«تدوير» المناصب.. وبهلوانات السياسة

د.فتحى النادي

الأحد, 29 أبريل 2012 00:34
بقلم: د. فتحى النادى

هناك فرق بين تدوير الوظائف كما نعرفه فى علم الإدارة كوسيلة لتنمية قدرات الموظفين وإتاحة الفرصة لهم لممارسة أكثر من عمل والإلمام بمتطلبات أدائها والتعرض لمشكلاتها ومحاولة حلها واكتساب الخبرة فى أكثر من مجال بالمؤسسات التى يعملون بها،

وبين الرشاوى السياسية التى يقدمها بهلوانات السياسة تلك الأيام ممن يديرون مؤسسات مصر التى تحولت فى عهد مبارك إلى صروح للفساد وحضانات للفاسدين فى الاقتصاد والإعلام والأحزاب السياسية التى استخدمت ولاتزال لاستكمال الديكور الديمقراطى والتعمية عما يدور فى الكواليس من مؤتمرات وفتن.. الزعيم السياسى الحقيقى يجمع حوله أهل الخبرة والمشورة وصدق القول ونزاهة السلوك والمواقف وإخلاص النوايا والزهد وسلامة المقصد والنأى عن الصغائر، أما البهلوان السياسى فيحيط نفسه بأهل الثقة من المنافقين والطامعين فى منصب أو جاه يسمعونه ما يريد أن يسمع ويزينون له كل ما يرضيه.. يستميتون فى القرب منه ومحاصرته بأتباعهم من بلطجية السياسة ويبعدون عنه أى صاحب علم أو خبرة يكشف جهلهم ويعرى مقاصدهم، ويدورون به فى دوامة تتسارع فى دورانها بالتدريج حتى ينصرف اهتمامه إلى كيفية أن تظل رأسه على السطح أطوال مدة ممكنة قبل أن يختفى فى أعماق النسيان.. وهو بدوره يعلم أنهم طامعون فى مناصب يتباهون بها وجاه زائف يكسبهم مكانة وواجهة يخدعون بها من يتعاملون معهم فيوزع المناصب ليرضيهم ويبقيهم متحلقين من حوله، وتتفاوت المسميات طبقاً لأهمية «التابع» مادامت المناصب سوف تتغير وسوف يحتلها من يصيبه الدور فى حلقات النفاق والدجل والنصب السياسي.
تاريخ مصر حافل بزعامات كان الشعب يفوضهم للتحدث باسمه ويعطيهم توكيلات على بياض لفرط ثقته فيهم وفى مواقفهم، كانوا «خداماً» للشعب وليس

للسلطان، يستمدون قوتهم من الناس.. محمد كريم وعمر مكرم وأحمد عرابى وجمال عبدالناصر وسعد زغلول ومصطفى النحاس حققوا أعظم الثورات فى التاريخ ووقفوا أمام سلاطين جبابرة دون أن يخافوا سطوتهم ولم يغرهم جاه أو سلطان حتى يصبحوا أدوات فى يد الحكام الذين ثاروا عليهم أو المستعمرين الذين طردوهم شر طردة وأنهوا احتلالهم للأوطان.. كان آحاداً صحيحة كل واحد منهم بحجم مصر كلها.. واليوم أتلفت حولى لعلى أجد فى أحفادهم أو فى الأحزاب القائمة أو بين المتنطعين فى الشارع السياسى فلا أجد إلا أصفاراً تحاول دون جدوى أن تصبح آحاداً.. أصفاراً مهما بلغ عددها لا يمكن - إذا ما جمعت - أن تكون واحداً صحيحاً ويحاول بعضهم بكل جرأة ودون خجل من ماض أسود ملطخ بدم شهيد أو دعوة مظلوم أو تخريب للعقول والذمم أن يترشح لرئاسة مصر حتى يظل مسلسل الفساد مستمراً جيلاً بعد جيل فى حضانات الفساد التى أنشأها مبارك وتولى إدارتها وريثه ولايزال خريجوها ينتشرون فى بنوك وهيئات ومؤسسات وأحزاب مصر انتظاراً لثورة ثانية تطهر مصر من هؤلاء وتستكمل أهداف أعظم الثورات فى التاريخ الحديث.
كان يحكم مصر - ولا يزال يحاول - رئيس تقلد منصبه بالصدفة، لم يكن مؤهلاً على الإطلاق لأن يتخطى حاجز الترقية التى يحلم بها ضابط مجتهد فى عمله يتقاعد بعدها على معاش يضمن له عيشاً كريماً مثل أقرانه فى
الجيش الذى ينتمى إليه.. قدراته العقلية تتناسب مع ثقافته المحدودة واهتماماته والبيئة التى نشأ فيها ولم يثبت - بعد أن تكشفت كل الحقائق - أنه حاول أن يرقى أو يرتقى بها.. وكان طبيعياً أن يلتف حوله أسماك القرش ممن تجتذبهم رائحة السلطة وطعم الثراء يسهلون له البقاء فى الحكم وتوريثه ويصنعون منه ومن أسرته أسطورة فى الذكاء واللماحية وبعد النظر والحكمة وينتهى بهم المطاف جميعاً إلى زنازين السجون التى امتلأت فيما سبق بكل من رفع صوته اعتراضاً أو نبه لفساد.. رأى مبارك الموت بعينيه فى حادث المنصة الذى أتى بعده رئيساً لمصر ولم يكن مؤهلاً حتى يكون رئيساً لأحد مؤسساتها، فتكونت لديه عقدة جعلته «يخاف من خياله»، وهو الذى صوره لنا على أنه مثال للشجاعة والإقدام، وسخر كل أجهزة الدولة لحمايته الشخصية وحماية أسرته.
حادث أورده نبيل العربى فى كتابه الأخير الذى ضمنه قصة المعركة الرائعة التى خاضتها الخارجية المصرية وفريق المفاوضين والاستشاريين من شوامخ مصر فى القانون والعسكرية والتاريخ لاستعادة طابا من عصابة صهيون.. يوضح الحادث الخدعة الكبرى التى عشناها فى مصر لأكثر من ثلاثة عقود؛ وتدلل على جهل رئيسها وذكائه المحدود واهتماماته الضحلة زيف ادعاءاته عن انشغاله بمصر وترابها.. يحكى العربى أن مبارك لم يمنحه ولا أى من فريق العمل أية أوسمة أو نياشين كما يقضى العرف، وأنه حضر وفريق المفاوضين حفل رفع العلم على طابا وكان المفروض - طبقاً لقواعد البروتوكول - أن يصافحهم مبارك تقديراً لجهودهم على امتداد خمس سنوات من العمل المضني، وبالفعل توجه الرئيس المخلوع نحوهم ولكنه سمع من يناديه «يا ريس.. يا ريس» فالتفت فإذا بممثل توفاه الله يقف مع فنانة وفنانين آخرين، فما كان من مبارك إلا أن ترك فريق المفاوضين وتوجه ناحية من ناداه ووقف يجاذبه أطراف الحديث هو ومن معه.. والأدهى من ذلك أنه لم يعد لكى يصافح من ساعدوا مصر على استعادة طابا بل انصرف تاركاً إياهم فى ذهول لا يكادون يصدقون ما حدث.. مهرج سياسى كبير فى دور رئيس!