رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

«بوتيكات» السياسة.. و«سبوبة» الانتخابات (1)

د.فتحى النادي

الأحد, 13 مايو 2012 09:17
بقلم: د. فتحي النادي

مثلما كان في مصر زمان محلات تسمي «ألف صنف» تبيع كل ما يمكن عرضه طبقاً لمساحة كل محل دون التخصص في صنف بعينه، أرقب البوتيكات السياسية التي افتتحت لانتهاز فرصة انتخابات الرئاسة في مصر وتفننها في تسويق بضاعتها - وكثير منها مضروب -

علي الناخبين مستخدمة كل أدوات التأثير المتاحة لها للتأثير عليهم وتشكيل رأيهم، وعينهم طول الوقت علي العائد المجزي من وراء المجهودات التي تبدو في ظاهرها بريئة محايدة وموضوعية.. كثير من الصخب والضجيج الإعلامي الذي يشبه حفلات الزار يظل المشاركون فيها يدورون حول أنفسهم حتي يتساقطوا إعياء واحداً وراء الآخر مستسلمين للدجال الذي يوهمهم بأنه يطرد العفاريت التي تسكن أجسادهم، وحين يفيقون يكون النصاب قد رحل حاملاً معه ما خف حمله وغلا ثمنه، وتظل العفاريت تعربد في جسد مصر حتي يأتي من يخلصها ويعيد إليها توازنها.. البضاعة التي تبيعها تلك البوتيكات السياسية هي المرشحون للرئاسة وبرامجهم، التي لو أمعنا النظر فيها لوجدنا أن معظمها مجرد أفكار عامة لا تمت للبرامج السياسية بصلة ولا تلزم من يقولها بأهداف واضحة محددة ولا خطط تنفيذية بأولويات وتوقيتات للتنفيذ، فضلاً عن شخصيات بعض المرشحين أنفسهم الذين يسهمون - ربما عن غير قصد ولا سوء نية - في خطة الخداع السياسي لموسم الانتخابات في مصر التي تأخذ أشكالاً مختلفة ينبغي لنا التنبيه إليها:
< «استقصاءات الرأي» واستطلاع آراء الناخبين ومحاولة التأثير علي اختياراتهم من جهات ليست فوق مستوي الشبهات مثل مركز المعلومات التابع لمجلس الوزراء صاحب التاريخ الملوث بخدمة التوريث وخطط الحزب الوطني وإهدار المال العام باستقصاءات رأي «مضروبة» صورت مصر كلها سعيدة بحكم مبارك وجاهزة لحكم ولي

العهد ومتطلعة للرخاء والرفاهية في ظل حكمه الرشيد.. يعود المركز إلي الساحة بعد أن اختفي فترة حتي تهدأ الأمور وينسي الناس دوره المشبوه لكي يعيد إنتاج دوره في استطلاع آراء الناس عن المرشحين ويرتبهم تبعاً لذلك في محاولات مكشوفة للتأثير علي اختيارات الناخبين دون حياء وعلي الرغم من تبعيته لمجلس الوزراء، وذلك في حد ذاته يخدش حياده ويجرح النتائج التي يعلنها، ولكنه في الوقت نفسه ينبه للدور المشبوه الذي يعود هذا المركز ليلعبه في تأييد مرشح بعينه من وراء ستار باستقصاءات رأي موجهة تحاول تشكيل الرأي العام بما لديه من إمكانات وخبرة متراكمة في تفصيل النتائج.. والغريب أن رئيس المركز السابق الذي اضطرت الحكومة لتنحيته افتتح هو الآخر «بوتيكاً» لاستطلاع الرأي بالتليفون ينافس به المركز وعاد ليظهر في الفضائيات يسوق للنتائج التي توصل إليها والتي تختلف عن نتائج المركز الذي كان يرأسه مدعياً أنه يمثل «بصيرة» الناخب.
< شركات المحمول لم تشأ أن تضيع الفرصة لضخ المزيد من المليارات في خزائنها مستغلة عشق ووله الشعب المصري بالكلام، وأخذت تدعو إلي مسابقات يتكهن فيها المشارك بالنتائج علي غرار كرة القدم ويرسل تكهناته عبر الرسائل القصيرة لكي يتأهل للسحب الذي يجري ويفوز بعشرات الألوف، وبدلاً من «الرنات» التي يحملها المشترك علي تليفونه أصبح يستطيع أن يحمل صور المرشحين وربما مستقبلاً الرنات الخاصة بهم طبقاً للونهم السياسي وانتماءاتهم الحزبية، وقد يقترحون علي المشترك ألا
يتعب نفسه ويذهب للإدلاء بصوته، حيث يستطيع أن يفعل ذلك بإرسال رسالة قصيرة للجنة التابع لها وسوف يضعونها نيابة عنه في الصندوق.. ووصل الأمر بإحدي شركات الإعلانات المشهورة أن قامت بنشر لوحاتها الإعلانية العملاقة علي كل الكباري وأعلي أسطح العمارات الشهيرة داخل العاصمة في انتظار حجزها نظير الملايين التي تتجاوز بكثير أقصي إنفاق مسموح به لأي مرشح مما يدل علي أن معظم المرشحين لن يمتثلوا لشروط الإنفاق علي حملاتهم الانتخابية، وأن لديهم الملايين في حساباتهم التي يغذيها موارد من الداخل والخارج لابد أن يكشف عنها بالقانون مستقبلاً لكي يعرف الشعب حقيقة من يقفون وراء كل مرشح فيكشف النقاب عن غموض ما يحدث في مصر الآن.
< الفضائيات وبرامج التحليلات والمناظرات ومشاركات الجمهور ومقابلات المرشحين والإغداق عليهم «لم ينكروا ما نشر» وفرق المحللين والخبراء والاستشاريين ومعظمها موجه للنخب وهم ليسوا أصحاب الكتل الانتخابية، ولكنهم يسهمون في تسويق تلك البرامج «الجاهزة للتصنيع» بالمداخلات التي يجرونها ظانين أن صوتهم له تأثيره وتقديره، بينما عداد المكالمات يصل بلا انقطاع علي تليفونات البرنامج الذي يجني من وراء ذلك ملايين تصب في جيوب أصحاب تلك البرامج والمحطات التي يعملون من خلالها، مضافاً إليها كم الإعلانات الرهيب ومساهمات الرعاة الذين يسهمون في إنتاج تلك البرامج لكي يسوقوا هم كذلك لمنتجاتهم «وأهه كله بيع».
المتأمل في الأسئلة المعدة سلفاً للمرشحين التي تطرح عليهم من مقدمي البرامج لا تمس جوهر قياس خبرات المرشح وخلفيته العملية وتاريخه السياسي ولا قدراته علي ترتيب الأولويات والتخطيط لمواجهة الأزمات وتجنيد الكفاءات وإدارة الموارد المتاحة وتعظيم قيمتها، وإنما كلام عام يحول الحوار إلي «مكلمة» يتباري فيها المرشحون بلاغياً بأساليب إنشائية مختلفة تقول نفس الشيء وتتاجر بآلام الناس وأحلامهم وكأننا بصدد مرشح واحد يرتدي قناعاً مختلفاً في كل مرة يظهر فيها في برنامج أو يدلي فيها بحديث.. ولأن العرض لابد وأن يستمر لجأت بعض الفضائيات إلي عقد أكثر من لقاء مع كل مرشح حيث إن ثلاث ساعات في كل لقاء لن تكون كافية لحجم الإعلانات المستهدف.. أما المرشحون أنفسهم وأداؤهم وتناقضاتهم فتلك قصة أخري!