الحصـاد المـــر للحزب الحاكم‮ .. ‬والأمل في‮ ‬حكومة الظل الوفدية

د.علي السلمي

الاثنين, 27 ديسمبر 2010 19:56
بقلم:أ.د‮. ‬علي‮ ‬السلمي

 

يشهد الواقع السياسي‮ ‬في‮ ‬مصر حالة‮ ‬غير مسبوقة من تراجع الديمقراطية وتقزيم التعددية الحزبية بما جرى في‮ ‬انتخابات مجلسي‮ ‬الشورى والشعب وما‮ ‬يترتب عليهما من سيطرة الحزب الوطني‮ ‬الديمقراطي‮ ‬وحكومته على عملية التشريع وإصدار القوانين بكل ما‮ ‬يحمله هذا من تهديد لمصالح المواطنين نتيجة لتغلب أفكار وتحيزات رجال الأعمال والانحياز ضد مصالح الفقراء ومحدودي‮ ‬الدخل،‮ ‬وذلك على الرغم من الشعارات التي‮ ‬يطرحها الحزب ولا تجد لها أثراً‮ ‬في‮ ‬الواقع الملموس الذي‮ ‬يعانيه أغلبية المصريين‮. ‬كذلك‮ ‬يمثل استمرار حالة الطوارئ قيداً‮ ‬على الحريات العامة وتهديداً‮ ‬لأمن المواطنين‮. ‬

إن استمرار سياسات وبرامج حكومات الحزب الوطني‮ ‬الديمقراطي‮ ‬يؤكد أن تظل قضايا الوطن ومشكلات المواطنين على حالها،‮ ‬بل ويمكن أن تتجه إلى مزيد من التفاقم والتأزم‮. ‬فقد كان حصاد سياسات الحزب الحاكم تجذر المشكلة الاقتصادية‮ - ‬برغم الأرقام المعلنة عن مستويات النمو التي‮ ‬تحققت وتلك المستهدفة‮ - ‬وعدم وصول عوائد ذلك النمو إلى‮ ‬غالبية المواطنين حيث انحصرت في‮ ‬فئة قليلة من رجال الأعمال والأثرياء ذوي‮ ‬العلاقة بأهل الحكم والسلطة،‮ ‬وزاد الأغنياء‮ ‬غنى والفقراء فقراً‮. ‬وكان من أبرز نتائج سياسات الحزب الحاكم ضعف معدلات التنمية الصناعية وانهيار كثير من قطاعات الصناعة الوطنية وأبرزها صناعات الغزل والنسيج إلى الحد الذي‮ ‬دعا رئيس الشركة القابضة للغزل والنسيج أن‮ ‬يعلن في‮ ‬مجلس الشورى إنه ليس أمامه من سبيل سوى بيع شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى الأمر الذي‮ ‬استفز العضو محمد فريد خميس فهدده أنه لو فعل ذلك سيطلق عليه الرصاص‮!!!‬

كما شهد الوطن خلال سنوات الحزب الحاكم منذ ثلاثين عاماً‮ ‬تراجع معدلات التنمية الزراعية وعدم القدرة على إنتاج احتياجات الوطن من القمح وتحديد المساحات المزروعة من الأرز وتزايد الاعتماد على الاستيراد لسد فجوة الغذاء بكل ما‮ ‬يعنيه هذا من تهديد للأمن القومي،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن فضيحة انهيار زراعة القطن والاضطرار إلى استيراده من الخارج‮.‬

ومن أبرز خطايا حكومات الحزب الحاكم سوء إدارة العلاقات مع دول حوض النيل وعدم اتخاذ الخطوات الجادة لحماية موارد مصر المائية وتنميتها باستثمار المياه الجوفية ومياه السيول وتحلية مياه البحر والعجز عن تنفيذ سياسات ومشاريع وآليات لضبط وترشيد استخدام المياه المتاحة مما أدى إلى خلق تهديد واضح لأمن الوطن واستقراره نتيجة العجز المتزايد في‮ ‬موارد المياه‮.‬

ويعيش الوطن ذ‭ ‬برغم كل ما‮ ‬يدعيه الخطاب الرسمي‮ ‬للحزب الحاكم وقياداته وحكوماته ذ‭ ‬مشكلات تزايد معدلات البطالة وانتشار معدلات الفقر،‮ ‬وتفاقم مشكلات العشوائيات‮. ‬وفي‮ ‬ذات الوقت بددت حكومات الحزب،‮ ‬ذي‮ ‬الأغلبية المفرطة ومجلس الشعب أحادي‮ ‬الاتجاه،‮ ‬ما‮ ‬يربو على الأربعمائة مليار جنيه من فوائض التأمينات الاجتماعية وفي‮ ‬نفس الوقت تزايد حجم وأعباء الدين المحلي‮ ‬العام والدين الخارجي‮ ‬وارتفع عجز الموازنة العامة إلى حد‮ ‬غير مسبوق‮ ‬يصل إلى ‮٥٠١‬‭ ‬مليارات جنيه في‮ ‬موازنة‮ ٠١٠٢‬ـ ‮١١٠٢‬‭ ‬بنسبة ‮٧.٧‬٪‮ ‬من الناتج المحلي‮ ‬الإجمالي‮.‬

