رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

جيل لم يعد له لزوم!

د.فتحى النادي

الأحد, 18 ديسمبر 2011 08:16
بقلم: د. فتحي النادي

أنا من الجيل الذي انتهت صلاحيته ولم يعد له لزوم طبقا للنغمة السادة تلك الأيام بل كل من تجاوز سنا معينة لم يعد يصلح لشيء ولا يتقلد أي منصب ولا يظهر في الحياة العامة وأن يحمد الله أن شباب مصر يسمحون له بالعيش علي أرض مصر بغض النظر عما قدمه لها قبل أن يبلغ السن

التي يحكم عليه فيها بالموت حيا مادام لم يحن أجله، لست علي الإطلاق مع التكويش علي السلطة والبقاء في الماصب لمدد طويلة ولقد حاربت ذلك طوال عمري واستقلت من مناصب كانت حلما لكثيرين وفضلت أن أستقل بعملي لأني ثرت علي فساد كثير ونهب وسلب منظم لبلد أعشق ترابه ونذرت نفسي لخدمته تطوعا واندماجا في العمل التطوعي العام منذ أن وعيت الحياة شابا صغيرا، ولكني أيضا مع تواصل الأجيال ومن المتشيعين لنقل الخبرة من جيل لجيل وحاربت وسوف أظل أحارب أن يهدر أغلي مورد تمتلكه مصر لو أحسن استثماره وهو الناس.
في البلاد التي زرتها في الخارج محاضرا ومتحدثا ومتجولا أرصد ما يدور، شاهدت وعشت كيف يجلون الشيوخ ويخصصون لهم أماكن لراحتهم في كافة وسائل المواصلات والمجمعات التجارية وكيف يعفونهم من الوقوف في الطوابير في تعاملهم مع 11 جهة كانت في الدولة.. وشاهدت شبابا راغبا في التعلم ينظر بعين الإجلال والاحترام والتبجيل والإعجاب لمعلميهم ومحدثيهم في المنتديات العامة أو حتي في المقاهي والمطاعم ويظهر في أعينهم أنهم يتمنون أن يكونوا مثلهم وأن يحققوا ما حققوا.. وعشت خططا قومية طويلة الأجل في نظم التعلم وفي التدريب العملي تعد الأجيال الشابة لكي تتواصل

مع من سبقهم من أجيال وأن يستفيدوا من علمهم وخبرتهم استعدادا لتولي المسئولية بعدهم مثلما يحدث في اليابان حيث يحق لمن قضي في الخدمة أكثر من ثلاثين عاما أن يختار بين أن يتقاعد أو يستمر في الذهاب الي عمله ليجلس معززا مكرما دون أن ينقص من مخصصاته مليم واحد، يجلس ويتجول بين العاملين كمصدر خبرة يسأله شباب العاملين في المشاكل التي تعترضهم ويستشيرونه في خطط يعدونها للمستقبل.
وهناك سؤال إما أن يغيب عن البال في زحمة الأحداث المتلاحقة التي نعيشها، وإما أن حماس الثوار يتجاوزه باعتباره غير مهم وليس فاعلا في استمرار الحياة وتحقيق الأهداف.. والسؤال هو: هل استثمرت مصر في أبنائها من الشباب علي امتداد الستين عاما الماضية ما يكفي لكي يتحقق تواصل الأجيال ويكونوا مستعدين في أي وقت لتحمل المسئولية واستلام الراية واستكمال المشوار؟ الاجابة دون مواربة ولا محاولة  للتجميل هي لا وألف لا.. لم يحدث ذلك بالقطع في ظل نظام تعليمي فاسد تعفن من كثرة ما أهمل وأصبح لا يصلح إلا كبرنامج موسع لمحو الأمية ويحتاج الي ثورة كاملة شاملة تستغرق عدة عقود لكي نبدأ في جني ثماره، كذلك فإن رجال الأعمال الذين أكرمتهم مصر وفاض عليهم خيرها لم يسهموا بالقدر الكافي في الانفتاح علي المجتمع وإتاحة فرص التدريب لتنمية مهارات الناس وتوفير فرص عمل لهم للاستفادة بهم بعد
تأهيلهم وتدريبهم لغيرهم لكي تتسع دائرة الخبرة المتراكمة وتفيض علي المجتمع كفاءة وجودة في الأداء وصناديق أنشئت لكي تقرض الشباب وتشجعهم علي بدء مشروعات صغيرة يسهمون بها في رفع مستوي معيشتهم وفي زيادة الدخل القومي للبلاد، ولكنها تحولت الي بؤر فساد يعمل بها أبناء المسئولين ويتقاضون مخصصات هائلة ولا يؤدون عملا ذات قيمة أو عائد.
الذي يقرأ مذكرات الفريق الشاذلي بعناية، وهو بطل قومي بكل المقاييس، والتي صدرت أخيرا لابد أن يصدمه فقرة وردت في الكتاب ضمن التحليل الرائع لعملية إعادة بناء وهيكلة القوات المسلحة وإعدادها للحرب التي أعادت للعرب كرامتهم بدءا من أصغر جندي حتي أكبر قيادة.. يقول الرجل إن تعداد مصر في السبعينيات كان 35 مليونا ولكن القوات المسلحة حين أرادت تجنيد 160 ألف شاب لكي  ينضموا لصفوفها عجزت عن ذلك لعدم توفر المستوي الثقافي والصحي اللائقين الواجب توافرهما في المجند مما اضطرهما في النهاية الي القبول بمستويات أقل لاستكمال حاجتها من الرجال.. أهملت نظم الحكم الفاسدة في مصر لعقود طويلة تعليم الناس وصحتهم واستحلوا السرقة والنهب بالمليارات لهم ولحلقات الفساد من حولهم لكي يتركوا لنا حين قامت ثورة يناير تركة ثقيلة تنوء بحملها الجبال من الأمية والفقر واليأس والمرض والإحباط والكراهية والتناحر والتقاتل والضياع وكلها تحتاج لعقود أحري لكي نستعيد ثقتنا بأنفسنا ونؤمن بالعمل الجماعي والأهداف المشتركة وحق المواطنة، وفوق هذا وذاك تواصل الأجيال دون إقصاء حتي لا يجد الشباب أنفسهم يقفون علي شفا جرف هائل يفصله عن الجرف المقابل له من الشيوخ فجوة بحجم مصر كلها يتفرج فيها كل جانب علي الآخر ويتشفي فيه ولا يستطيع التواصل معه ولا تقديم يد العون في الشدائد والمحن، وقد يتحول الأمر الي حرب بين الطرفين يفكر كل منهما في تطوير أسلحة تعبر الفجوة وتصب الطرف الآخر وتقضي عليه بدلا من التفكير في وسائل تسد الفجوة وتحقق التحام الفريقين في نسيج واحد وحائط صد منيع يدافع عن مصر ويخطط لسطوع شمسها التي تكاد تغيب وراء الأفق.