الاستقالة‮.. ‬الفضيلة الغائبة في مصر

د.علي السلمي

الاثنين, 03 يناير 2011 15:05
بقلم : أ‮. ‬د‮. ‬علي السلمي

من أهم سمات نظام الحكم في مصر منذ قيام نظام يوليو‮ ‬1952‮ ‬أن المسئولين من وزراء ومحافظين ومن في حكمهم يتم تعيينهم وإقالتهم من دون أسباب واضحة حتي لهم شخصياً‮. ‬ومن الأمور المستقرة في ممارسات نظام الحكم المصري أن المسئول يقال ولا يستقيل‮. ‬وبذلك ترسخت تقاليد مضمونها أن من يتم تعيينه في وظيفة عامة عليه أن يبقي في وظيفته حتي يتم تغييره أو إقالته من دون أن يكون له أن يستقيل فهو لا يملك هذه الرفاهية التي يتمتع بها أقرانه في الدول المتحضرة،‮ ‬وبغض النظر عن مستوي كفاءته وقدراته،‮ ‬وما قد يسببه فشله في أداء واجبات وظيفته من مآس ومصائب وكوارث تصيب المواطنين‮. ‬

وعبر السنوات الأخيرة فقد توالت علي مصر الكثير من الكوارث التي كانت نتيجة مباشرة لفشل سياسات وزراء ومحافظين ومسئولين في مختلف المواقع،‮ ‬وترتب عليها مقتل وإصابة الآلاف من المصريين،‮ ‬وتمر الأحداث من دون أن تطرف عين مسئول أو تأخذه صحوة ضمير لتدفعه إلي الاستقالة من منصبه‮. ‬بل نجد علي العكس أن التبريرات جاهزة والأعذار متكررة والإشارات إلي أن تلك الحوادث ليست مقصورة علي مصر وإنما هي تحدث في جميع دول العالم‮.‬

تنهار العقارات علي رؤوس قاطنيها من الفقراء ومحدودي الدخل الذين تخلت عنهم الدولة وتقاعست اجهزتها في متابعة حالات تلك العقارات الآيلة للسقوط من دون أن تتدخل سواء لمساعدة الأهالي في إصلاح تلك العقارات وترميمها أو بإخلائها وتدبير مساكن بديلة لقاطنيها‮. ‬إن ملايين العقارات في معظم مدن مصر مصنفة علي أنها آيلة للسقوط وسكانها مهددون في كل لحظة بالانهيار فوق رؤوسهم،‮ ‬ومع ذلك لم نسمع عن محافظ أو مسئول في الوحدات المحلية تقدم باستقالته لعجزه عن إيجاد حل لتلك المشكلة‮. ‬وبرغم عشرات الذين شغلوا منصب وزير الإسكان عبر سنوات حكم الحزب الوطني الديمقراطي فلم يتقدم وزير منهم باستقالته لفشله في تنفيذ سياسة قومية شاملة للتعامل مع مشكلة العقارات القديمة المتهالكة وما تمثله من مخاطر علي سكانها وغيرهم من قاطني العقارات المجاورة‮. ‬وباستثناء الوزير الشريف المهندس حسب الله الكفراوي،‮ ‬الذي آمن بمسئولية الدولة عن تدبير الإسكان الشعبي والمتوسط وتم في عهده تشييد الآلاف من تلك الوحدات السكنية والتي كان يتم الحصول عليها‮ ‬بشروط ميسرة،‮ ‬لم يحاسب أي من وزراء الإسكان عن فشلهم في حل قضية الإسكان،‮ ‬ولم يتقدم أي منهم باستقالته‮.‬

وتتوالي كوارث حوادث انقلاب الحافلات وموت المئات من طلاب المدارس ومن السائحين في حوادث تصادم ناتجة من سوء حالة الطرق وغياب العلامات الإرشادية حسب المعايير الدولية،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن الإهمال في تطبيق الاختبارات للسائقين سواء عند التقدم للحصول علي تراخيص قيادة السيارات أو عند تجديدها،‮ ‬مع

