رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عثرات الثورة.. ووحدة الشعب والجيش سبيل النصر

د.علي السلمي

الثلاثاء, 12 يوليو 2011 09:08
بقلم: أ. د. علي السلمي

كانت وقفة القوات المسلحة بجانب ثورة الشعب وانحيازها لمطالبها سبباً رئيساً في نجاحها بعد فضل الله وتوفيقه. وكانت سعادة المصريين غامرة بوقفة القوات المسلحة بجانبهم ضد قوى الطغيان ورفضها أوامر النظام المنهار بإطلاق النار على الثوار.

وأيد الشعب الحركة السريعة التي بدأها المجلس الأعلى للقوات المسلحة لتحقيق أهداف الثورة بإجبار الطاغية على التخلي عن منصبه وما تضمنه الإعلان الدستوري الأول الصادر في 13 فبراير 2011 من تعطيل دستور 1971 وحل مجلسي الشعب والشورى وتولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة السلطة التشريعية وسلطات رئيس الجمهورية في البلاد.

ولكن صادف العمل الثوري عثرات بدأت مع تشكيل حكومة الفريق أحمد شفيق الأولى واستمرت خلال حكومته الثانية. فقد كانت فترة الفريق شفيق امتداداً لحكومات ما قبل 25 يناير حيث لم يتم على مدى ما يقرب من أربعين يوماً حركة واضحة في اتجاه تلبية مطالب الثوار بإسقاط  نظام مبارك بكافة رموزه وسياساته، ومحاكمة من أفسدوا الحياة السياسية وأهدروا موارد الوطن ونهبوا ثرواته، والقصاص من قتلة الثوار ومنفذي الانفلات الأمني ومن أطلقوا السجناء والبلطجية ليروعوا المواطنين ويعيثوا في البلاد الفساد.

ورغم مرور ما يقرب من ستة أشهر على تنحي الطاغية، ورغم إعلان الدكتور عصام شرف يوم تكليفه برئاسة الوزراء أنه يستمد شرعيته من ميدان التحرير وأنه إن لم يوفق في تحقيق مطالب الثوار فسوف يعود إلى ميدان التحرير ليصارح الثوار بذلك، فقد بات المصريون في حيرة من أمرهم حيث فترت همة الحكومة واتسم أداؤها بالعفوية والتردد، كما تباعدت بيانات المجلس الأعلى للقوات المسلحة التي كان الناس يترقبونها تحمل لهم قرارات وتطورات تمضي بهم على طريق الثورة واقتصرت على رسائل على صفحة المجلس بموقع FaceBook الذي لا يتعامل معه الأغلبية الساحقة من المصريين.

لقد توارت خلال الأشهر القليلة الماضية كل مظاهر الثورة، في ذات الوقت الذي تزايد الإحساس لدى ملايين المصريين أن شيئاً لم يتغير وأن سياسات وأساليب الحكم لا تزال كما كانت على عهد الرئيس الذي انقلبوا عليه وأسقطوه، وزاد في هموم المواطنين استمرار أشكال من أعمال البلطجة وتكرار مواقف تختلق من جانب عناصر لا تريد للثورة نجاحاً، وشهد المصريون أحداث الفوضى والمصادمات أمام مسرح البالون والتي امتدت إلى ميدان التحرير مساء الثلاثاء الثامن والعشرين من يونيو واستمرت حتى الأربعاء التاسع والعشرين!

لقد جرى الاستفتاء على التعديلات الدستورية البلاد إلى جدلية الدستور أولاً أم الانتخابات التشريعية، وبرغم المنطق الدستوري والديمقراطي الصحيح في ضرورة إسقاط دستور 1971 الذي تمت صياغته على هوى الطغاة لتأكيد استبداد وديكتاتورية الرئيس السابق، فقد التزم المجلس الأعلى للقوات المسلحة  بإجراء الانتخابات التشريعية أولاً احتراماً لنتيجة الاستفتاء!

