احتكار الحديد .. واحتقار البشر!

د.فتحى النادي

الأحد, 01 يناير 2012 08:22
بقلم: د. فتحي النادي

في زيارتي لسجن «الكاتراز» علي الجزيرة التي كانت تسمي جزيرة «البطريق» كما سماها مكتشفها الأسباني خوان مانويل، قبل أن تغلب الطبيعة الأمريكية فتسمي اختصارا «الصخرة» أو«تراز».. كبير السجانين جيمس جونستون (1933 - 1948) ألفّ كتابا يحكي فيه تجربته وما شاهده من عتاة مجرمي أمريكا وزعماء المافيا ممن كان مجرد ذكر أسمائهم يثير الرعب في قلوب الناس

ناهيك عن أساليبهم البربرية في تصفية من يتحدون مخططاتهم الإجرامية أو يعتدي علي مناطق نفوذهم.. والكتاب معروض بالسجن علي الزوار ومعه خريطة للسجن توضح معالمه وجغرافية المكان والنظام الذي كان معمولا به حين كان سجنا يستعصي علي أي محاولات للهرب مما يعني موتا محققا لمن يحاول باستثناء محاولة واحدة نجح فيهاثلاثة مساجين في الهرب ولم يعرف مصيرهم حتي اليوم بعد أن أعدوا خطة محكمة تعد قمة في التخطط والتنفيذ وتحقيق الأهداف بلغة علم الإدارة بغض النظر عن مضمون الخطة وارتباطها بعالم الإجرام، والكتاب يمكن اعتباره من أفضل الكتب مبيعا اذا وضعنا في الاعتبار أن السجن الذي تحول الي متحف مفتوح 365 يوما في السنة يأتي لزيارته سياح من داخل أمريكا وخارجها طوال العام وكثير منهم يشتري الكتاب من أجل الصور التي يحتويها والتأريخ لمرحلة سادت فيها البلطجة والجريمة المنظمة علي أيدي الأسر الإيطالية التي هاجرت واستقرت في أمريكا وسيطرت علي النظام الاقتصادي من خلال تغلغلها في كافة الأنشطة التجارية والثقافية وفرض حمايتها لرموزها وتحطيم منافسيهم نظير إتاوات كانت تفرضها عليهم وتقسيم مناطق النفوذ فيما بينها.
والاقتراح الذي طرحته في مقال سابق وأهديه للصديق العزيز

وزير السياحة ومعه وزير الثقافة بتحويل السجون الكبيرة في مصر الي مزارات سياحية ضمن حملة ترويج سوف تدر علي مصر مليارات من الجنيهات فلدينا كل المقومات التي تضمن نجاح الحملة وتضاعف عدد السياح المغامرين الباحثين عن شيء مختلف وتجربة فريدة.. يمكن للسائح مثلا أن يقضي يوما في زنزانة أحمد عز ويستلهم روحه في احتكار سلعة استراتيجية وتفصيل القانون الذي يحميه والسيطرة علي مقدرات حزب كان وحده امبراطورية لمافيا ينضوي تحت لوائها كل أسر المافيا التي تلعب في الفتات الذي يبقي من الساسة وهو بالمليارات، وكيف يمكن تزوير أي انتخابات تحرم المعارضة من كرسي واحد داخل المجالس التشريعية.. أو في زنزانة فتحي سرور ليقرأ علي مهل القرارات المصيرية والتاريخية التي اتخذها المجلس برئاسته، وكيف يمكن الانتقال الي جدول الأعمال في سهولة ويسر وسحق المعارضة داخل المجلس وتقديمهم لمجالس التأديب لو تجرأوا وأثاروا أي قضية تمس نزاهة الحزب الحاكم أو تطالب بمحاسبة وزير أو صفوت الشريف ليعرفوا أصول أساليب السيطرة علي الخصوم والحلفاء علي السواء وإخضاعهم والتلاعب بهم من خلال تسجيل نقاط ضعفهم وابتزازهم والتلويح بتجريسهم والتلاعب بالحياة السياسية التي تخلي الساحة لحزب مبارك لكي يحكم الي الأبد دون منافسة.. أوزكريا عزمي ليتعلم فن بناء الجدران العازلة حول الجالس علي كرسي الحكم وأسرته بالكامل من خلال «تسليك» الأمور والخدمات
الشخصية ومنع أي شخص يمكن له التأثير علي زعيم المافيا حاكم مصر من الانفراد به أو الوصول اليه، وتحصيل الجباية العينية والمالية من الحكام الموالين لنظام الحكم والمحتمين به من غضبات شعوبهم، أما حبيب العادلي فزنزانته لها وضع خاص باعتباره يحتل مكانا مميزا داخل بيت المافيا باعتباره العضلات الذي يرهب الخصوم وينكل بهم ويرمي بهم في السجون والمعتقلات دون محاكمة ويطبق عليهم قانون الطوارئ بالعدل دون تمييز ويحتجز الناس ويعذبهم ضاربا بكل حقوق الإنسان عرض الحائط.. واستكمالا للسيناريو وإضفاء نوع من الواقعية يمكن دهان الزنازين بلون الدم أوحتي بدم الضحايا الحقيقي لمن يدفع أكثر.
أما بالنسبة للسائح السوبر الذي يريد أن «يعيش» التجربة بشكل مختلف فيمكن له حجز سرير في مركز طبي دولي سبعة نجوم وتوفير أكثر من طاقم تريننج سوت بألوان مختلفة وكرسي متحرك وسرير نقال وعربة إسعاف تنقله الي قفص الاتهام ليمثل دور رئيس الدولة المخلوع ويمكن إيجار اثنين كومبارس للقيام بدور الأبناء البارين بأبيهم يحولون بينه وبين عدسات المصورين ويحملون المصاحف لزوم البروالتقوي ويهمسون في أذنه بما يقوله القاضي استدرارا للعطف، ويمكن طبعا تدبير مسألة الزيارة سواء في السجن للأبناء أو المستشفي للأب بنفس الطريقة حتي تكتمل التجربة وتتحقق المعايشة بكل أبعادها.. أما اذا كان السائح لا يحب جو المستشفيات فيمكن تجهيز «سويت» بسجن طرة أوأبوزعبل حسب اختياره يجهز بكل الأدوات والأجهزة التي تجعل فترة إقامته في السجن كلها متعة وإثارة كما يمكن إثراء التجربة بتهريب التليفونات المحمولة أو أقراص «الترامادول» أو حتي «الفياجرا» لو أراد.. وأخيرا يمكن للسائح المميز أن يصطحب أحد أبنائه معه مجانا لكي يقوم بدور ولي العهد الذي يتأهل للتوريث ويناقش كيفية انتقال مقاليد الحكم وامتلاك مفاتيح كنوز مصر المحروسة وتجنيد مؤسسات الدولة الافتراضية التي يمكن تخزينها علي كمبيوتر السجن لزوم قضاء وقت الفراغ، وتنظيم توزيع العطايا والمنح من أراض وأموال علي باقي شبكة الفساد كان بحسب حجمه وإسهامه وحماسه للتوريث والدعوة اليه.