رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تحريض علي التفكير (3)

د.فتحى النادي

الأحد, 13 نوفمبر 2011 10:08
بقلم :د. فتحي النادي

مشكلتي الرئيسية مع بعض طلابي أنهم نتاج نظام تعليمي فاسد خريجوه تعلموا أن يتلقوا وأن يحفظوا دون أن يجتهدوا أو يبدعوا.. اعتمد نظام التعليم في مصر لعقود طويلة ومازال علي التلقين والقوالب الجاهزة والنظريات التي تستعصي علي التطبيق العملي فلا تكتسب مصداقية لدي من يبحث عن حلول جاهزة بدلاً من أن يستوعب النظريات وطرق التفكير التي صاغتها ثم يعمل عقله لتطويعها لمقتضيات الواقع.

كافحت ولا أزال العادات السيئة التي اكتسبها الخريجون من الطلاب الذين يستكملون دراستهم العالية للحصول علي درجات علمية رفيعة للاعتماد علي كتاب مقرر ونماذج أسئلة وخوف غريزي من التفكير وتحدي الآراء التي تطرح في المحاضرات واقتراح الطرق والتطبيقات الجديدة وقياس أثرها ونواتجها.. كنت ألجأ للأمثلة الناجحة لقادة ورؤساء مؤسسات مشهورين حققوا نجاحات مبهرة في مجالات عملهم لامتلاكهم لتلك الصفات، وبعضهم لم يكمل حتي تعليمه الجامعي، كما كنت أمنح من يستجيب للطلاب فيخرج عن القطيع ويفكر خارج الصندوق أعلي الدرجات لتحفيز الباقين وخلق منافسة شريفة تساعدني علي اكتشاف ذوي المواهب الذين يستحقون مزيداً من الرعاية والتشجيع لاستمرار تميزهم.. لم يكن ذلك يرضي كثيراً من زملائهم ويعتبرون ما أفعل قسوة وعدم تقدير لظروفهم وضيق الوقت لديهم، وكانوا يلجأون للطرق التقليدية التي اعتادوا عليها في استعطاف الأساتذة للحصول علي درجات أعلي وهي محاولات كانوا يعلمون مقدماً أنها محكوم عليها بالفشل ولكنهم كانوا يستمرون في المحاولة بلا يأس ولا

كلل.
حب الاستطلاع الذي حبا الله به الأطفال هو أول الطريق للتفكير ومحاولة الإنسان فهم ما يدور حوله والربط بين الأشياء والخروج بنتائج تشكل المعتقدات والقيم التي يترجمها فيما بعد إلي سلوك يميزه عن غيره إجهاد العقل في البحث والتقصي.. وإجهاد العقل في التفكير هو السبيل الوحيد لإيجاد أكثر من حل لأي مشكلة والدافع القوي لكي يستمر الإنسان في محاولة الوصول لأفضل حل من بين البدائل التي ينجح في توليدها، وللأسف فإن كل ذلك لا وجود له في نظامنا التعليمي الحالي الذي هو ميراث وتركة ثقيلة من تجارب الهواة ومدعي العلم وجهلاء السياسة الذين كانوا يتحسسون مسدساتهم كلما جاء ذكر لمثقف أو عالم أو فقيه يهدد تربعهم علي عروش السلطة ويزلزلها بالعلم والمعرفة وقبلها الأخلاق، التي تحكم السلوك وتوجهه، وإلا فليفسر لنا أحد كيف يحكم غبي مصر لثلاثة عقود وينفرد فيها بالسلطة والقرار ويسخر من كانوا يدعون أنهم أساطين العلم وفقهاء السياسة ليصبحوا مجرد لاعبي سيرك ومهرجين يشغلون الناس بينما يخطط هو وأسرته لنهب مصر وتجفيف منابع ثروتها، ولا يزال من غسلت عقولهم في عهده يسبحون بحمده ويتحسرون علي أيامه ويأملون في عودته.. أو كيف يحكم جاهل معتوه بلداً
به ثلث بترول العالم ويحوله إلي خرابة تسكنها الغربان لأكثر من ثلاثة عقود، ويجتمع الناس لكي يستمعوا إلي تخاريفه وادعاءاته الموتورة وتعاليمه حتي يفتي في أمور الدين والسياسة والاقتصاد ويؤلف الكتب التي تؤسس لكل هذا الخرف؟
إحياء مشروع زويل وإنشاء مدينة للعلوم تحمل اسمه أمل كل متعلم ومثقف في مصر أن تكون المدينة هي اللبنة الأولي في صرح مصر المستقبل وحضانة لاكتشاف المواهب وبيتاً لعلماء الأمة وبيت خبرة للمشروعات القومية العملاقة التي كان النظام السابق يتغني بها من باب الدعاية السياسية ليس إلا دون دراسة أو موارد أو جدية تضمن تنفيذها كلها أو حتي بعضها علي مراحل.. ولعل الوزارات المعنية والمراكز البحثية والجامعات تستوعب الكلمة القصيرة التي ألقاها زويل متحدثاً عن أهمية العمل الجماعي وأهمية تقديم المشروع في إطار المشروع القومي لكل المصريين وليس لفئة منهم، وهذا يتطلب روح الفريق الواحد الذي يعي أعضاؤه مسئولياتهم يجمعهم الولاء لفكرة والإصرار لتحقيق الهدف ويعملون معاً تحت قيادة عالم مصري جليل مخلص النوايا في تناغم دون تقاتل علي السلطة أو تناحر علي المكاسب.. لقد سبق علماء مصريون آخرون زويل في إنشاء مراكزهم البحثية المميزة ذات السمعة العالمية الرفيعة مثل مجدي يعقوب ومحمد غنيم، وآخرون وضعوا علمهم وبحوثهم في خدمة مصر لمن يطلبها مثل فاروق الباز ومحمد النشائي وغيرهما، ولا أشك لحظة أن كل هؤلاء سوف ينضوون تحت لواء مشروع زويل القومي العملاق لكي يعوضوا مصر عما نالها علي أيدي عصابة مبارك ويبدلوا التأخر الذي منينا به بتقدم علمي يذهل العالم بنفس القدر الذي أذهلته به ثورة 25 يناير.. مصر القرن الحادي والعشرون لم تولد بعد، ولكن الولادة المتعثرة توشك أن تنتهي بمولود تحمل جيناته حضارة آلاف السنين وصبر الأنبياء والمرسلين وثورة النبلاء في كل عصر وحين!