وعلى صعيد المعاناة المستمرة للمواطن المصري‮ ‬تأتي‮ ‬في‮ ‬المقدمة موجات ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية وانفلات الأسواق وضعف سيطرة الحكومة عليها وتزايد معدلات التضخم‮. ‬كما‮ ‬يعاني‮ ‬المصريون‮ - ‬وبعد ثلاثين عاماً‮ ‬من وعود الحزب الوطني‮ ‬الديمقراطي‮ ‬وسياساته وشعاراته ومؤتمراته‮ - ‬من تفاقم التدني‮ ‬في‮ ‬مستويات الإتاحة والجودة للخدمات الأساسية التي‮ ‬تقدمها الدولة وفي‮ ‬مقدمتها

التعليم والصحة والنقل والسكان ومرافق المياه والصرف الصحي‮ ‬والكهرباء،‮ ‬وتفاقم مشكلات قصور النظافة وانتشار القمامة،‮ ‬وفوضى المرور‮. ‬

وبشكل عام‮ ‬يتبلور حصاد حكم الحزب وريث الاتحاد الاشتراكي‮ ‬في‮ ‬انسحاب الدولة من وظائفها الأساسية كمنظم للحياة الاقتصادية ومحفز للتنمية الاقتصادية،‮ ‬كما تراجع دورها في‮ ‬إقامة العدالة الاجتماعية وكفالة تكافؤ الفرص للمواطنين وتحسين توزيع الدخول والثروات بينهم،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬تبدى في‮ ‬قصور شبكة الضمان الاجتماعي‮ ‬وضعف تأثيرها في‮ ‬مقاومة الفقر وتوفير الأمان للمواطنين العاجزين عن الحصول على فرص عمل أو مصادر مستقرة للدخل تفي‮ ‬باحتياجاتهم ومتطلبات إعاشة أسرهم‮. ‬

كما‮ ‬يشمل حصاد حكم الحزب الحاكم انصراف الدولة عن تنفيذ برنامج وطني‮ ‬طموح وشامل لتنمية وتعمير سيناء،‮ ‬وسوء إدارة الأصول المملوكة للدولة وشيوع الفساد في‮ ‬تخصيص أراضي‮ ‬الدولة بالأمر المباشر وتبديد ممتلكات الوطن وثروته بالتخلص من شركات قطاع الأعمال العام بأساليب لا تعبر عن أي‮ ‬فلسفة اقتصادية أو إدارية لها معنى‮.‬

حكومة الظل أداة الوفد لتقديم السياسات البديلة

لقد اتخذ الوفد موقفاً‮ ‬إيجابياً‮ ‬ينطلق من حرصه على مصالح الوطن حين أعلن عن تشكيل حكومة الظل وهي‮ ‬الآلية الديمقراطية لدراسة أوضاع الوطن ومراقبة تصرفات الحكومة الموجودة في‮ ‬السلطة،‮ ‬ورصد ما‮ ‬يصدر عنها من قرارات وتقييمها وتحليل ما‮ ‬يترتب عليها من سلبيات‮ - ‬أو إيجابيات‮ -‬،‮ ‬ثم تقديم السياسات والحلول البديلة لمعالجة مشكلات الوطن والارتفاع بشأنه وتحسين أحوال المواطنين وضمان مستقبل أفضل لهم ولأبنائهم‮. ‬كما تتولى حكومة الظل الإعداد لتولي‮ ‬الحزب مهام الحكم حال فوزه في‮ ‬انتخابات تشريعية نزيهة تجرى تحت إشراف قضائي‮ ‬كامل ووفق نظام انتخابي‮ ‬ديمقراطي‮ ‬على أساس القائمة النسبية‮ ‬غير المشروطة‮.‬

وتلتزم حكومة الظل بالغايات الأساسية للوطن وقيمه الراسخة وأهداف المصريين جميعهم في‮ ‬كفاحهم من أجل سيادة الوطن وحرية المواطن‮. ‬كما تلتزم حكومة الظل في‮ ‬عملها بثوابت وقيم الحزب وبرنامجه الأساسي،‮ ‬كما تستهدي‮ ‬بما‮ ‬يصدر عن الهيئة الوفدية والهيئة العليا من قرارات‮.‬

