رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عناصر تكوين السلوك البشري

د.فتحى النادي

الأحد, 12 فبراير 2012 09:12
بقلم: د. فتحي النادي

لا يزال العلم يكشف كل يوم أسرار النفس البشرية ومكونات الشخصية وتشكيل السلوك وعجائب الجينات التي نولد بها ولكنها تتحكم في كثير مما نفعل دون أن ندري أو حتي نستطيع أن نتحكم فيها بالقدر الذي نريد، أصبح المزاج وطريقة التفكير والحالة النفسية والسعادة

والشقاء جزءاً من الدراسات التي تجري لكشف مجاهل الجينات الوراثية ومادة دسمة للتجارب المعملية في التأثير الكيميائي للأدوية في تغيير الحالة النفسية ونمط التفكير والإدراك لما حولنا وتفسيره والتفاعل معه ولكن يظل العقل لغزاً يحير العلماء ودهاليز يتوه فيها العلم وتحتاج لجهود خارقة تسبر غور قدرته علي التكيف والتغييروالتحكم في كل حركة نقوم بها أوكلمة ننطلق بها أو رد فعل لما يجتاحنا كل يوم من أحداث أو مشاعر تتولد ولا نعرف لماذا تختلف من موقف لآخر، العلماء يميلون إلي الاعتقاد بأننا خلقنا وبداخلنا «نظم التشغيل» المطلوبة التي تدير عقولنا وتفكيرنا ومن ثم سلوكنا وأنماطنا الشخصية، أي المحتوي أو الإطار العام لكل منا، ثم يجيئ دور الخبرة المتراكمة في المواقف المختلفة خلال مراحل الحياة فتتشكل تبعاً لها أنماط عقلية تصبح هي المسيطرة علي ردود أفعالنا كما قلت.. نوع من التربية التي تلعب دوراً مهماً وحيوياً في استغلال الطاقة المختزنة لدينا التي ولدنا بها وتقويتها من خلال التجريب والتعلم من النجاح والفشل، وقد لخص العلماء تلك المؤثرات في خمسة خبرات حياتية تشكل وتعيد تشكيل «أنماطنا العقلية» هي:
< التعليم الذي يمدنا بالأساس المعرفي والمعلومات العامة التي تساعدنا علي معرفة العالم من حولنا وتشكل وعينا العام ويمدنا باللغة التي نتعامل بها مع الناس والأشياء، وتثير فينا النهم لمعرفة

المزيد للإجابة عما يصادفنا من أسئلة لا نجد لها إجابات، والتعليم الجيد هو الذي يحرضنا علي التفكير ويدفعنا للبحث عن الإجابات التي نريدها في نوع الدراسة التي تتوافق مع الجينات التي تمثل كما قلنا نظم التشغيل لشخصية كل منا.
< التدريب المكمل للتعليم وهو مجال التجريب الذي يعد الخطوة الأولي نحو «التعلم» من خلال تطبيق العلم علي الواقع والتعلم من النجاح والفشل اللذين يدفعاننا إلي التفكير في الأسباب لكي نستفيد من الاثنين ونتعرف بالتدريج علي مواطن القوة الكامنة فينا ونقاط الضعف التي تحتاج إلي مزيد من التدريب لكي ننجح في الأعمال والتجارب الجديدة التي تسند إلينا أو نريد أداءها، والتدريب بطبيعته أكثر تحديداً وتركيزاً علي موضوعات بعينها علي عكس التعليم الذي يتميز بالشمولية العمومية حتي في مواد التخصص التي يتناولها بسطحية دون تعمق كاف، وتأثير التدريب علي نمط تفكيرنا تأثير طاغ يصعب أحياناً التخلص منه أو تغييره حتي لو تغير العالم من حولنا ما لم نخضع لتدريب آخر يجعلنا أكثر وعياً واقتناعاً بالحاجة إلي أن نغير نمط تفكيرنا وسلوكنا لكي نتواءم مع المتغيرات التي تحدث حولنا.
< أما تأثير الآخرين علينا مثل الوالدين ورموز الأسرة والمعلمين والرؤساء الذين نعمل معهم والخبراء والمدربين والأصدقاء فهو عميق ومستمر ما استمرت الحياة، هؤلاء ينقلون إلينا دون أن ندري فلسفتهم في الحياة والطريقة التي ينظرون إليها للمشكلات وكيف يتناولونها بالحل،
كما يؤثر فينا الكتب التي نقرأها مثل الطفل الذي نجعله يقرأ أكثر كتب الخيال العلمي فنجده غالباً ما يميل للتخصص في العلوم بعكس من يقرأ في الأدب أو الفنون أو العلوم الإنسانية، خلال تجاربنا العملية نتأثر بلا شك بتوجيهات من يملكون توجيهنا ونعيد النظر فيما نفعل ونغير سلوكنا تبعاً لذلك لكي نرضيهم حتي قبل أن نقتنع نحن أنفسنا بضرورة التغيير، وقد يصبح التكرار عادة حسنة أو سيئة لا نستطيع التخلص منها.
< المكافآت والحوافز وتلك لها تأثيركبير علي العقل حيث ترتبط في عقولنا بخبرات سارة نتج عنها التكريم أو المكافأة فتحفزها علي تكرار التجارب لكي نحظي بالتكريم ومن ثم الشعور بالسعادة مرة أخري، ويتعدد شكل المكافآت والحوافز ومدي تأثيرها علي الناس بتعدد الاحتياجات، وتكون أكثر تأثيراً حين تلبي حاجة لدينا، فمثلاً بعضنا يحفزه المال أكثر لو كان بصدد مشروع يحتاج إلي المال كالزواج أو بدء مشروع صغير أو شراء سيارة، وبعضنا تحفزه الترقية والمكانة الاجتماعية التي توفرها له حتي لو تقاضي راتباً أقل وهكذا.. أنا شخصياً أعتبر التحفيز فناً وأسميه «فن إعادة شحن البطاريات البشرية» لأنه السبيل الوحيد لكي يجعل الناس تعمل بجد للوصول إلي أهداف يضعونها لأنفسهم أو أهداف مؤسسية يقتنعون بجدواها، وأعتبر أن المدير في أي موقع عمل يفقد كثيراً من فعالياته وصلاحيته للمنصب لو لم يكن يجيد هذا الفن.
< وأخيراً الخبرة الذاتية فنري أن الكثير من العلماء والفنانين قد علموا أنفسهم بأنفسهم من خلال التجربة وتربية حاسة حب الاستطلاع التي تجعلهم يفكرون «خارج الصندوق» ويكتشفون بأنفسهم ما يريدون معرفته ويعتبرون كل تجربة معرفية جديدة مغامرة تستحق أن يخوضوها سعياً وراء الإجابة عن أسئلة لا يجدون لها إجابة مقنعة في التعليم الرسمي أو فيما يدور حولهم، هؤلاء يعتمدون علي نظام «التلمذة» علي يد «أسطي» محترف يجيد مهنته يعلمهم أصول الصنعة ويتعهدهم بالرعاية حتي يشتد عودهم ويستقلوا بأنفسهم بعد أن تتكون شخصياتهم وتنضج بالتدريج، أهم ما في الخبرة الذاتية أننا نتعلم كيف نتعلم وهو مكون أساسي في شخصياتنا.