شيوع حالات المجاملة والتسيب في حصول الكثيرين علي تلك التراخيص من دون أن تتوفر فيهم الشروط الصحية أو القدرات الذهنية اللازمة لسلامة القيادة‮. ‬ومع ذلك لم يحدث أن تقدم مسئول باستقالته نتيجة تلك الكوارث أو أن يعترف أياً‮ ‬منهم بمسئوليته عما يحدث ولو من قبيل التخفيف من وخز الضمير‮.‬

وحين حدثت كوارث السيول في العام الماضي والخراب الذي أحدثته في سيناء وفي أسوان وما تعرض له المواطنون من أضرار أودت بحياة أعداد منهم وشردت مئات آخرين الذين دمرت منازلهم‮. ‬وقد تبين أن الدولة أقامت منشآت في مواقع تقع في مجري السيول مما أسهم في تفاقم الأضرار،‮ ‬ومع ذلك لم يتقدم مسئول واحد باستقالته‮. ‬وحين أتحدث عن مسئول لا أقصد فقط المسئول المباشر الذي يقع الحدث في مجال اختصاصه،‮ ‬ولكني أقصد ايضاً‮ ‬كل المسئولين علي اختلاف مواقعهم بدءاً‮ ‬من رئيس الوزراء‮.‬

وبنفس المنطق نجد الكوارث تتوالي علي مصر والمصريين ويجد المسئولون دائماً‮ ‬القدرة علي تبرير أسبابها مستبعدين أنفسهم من تلك الأسباب‮. ‬وفي بعض الأحيان يجد كبار المسئولين بعضاً‮ ‬من صغار موظفيهم فيحملونهم المسئولية ويقدمونهم كباش فداء لمحاولة التنصل من مسئوليتهم عن تلك الكوارث‮. ‬وقد شهدنا مثلاً‮ ‬في أعقاب حادث قطار العياط أن تم تقديم عدد من صغار العاملين في هيئة السكك الحديدية إلي المحاكمة ثم صدر حكم القضاء ببراءتهم،‮ ‬وكانت استقالة وزير النقل السابق محمد منصور استثناء في هذه الحالة من النمط العام‮.‬

ولا يقتصر الأمر علي الكوارث ذات الطبيعة المادية التي ينتج عنها وفيات وإصابات بين المواطنين،‮ ‬ولكن الأمر يمتد لكثير من الكوارث التي تصيب الاقتصاد الوطني والمواطنين بأضرار بالغة من دون أن يؤدي ذلك إلي استقالة أي من المسئولين‮. ‬فقد انهارت زراعة القطن وتراجعت إنتاجية الزراعة المصرية بشكل عام الأمر الذي تعجز فيه عن توفير احتياجات الوطن من المواد الغذائية،‮ ‬ومع ذلك لم يحدث أن استقال وزير للزراعة،‮ ‬بل هم جميعاً‮ ‬يدافعون عن سياساتهم ويظلون في أماكنهم إلي أن يصيبهم التغيير من دون توضيح أو تفسير يربط بين إخراجهم من مناصبهم وبين فشلهم في أداء واجبات وظائفهم‮.‬

وفي قطاع الأعمال تم تبديد ثروة مصر وبيعت شركاته بأبخس الأسعار وتم تشريد العاملين فيها،‮ ‬وانحرف المشترون سواء من المصريين أو المستثمرين العرب والأجانب عن نصوص عقود الشراء من دون أن

يتقدم الوزير صاحب قرارات البيع باستقالته ندماً‮ ‬علي ما أحدثه من تبديد للثروة الوطنية‮. ‬ولعل مأساة بيع شركة عمر أفندي أبرز مثال علي تلك الكوارث الاقتصادية،‮ ‬ومع ذلك تمر تلك الأحداث والمسئولون صامدون في مواقعهم يرفضون الاعتراف بالخطأ والتقدم باستقالاتهم‮!‬

ويتم تبديد ثروة مصر من الغاز الطبيعي ويتم تصديره لإسرائيل المعتدية والمهددة لأمن مصر والتي تجند أبناء مصر للتجسس لصالحها،‮ ‬ومع ذلك لا نجد مسئولاً‮ ‬يراجع نفسه في قضية تصدير الغاز للدولة الصهيونية،‮ ‬بل نجد الحكومة تستشكل في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري بوقف التصدير‮!‬