وفي‮ ‬هذا الإطار تعمل حكومة الظل الوفدية على إعداد مشروع دستور جديد للبلاد‮ ‬يقوم على تأكيد الديمقراطية والتوازن بين السلطات وتأمين تداول السلطة،‮ ‬وتحقيق التعددية الحزبية وتحرير الأحزاب والقوى السياسية من القيود‮ ‬غير المبررة قانوناً‮. ‬كما تهتم بوضع النظم والآليات لضمان الحريات العامة للمواطنين،‮ ‬وتأكيد ضمانات حصولهم على حقوقهم في‮ ‬العمل والتعليم والعلاج والتنقل والتعبير واختيار ممثليهم في‮ ‬المجالس التشريعية والمجالس المحلية،‮ ‬وحقهم في‮ ‬مساءلة التنفيذيين على جميع المستويات‮. ‬وكذلك تأكيد واحترام العهود والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان‮. ‬

وانطلاقاً‮ ‬من قيم الوفد وثوابته تعمل حكومة الظل على وضع البرامج الحاسمة وتصميم الآليات الفعالة لتأكيد قيم المواطنة،‮ ‬وتعظيم دور مؤسسات المجتمع المدني‮ ‬في‮ ‬التنمية المجتمعية الشاملة وتعميق الديمقراطية في‮ ‬البلاد‮. ‬ولتحقيق كل تلك الغايات،‮ ‬تعنى حكومة الظل بإعداد مشروعات القوانين الأساسية وفي‮ ‬مقدمتها قانون محاكمة الوزراء،‮ ‬وقانون محاربة الفساد،‮ ‬وقانون منع

تضارب المصالح للوزراء وغيرهم من شاغلي‮ ‬المناصب العامة‮. ‬كما تستهدف إعداد الوطن للتحرر من حالة الطوارئ وتفعيل حزمة التشريعات العادية لمواجهة التصرفات والأفعال التي‮ ‬تهدد أمن الوطن والمواطنين والإعداد لتطوير تشريعي‮ ‬شامل لإلغاء كافة القوانين المقيدة للحريات والمتصادمة مع حقوق الإنسان،‮ ‬وإعداد مشروعات تطوير القوانين واللوائح في‮ ‬كافة مجالات العمل الوطني‮ ‬وتنسيق متطلبات تنفيذها حال إصدارها‮.‬

ويأتي‮ ‬في‮ ‬مقدمة أولويات حكومة الظل تأكيد استقلال القضاء ورفع وصاية وتدخلات السلطة التنفيذية في‮ ‬شئونه،‮ ‬وإلغاء كافة أشكال القضاء الاستثنائي‮ ‬وتأكيد حق المواطن في‮ ‬أن‮ ‬يحاكم أمام قاضيه الطبيعي‮. ‬

ومن أجل معالجة نتائج حكم الحزب الوطني‮ ‬الديمقراطي‮ ‬وحصاده المر تعمل حكومة الظل الوفدية على إعداد برنامج متكامل لتحقيق التنمية الوطنية الشاملة ومعالجة كافة القضايا الاقتصادية وفي‮ ‬مقدمتها التنمية الصناعية والزراعية وتطوير الخدمات الإنتاجية من نقل واتصالات،‮ ‬وجذب الاستثمارات الوطنية والعربية والأجنبية لخلق فرص العمل المنتجة للتعامل الفعال مع مشكلة البطالة،‮ ‬كما تتبنى موقفاً‮ ‬إيجابياً‮ ‬تجاه تنمية وتعمير سيناء وتعد برامج شاملة لتنمية هذا الجزء العزيز من أرض الوطن وكذلك تنمية وتعمير مناطق الوادي‮ ‬الجديد والوصول بالحيز المعمور إلى ‮٥٢‬٪‮ ‬على الأقل من مساحة مصر في‮ ‬أسرع فترة ممكنة‮.‬

وفي‮ ‬سبيل تحسين جودة الحياة للمواطن المصري‮ ‬تهتم حكومة الظل الوفدية بتطوير الخدمات الصحية والتعليمية والثقافية واستثمار الموروث المصري‮ ‬من الآثار والمحافظة على التراث القومي‮ ‬في‮ ‬كافة أشكاله،‮ ‬وتوظيف تلك الثروات لخدمة أهداف التنمية الوطنية الشاملة‮. ‬كما تولي‮ ‬عناية خاصة لتطوير نظم التأمينات الاجتماعية والتأمين الصحي‮ ‬وإقامة شبكة متكاملة من نظم ومؤسسات الضمان الاجتماعي‮ ‬لتخفيض الفقر إلى النصف بحلول العام‮ ‬2015‭ ‬وتأكيد فرص تحقيق أهداف الألفية الثالثة للتنمية وتأكيد العدالة الاجتماعية وذلك كله في‮ ‬إطار استراتيجية متناسقة للتنمية البشرية والارتفاع بمستويات كفاءة وقدرات أبناء مصر الذين هم الثروة الأساسية للوطن‮. ‬

