الشعب يريد إسقاط »اللانظام«

د.فتحى النادي

الجمعة, 04 فبراير 2011 13:30
بقلم: د. فتحى النادى

شاء الله أن يصبح 25 يناير علامة فارقة فى تاريخ مصر، وأن يشهد أحداثاً تبرز معدن الشعب المصرى وصلابته وعزيمته التى تظهر جوهر شعب عظيم ذى تاريخ نضالى طويل تجاوز حدود مصر وامتد ليناصر قضايا التحرر فى كل الدنيا انطلاقاً من ثوابت أخلاقية وقيم ومثل تترجم حضارة هذا الشعب العظيم.

كنت فرحاً بشيخوختى وما حققته لبلادى على قدر طاقتى منذ أن شببت عن الطوق وأصبحت أعى معنى المواطنة والانتماء لأرض رحبة تحتضن الناس تسمى الوطن وتجعلهم لا يترددون حين يدعو الداعى إلى بذل الدماء والروح فداء له.. كنت قلقاً على مستقبل مصر وأمنها وسلامتها، وكنت أظن أن جيلى كان من نوع آخر ومعدن مختلف عن شباب اليوم الذى كنت أحكم عليه بمجموعة من الظواهر التى اكتشفت بعد ذلك أنها كانت خادعة تخفى وراءها معدناً أصيلاً نادراً يظهر وقت الشدائد أو حين يصبح يتعرض الوطن لخطر داهم يهدد أمنه وسلامته.. وفجأة وجدتنى أعيش وسط ملحمة شعبية فريدة، وأحداث تتسارع بمعدل أعجز عن متابعته، ونموذج فريد لم أشاهد ولم أقرأ عن مثله طوال حياتى التى كنت فخوراً بها.

وجدتنى أسير فى مظاهرات أردد هتافات وراء أبنائى من الشباب، وأسير  كيلومترات طويلة معهم دون أن أشعر بتعب، وأحمل عصاى أقف بها حارساً على بيتى وبيوتهم دون أى محاولة مجرمة للاعتداء أو السلب أو النهب دون أن يمثل فارق السن أى حواجز لا فى التفاهم ولا فى التعامل.. وعشت مشاعر أسرنا تقدم للشباب ما يقيم أودهم ويعينهم بالطاقة اللازمة على سهر الليالى، وكم كنت فخوراً بهم وبنفسى

حين كانت حصيلة اليوم الأول القبض على ثلاثة مجرمين بأسلحتهم، وسيارة نقل تحمل عصابة من المجرمين بما نهبوا من أحياء ومحال مجاورة وتسليمهم للجيش.. المرة الأولى فى التاريخ التى يخرج فيها الناس بتلقائية شديدة يتكلمون نفس اللغة ويطالبون بنفس المطالب ويتجهون لنفس الأماكن دون قيادة تخطط وتعبئ وتنفذ وتتابع.. حتى حينما اتخذ قراراً غبياً متخلفاً بقطع كل أدوات التواصل بين الشباب، لا يزال الناس يتوافدون على ميدان التحرير الذى أصبح مزاراً للثوار يعبرون به عن رفض الظلم والقهر والفساد ويستعيدون الوطن من أيدى حفنة فاسدة ساهمت بقدر كبير فى افساد نظام الحكم لكى لا يخدم الا مصالحهم ولا يحقق إلا أهدافهم.

أصحاب المحال كانوا يلقون إلينا بما يسد الرمق ويروى العطش، بل ويعين على مواجهة أجهزة القمع وأدواتهم ولم يقتصر الأمر على ذلك بل ان بسطاء الناس الذين يعيشون على جنيهات قليلة من ناتج عملهم لم يكونوا أقل عطاء ممن يملكون المساندة والموازرة بجزء مما يملكون.. شاهدت بعينى رأسى شاباً يقف مع أمه على عربة لبيع الفاكهة فى بعض الطرق التى مررنا بها يخطف قفصاً من اليوسفى من على العربة ويدخل به الى قلب المظاهرة يوزع ما به على من حوله من المتظاهرين.. لم ينطق الشاب بكلمة، ولم ينتظر شكراً ولكنى شاهدت على وجهه كبرياء المصرى وررضاءه بأنه يسهم

بما يستطيع ويحرص على أن يقدم الدعم الذى يقدر عليه... احساس رائع ذلك الذى أحسست به وأنا أنظر حولى فأرى نساء وأطفالاً يشتركون فى الهتاف ويبتدعون هتافات نرددها وراءهم ويلتقطون الصور لكى يوزعوها حين يتاح لهم ذلك.

كشف الحساب الذى يحتفظ به هؤلاء الشباب يحوى بنوداً كثيرة ولكنها عادلة نبه اليها المخلصون من ابناء هذا الوطن مراراً على امتداد العمر  المديد لنظام أصبح على كل مستوياته يتعامل مع البقاء فى السلطة الى الأبد على أنه »أمر واقع« وأن تقسيم تركة المناصب والألقاب تحصيل حاصل وان التفكير فى غير ذلك خيانة وخروج على الشرعية وجحود ينبغى أن يقابل بالعنف والقهر والتآمر لإظهار الثوار بمظهر البلطجية واللصوص الذين يعرفهم النظام جيداً ويتحالف معهم ويسخرهم لخدمة أغراضه حين يشاء.. هناك محاكمات لابد وأن تتم للمجرمين الحقيقيين وراء حالة فقدان الأمان التى تعيشها مصر، والخراب الذى لحق بها، وجرائم السلب والنهب والاعتداء على الأعراض التى طالت بعضنا، والعنف الذى قوبل به أبناؤنا وصمدوا أمامه ببطولة وفداء تجعل أىاً منا يشعر بالذنب إن تجنى على هذا الجيل بما ليس فيه.

أخيراً سمع النظام صوت الشعب، ويحاول بكل جهد أن يمسك بورقة التوث التى تستر عورته، ولكن أخشى ماأخشاه الآن أن تظل جذوة الثورة  موقدة دون قيادة منظمة تتحدث باسمها، لابد وبسرعة من التوافق بين القوى الوطنية تحت لواء واحد وقيادة يتفقون عليها تتفاوض مع النظام على تلبية كل مطالب الشعب الفورى منهاوالذى يحتمل التأجيل لموعد محدد خلال الأسابيع القادمة وليس اكثر لكى يتم الانتقال الآمن للسلطة وتسليمها لأصحابها لكى يقولوا كلمتهم فى كيف تدار مصر بعد ذلك.. وأرجو أن نفوت الفرصة على المستفيدين من بقاء النظام واعتمادهم على البلطجية فى احداث حالة من عدم الاستقرار يبرر أى اجراءات استثنائية يعدون لاتخاذها.. وأملى ـ مثل كل المصريين ـ فى جيش مصر العظيم الذى عبر بنا الهزيمة فى 73 أن يعبر بنا أزمة الوطن حالياً لكى نصل بمصر الى بر الأمان.