واليوم جاء الحادث الإجرامي بالتفجير أمام كنيسة القديسين بالإسكندرية صبيحة اليوم الأول من العام الجديد ليثير مرة أخري قضية عدم الإحساس بالمسئولية حين وقوع مثل تلك المصائب والكوارث وضرورة مبادرة المتسببين فيها من المسئولين بتقديم استقالاتهم ليس بالضرورة اعترافاً‮ ‬منهم بالتقصير أو الفشل في التعامل مع الأسباب التي وراء تلك الأحداث،‮ ‬ولكن أيضاً‮ ‬من زاوية إتاحة الفرصة لآخرين قد يكون لديهم القدرات الأفضل للتعامل مع تلك المواقف‮.‬

إن حادثة الإسكندرية جاءت لتذكرنا جميعاً‮ ‬بأن المجتمع في مصر مشبع بتراكمات مجتمعية خطيرة تجعله قابلاً‮ ‬للانفجار في أي لحظة‮. ‬صحيح أن حوادث الإرهاب تحدث في جميع أنحاء العالم وبرغم كل الاحتياطات والإجراءات التي تلجأ إليها الدول لتأمين مواطنيها،‮ ‬ولكن ما يميز حادث الإسكندرية أنه يأتي علي خلفية أحداث مماثلة تعرض لها الأخوة المسيحيون سواء في نجع حمادي في يناير من العام المنصرم أو أحداث الكشح والعمرانية أو حتي في الإسكندرية ذاتها حين قام من وصفته أجهزة الأمن بأنه مختل عقلياً‮ ‬بالاعتداء علي مواطنين مسيحيين في نفس الكنيسة التي تعرضت لحادث الأول من يناير الحالي‮. ‬

وبغض النظر عن أن الوقت لا يزال مبكراً‮ ‬لتحديد المسئولية عما حدث في الإسكندرية،‮ ‬إلا أنه من الضروري الاعتراف بأن أسلوب تعامل الدولة مع قضية الاحتقان الطائفي عبر السنوات الماضية لم يحقق نجاحاً‮ ‬ملموساً‮. ‬إن تكرار المشكلات التي يشكو منها المصريون المسيحيون تمثل دليلاً‮ ‬علي عدم كفاية العلاج الأمني لما يحدث من انفجارات بين الحين والآخر تعبر بشكل أو آخر عن حالات من التوتر الطائفي‮. ‬

إن تفعيل نص المادة الأولي من الدستور أن جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطي يقوم علي أساس المواطنة هو المدخل الوحيد لعلاج أزمات الاحتقان الطائفي وتأمين مصر ضد محاولات استثمار البعد الطائفي كوسيلة لضرب أمنها واستقرارها‮. ‬إن مراجعة مناهج التعليم وتخليصها من كل شوائب التمييز الطائفي،‮ ‬وضبط الخطاب الديني علي الجانبين الإسلامي والمسيحي،‮ ‬وضبط الأداء الإعلامي لنشر ثقافة المواطنة هي أساليب مهمة للتغلب علي مشكلة الاحتقان الطائفي وتجنب استخدامها لضرب الاستقرار والإساءة إلي المصريين جميعاً‮ ‬مسلمين ومسيحيين‮.‬

ويقع علي الدولة مسئولية أساسية في ضرورة احترام حقوق المواطنة فعلاً‮ ‬لا قولاً‮. ‬إن المصريين جميعاً‮ ‬سواء في الحقوق والواجبات وكلهم متساوون أمام القانون لا تمييز بين مسلمين ومسيحيين‮. ‬وعلي الدولة مسئولية تحقيق المساواة بين المصريين في شغل الوظائف العامة وفي إتاحة تكافؤ الفرص للجميع وأن يكون الأساس هو احترام حق كل مصري في أن يحصل علي فرصته كاملة في أن يعيش آمناً‮ ‬مطمئناً‮ ‬مشاركاً‮ ‬في مسيرة وطنه دون النظر إلي عقيدته‮.‬

وكلمة أخيرة،‮ ‬هل يؤدي حادث الإسكندرية إلي أن نشهد مسئولاً‮ ‬يتقدم باستقالته معترفاً‮ ‬للشعب بأنه مسئول عما حدث،‮ ‬وأنه يخلي السبيل أمام من هم أكفأ في إدارة شئون الوطن؟