 

كما تعمل حكومة الظل الوفدية على إعداد مشروع متكامل لتطوير الجهاز الإداري‮ ‬للدولة وإعادة صياغة العلاقات بين المستوى المركزي‮ ‬والمستويات الإقليمية والمحلية بما‮ ‬يدعم نظام متطور للحكم المحلي‮ ‬وتعميق اللامركزية‮.‬

كذلك تضع حكومة الظل سياسة خارجية متكاملة تستهدف استعادة الدور المصري‮ ‬في‮ ‬مجالات السياسة الإقليمية والدولية،‮ ‬وتأكيد علاقات التعاون الإيجابية مع دول العالم على أساس المصلحة الوطنية ومسئوليات مصر التاريخية‮. ‬

وتنطلق حكومة الظل الوفدية في‮ ‬عملها من اقتناع تام بأهمية إعادة صياغة دور الدولة في‮ ‬إدارة شئون المجتمع لتأكيد دورها باعتبارها‮ "‬المنظم‮" ‬و"المراقب‮" ‬لتطوير المجتمع وإحداث التنمية الوطنية الشاملة والمتكاملة المستدامة،‮ ‬وتطوير وظائفها في‮ ‬تنسيق العلاقات بين القطاع الحكومي‮ ‬وقطاع الأعمال العام وبين القطاع الخاص والقطاع الأهلي‮ ‬ومؤسسات المجتمع المدني‮ ‬وتحقيق التناغم بينها جميعاً‮ ‬في‮ ‬تحقيق أهداف التنمية الوطنية الشاملة‮. ‬كما تؤكد حكومة الظل على مسئولية الدولة في‮ ‬ضمان سيادة القانون،‮ ‬والالتزام بالواجبات الوطنية وخضوع الجميع لحكم القانون والمساءلة عن تصرفاتهم،‮ ‬وضمان تكافؤ الفرص،‮ ‬وتأكيد عدالة توزيع الثروة بين المواطنين،‮ ‬وضمان العدالة لجميع المصريين وحقهم في‮ ‬المثول أمام قضاتهم الطبيعيين‮.‬

وستعمل حكومة الظل الوفدية ملتزمة بالغايات الأساسية للوطن وقيمه الراسخة وأهداف المصريين جميعهم في‮ ‬كفاحهم من أجل سيادة الوطن وحرية المواطن‮. ‬كما تلتزم حكومة الظل في‮ ‬عملها‮ ‬بثوابت وقيم الحزب وبرنامجه الأساسي،‮ ‬كما تستهدي‮ ‬بما‮ ‬يصدر عن الهيئة الوفدية والهيئة العليا من قرارات‮. ‬وفي‮ ‬جميع الأحوال تتعمل الحكومة في‮ ‬تناسق وتناغم مع باقي‮ ‬مؤسسات الحزب من أجل تحقيق أهدافه في‮ ‬خدمة قضايا الأمة‮.‬

وقد‮ ‬يتساءل البعض‮ - ‬وبحق‮ - ‬عن مصير تلك السياسات والأفكار ومشروعات القوانين وغيرها من منجزات حكومة الظل؟ والإجابة البسيطة أن كل ما تحققه حكومة الظل الوفدية هو ملك للشعب المصري‮ ‬تتوجه به إلى المصريين جميعاً‮ ‬أصحاب الحق الحقيقي‮ ‬في‮ ‬تقرير مصير الوطن،‮ ‬ومن ثم ستكون تلك المنجزات دليلاً‮ ‬لكل مصري‮ ‬يقارن بينها وبين ما تقدمه له حكومة الحزب وريث الاتحاد الاشتراكي‮ ‬ومعياراً‮ ‬يقيس به القيمة الحقيقية لما تقدمه له الحكومة التي‮ ‬في‮ ‬السلطة‮. ‬وسيكون دور الوفد بكافة مؤسساته وتشكيلاته توعية المصريين بحقوقهم وإثبات أن هناك بدائل افضل كثيراً‮ ‬مما‮ ‬يقدمه له الحزب صاحب الشعارات والانطلاقات الفاشلة إلى المستقبل‮! ‬