح يكاد يبكى فى خطاب جماهيرى لأن مرشد الجماعة صرح بأنه سوف يقبل استقالته ويحله من بيعته بعد انتخابه، فهو لا يستطيع أن يتصور أن يخرج من جنة الجماعة ويضحى بها فى سبيل منصب زائل مثل رئيس الجمهورية، ويا لها من تضحية.. لم يفكر لحظة فى معنى أن يترشح لرئاسة دولة يسكنها شعب اسمه المصريون بجميع اتجاهاتهم وانتماءاتهم وعقائدهم، وأن رئيس مصر لا يمكن أن يدين بالولاء إلا للشعب الذى اختاره.. ألم يفكر سيادته أن حكاية «البيعة» هذه والاستقالة من «الجماعة» عند النجاح فى الانتخابات استهانة بعقول الناخبين وتسطيحاً لأهمية أمر خطير مثل تولى رئاسة مصر.. هل الولاء زر يفتح ويغلق وقتما وحسبما يهوى سيادته، ولماذا لم يستقل سيادته قبل ترشحه إذا كان جاداً؟ أليس ما عبر عنه مؤشراً خطيراً على استقلالية المنصب وتحرره من أى ضغوط تفرض عليه سلوكاً معيناً أو نمطاً من التفكير يضطر معه إلى تغليب المصالح الشخصية على المصالح العليا للدولة؟
< المرشح صاحب اختراع «إيران عربية» (تسابقت الصحف التى تؤيده بعد ذلك فى صياغة مانشيتات تؤكد تمسكه بأن «إيران إسلامية»

وكان الأحرى أن يعتذر بشجاعة عن خطئه، ثم لم يجد هجوماً على أقوى منافسيه سوى اتهامه بأنه «إسلامي» أو «ذو مرجعية دينية» ولكنه يؤكد تمسكه بالمادة الثانية من الدستور وعدم المساس بها.. أليس ذلك تناقضاً واضحاً بين ما يقول وما يبطن؟ وهل المطلوب أن تكون مصر دولة بلا دين فى الوقت الذى ينص فيه فى كثير من دساتير العالم على دين الدولة مثل إنجلترا وفرنسا وإسبانيا دون أن يدعى أحد أنها دولة دينية، ثم يخرج على الهواء أكثر من مرة ليعلن أنه يستطيع «القضاء على عجز الميزانية» وحل كل مشاكل مصر الاقتصادية بالتليفون.. ماذا ينتظر؟ هل المساعدة الخارجية من أى جهة عربية أو أجنبية والتى يضمن توفيرها رهن بانتخابه مع ما فى ذلك من معان لا تخفى على القارئ؟ هل يختلف ذلك عن «أنا أو الفوضى» التى أطلقها زعيم مافيا الحكم الفاسد فى مصر قبل إسقاطه؟ الرجل تكاد «ذاته» تنفجر من فرط ما تضخمت.. يجهد نفسه كثيراً وهو يحاول أن يثبت معارضته الشرسة لنظام مبارك الذى «شرده» عشرين سنة فى مناصب رفيعة فى كل عواصم العالم، بينما كان منافسه «ينعم» فى زنازين السجون والمعتقلات.. لا شك أن بعض المرشحين يحتاجون إلى علاج وتأهيل نفسى يساعدهم على قبول واقع مصر الثورة التى قامت لتسقط النظام وكل رموزه ولن يهدأ لها بال حتى يتحقق ذلك.
< المرشح الذى يكسو وجهه تعبير «القرف» والتأفف من كل سؤال يوجه إليه، ويوحى بأنه ناجح لا محالة، ويجيب بعنجهية وتعال وتكبر يقول: «إنتوا مش عارفين أنا مين والا إيه؟» هو الآخر «سوف يقضى على البلطجية فى 24 ساعة» (معرفش إيه حكاية الـ 24 ساعة دى مع المرشحين) لو انتخب فهل يعى معنى ما يقول وما يوحى به من أنه ضالع فيما يحدث؟ أليس واجبه كمواطن شريف أن يتعاون مع الأجهزة المعنية للقبض على هؤلاء البلطجية ومن يقف خلفهم دون أن يرتبط ذلك بتوليه الحكم، أم أن سيادته يعتقد أن شعب مصر ينبغى أن يظل رهينة حتى يتم انتخابه أو يتحمل عاقبة نزقه وطيشه ونكرانه لأصحاب الفضل عليه؟ الرجل يتحدث عن إنجازاته المهنية فى تخصصه الدقيق كما لو كان يحمل وصفة سحرية لحل مشاكل مصر كلها لو تم انتخابه، ويصادر مقدماً على صياغة دستور البلاد فيصرح بأنه سوف يستقيل لو نص بالدستور على نظام برلماني.. نفس الأفكار التى تربى عليها التى تجمع السلطة فى يد رئيس فوق الحساب يفعل ما بدا له ويظل يحكم إلى آخر العمر أو السجن أو الاغتيال أيها أقرب..!