رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الرئيس القادم.. بين المزاد والسيرك

د.فتحى النادي

السبت, 17 مارس 2012 22:28
بقلم- د. فتحي النادي

طالما تمنيت أن أكذب عيني وأذني وأنا أسمع وأري ما يحدث في لجنة تلقي طلبات الترشح لرئاسة مصر ووصول عددهم إلي ما يقرب من 350 مرشحاً محتملاً حتي وقت كتابة هذا المقال.. ما يحدث أبلغ دليل علي ما قلته قبلاً إن مصر ظلت لمدة ثلاثين عاماً سيركاً قومياً صاحبه ومديره رئيس الدولة

الذي كان مشروعه علي ما يبدو أن يحطم أسطورة سيركي «عاكف» و«الحلو» اللذين لم تعرف مصر غيرهما لمدة نصف قرن من الزمان وكانا يدخلان البهجة علي ملايين المصريين بتنوع برامجهما التقليدية ومهارات لاعبيهم الذين «يورثون» المهنة أباً عن جد.. ويبدو أن عملية «التوريث» هذه كانت أُس البلاء بالنسبة لـ «سيرك مبارك القومي» الذي ابتدع سيركاً سياسياً خطط لأن يستمر لقرن من الزمان علي الأقل، ولأن نسبة الأمية في مصر تعد الآن أعلي نسبة في العالم ولا فخر، فقد ابتدع مهرجو مبارك السياسيون قانوناً يبدو في ظاهره أنه يضمن المساواة التامة بين المصريين في الترشح للرئاسة التي كان النظام يعلم تماماً أنها محسومة لصالح الوريث جمال مبارك، ولكن لا بأس من جعل كل من تداعبه أحلام الرئاسة من بسطاء الناس يحلم بأنه رئيس مصر القادم، وكلما زاد عدد المرشحين البسطاء ظهر الوريث إلي جانبهم لامعاً مشرقاً يعلو عليهم بمقامه وعلمه ونسبه، فلا يجد الناخب أمامه سوي انتخابه.
أنظر إلي عينات من الذين تقدموا للترشح، فأجد ربات منازل وحرفيين وباعة جائلين، بعضهم لا يفهم الأسئلة التي توجه إليه من أجهزة الإعلام، وبعضهم يفخر بأنه يحمل الشهادة الابتدائية التي هي أحسن من ستين دكتوراه «ولعلهم صادقون في ذلك بعدما حدث للتعليم في مصر»

وهي الحد الأدني المطلوب للترشح، وبعضهم يتساند علي آخرين حيث لا تسعفه قدماه علي السير أو الوقوف «ولم لا ورئيس مصر المخلوع يظهر في الإعلام ممدداً علي سرير» ومع كل الاحترام لكل صاحب مهنة شريفة فقدر مصر يستحق أفضل بنيها علماً وأخلاقاً ومعرفة ومظهراً ونقاء وطهارة ونضالاً ليقود مصر المستقبل ويقنع باقي المصريين بالسير وراءه ومساندته ودعمه طالما ظل أميناً علي العهد حريصاً علي الدفاع عن مصالحهم مستميتاً في تحقيق طموحاتهم محافظاً علي شرف منصبه وعلي القسم الذي يلزمه أمام الله والشعب بأن يحافظ علي استقلال الوطن وسلامة أراضيه، واضح أن قوة الدفع الثورية بدأت تضعف من كثرة ما حدث من تشتيت وإنهاك لقوتها، وتبدد تأثيرها علي توحد الناس علي هدف عام قومي إلي مكاسب شخصية ومناورات رخيصة لبعض المرشحين الكبار ومن خلفهم لكي يفتتوا الأصوات حتي ولو علي حساب كرامة مصر، وواضح أن الملايين التي تضخ في حسابات غير منظورة تستخدم الآن في الحصول علي التوكيلات لمرشحين بعينهم أو لمساكين يتلهي بهم الكبار ويدفعونهم دفعاً إلي ترشيح أنفسهم والتقاط الصور وهم يتأبطون الظرف الملون بعلم مصر ويحتوي علي الأوراق المطلوبة لقبول الترشيح بنفس المنطق الذي تعامل فيه مبارك مع القانون لكي يمهد الطريق لابنه لكي يكون حاكم مصر من بعد أبيه وربما ابنه من بعده.
دور الأحزاب في السيرك السياسي الحالي للانتخابات دور خطير ينبغي أن ننتبه
له، فالمغريات كثيرة للانضمام إلي طابور المؤيدين لمرشح ترضي عنه الأغلبية أو المجلس العسكري أو الاثنان معاً، والتحالفات السرية علي أشدها انتظاراً لتحقيق وعود بمناصب وزارية أو برئاسة الحكومة، والتلويح بالحساب علي أخطاء فادحة ارتكبت في حق الثورة والثوار بعد انتخاب رئيس للبلاد تجعل الحرص علي أن يكون هذا الرئيس توافقياً يرضي كافة الأطراف ويتواءم مع متطلبات انتقال السلطة بطريقة آمنة سلسة.. واختيار القوي ليس لصالح مجلس الشعب الذي انشغل أعضاؤه بالشو الإعلامي عن ترتيب أولوياتهم وإصدار القوانين اللازمة لكي تتحقق أهداف الثورة أو إعادة النظر أو حتي إلغاء قوانين «إسكافية القوانين» في عهد مبارك الذين كانوا يفصلون علي كل مقاس يطلب منهم علي حساب الضمير والعدالة، ومناورات بعض الأحزاب في الانتقال من مرشح لآخر واللعب علي أكثر من حبل علي قدم وساق إلي الدرجة التي لا يتفق فيها رأي قياداتها علي تأييد مرشح بعد أن فشلوا في ترشيح أحد من قياداتهم لمنصب الرئيس المقبل لمصر.. قلبي وعقلي مع شباب الأحزاب الذين يبحثون عن طريق ويلتمسون وضوح الرؤية والشفافية لدي قياداتهم فلا يجدونها، ويتطلعون إلي دور يؤدونه في تغيير أحوال أحزابهم فلا يمكنون من ذلك ممن جلسوا علي مقاعد القيادة أزماناً ويعز عليهم أن يتنازلوا عنها بحكم مقتضيات الواقع الذي يمنح هؤلاء الشباب كل الحق في الجلوس علي مقاعد القيادة وأمامهم بوصلة الثورة تهديهم إلي دروب وشوارع المستقبل لبلدهم.
أخشي ما أخشاه أن يظل الخلاف بين القوي الوطنية بشكله الحالي تؤجج نيرانه وتغذيها قوي تدربت علي بث الفرقة ودق الأسافين حتي تتفرق القوي ويصيبها الوهن واليأس والإحباط فتسلم في يأس وتحيط بها جحافل الشر التي تتربص بها من كل جانب تجهض كل محاولة للإصلاح وتغذي التمسك بقيم وتقاليد رسخها نظام الفساد وأصبحت مقبولة كمنهج حياة مثل عدم الالتزام والاستخفاف واللامبالاة والأنانية والتهرب من المسئولية وعدم التعلم من الأخطاء.. التحالف بين الأحزاب الممثلة في البرلمان علي مصلحة مصر العليا هو السبيل الوحيد لتوازن القوي داخل المجلس التشريعي، وغير ذلك يصبح صراعاً للديكة تحت قبة البرلمان.