وقد توافقت معظم الأحزاب والقوى السياسية على نبذ ذلك الخلاف الجدلي حول أولوية الدستور أم الانتخابات التشريعية، وتم طرح حل وسط يتمثل في وثيقة تحدد

المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان المصري والمقومات الأساسية للدولة تكون أساساً يراعى عند وضع الدستور للتأكيد على مدنية الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، وتقييد صلاحيات رئيس الجمهورية وسد منافذ الديكتاتورية والحكم الفردي الاستبدادي. وقبلت تلك الأحزاب والقوى السياسية منطق إجراء الانتخابات التشريعية قبل وضع الدستور – رغم غرابة ذلك الأمر حيث سيتم مثلاً التقيد بنسبة 50% للعمال والفلاحين وانتخاب مجلس للشورى مع احتمال أن يقرر واضعو الدستور الجديد إلغاء تلك الممارسات، كما سيتم انتخاب رئيس للجمهورية من دون معرفة نظام الحكم وهل هو رئاسي أم برلماني أم خليط من النظامين- ، وتوافقت الأحزاب والقوى السياسية على مشروع قانون لمجلس الشعب يجعل الانتخابات بالقائمة النسبية المغلقة غير المشروطة، ومع ذلك فقد وافق مجلس الوزراء على مشروع مرسوم بقانون يتبنى فكرة رفضتها كل القوى السياسية والثوار وهي أن تتم الانتخابات بنظام مختلط يخصص 50% من مقاعد مجلس الشعب للانتخابات بالنظام الفردي و50% لنظام القائمة النسبية مع اشتراط الحصول على 2% من الأصوات كحد أدنى.

إن الشهور الماضية منذ تخلي الرئيس السابق عن منصبه شهدت حالة غير مقبولة من عدم الوضوح وغياب رؤية محددة لإدارة البلاد خلال الفترة الانتقالية بما يحقق أهداف الثورة في الانتقال إلى نظام ديمقراطي أساسه سيادة الشعب يمارسها عن طريق الانتخابات الحرة النزيهة. ورغم المطالب المستمرة للثوار والأحزاب والقوى السياسية بإعلان تلك الرؤية وطرحها للحوار المجتمعي والحصول على موافقة الشعب عليها، فإن شيئاً من ذلك لم يتحقق وفقد المصريون إحساسهم بالثورة وأصابهم الإحباط والاكتئاب لتباطؤ أداء الحكومة المفترض أن تكون «حكومة الثورة» وانحصارها في أداء متردد لا يخاطب المشكلات الحقيقية ويتعامل معها بروح الثورة.

إننا نثمن مطالب الجماهير في ضرورة استعادة روح الخامس والعشرين من يناير، ونطالب بإعادة بث روح الثورة وتصعيد معدل الأداء لتحقيق التحول الديمقراطي. وقد يكون مفيداً، أن ينظر المجلس الأعلى للقوات المسلحة في اقتراح إصدار إعلان دستوري جديد يتبنى المبادئ الأساسية التي توافقت عليها وثيقة التحالف الديمقراطي من أجل مصر، وغيرها من الاجتهادات التي ساهمت بها مجموعات وطنية أرادت المشاركة بالفكر في رسم طريق واضح للانتقال السلمي إلى دولة الديمقراطية والعدل والحرية التي قامت من أجلها الثورة، ومن الضروري أن يتضمن الإعلان الدستوري حسماً لنظام الحكم - برلماني، رئاسي، مختلط - وتشكيل البرلمان من مجلسين أو مجلس واحد حتى تتم الانتخابات التشريعية والرئاسية في وضوح، وكذا

معايير اختيار أعضاء الجمعية التأسيسية لوضع الدستور الجديد، ثم ترجمة الإعلان الدستوري الجديد إلى برنامج زمني يحدد مواعيد إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية ووضع الدستور الجديد.

كذلك نرى من عوامل دفع العمل الوطني لتحقيق أهداف الثورة أن يتم تعديل حكومة دكتور عصام شرف تعديلاً شاملاً للتخلص من جميع الوزراء أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي المنحل وأعضاء لجنة سياساته وغير القادرين على التعبير عن فكر الثورة وأهدافها، على أن تُمنح الحكومة كافة الصلاحيات لممارسة مسئولياتها وتحمل نتائج قراراتها.

كما يفيد في تحقيق التخلص من بقايا نظام مبارك السرعة في تنفيذ ما أعلنه الدكتور عصام شرف من تخصيص دوائر قضائية لإجراء محاكمات عاجلة وعادلة للمتهمين بقتل الثوار وتعذيب المواطنين، ومن المطلوب أيضاً إحالة كل المفسدين من عناصر النظام البائد إلى محاكمات ناجزة لمحاسبتهم على بذر بذور الفتنة الطائفية، وإفساد الحياة السياسية وتزوير الانتخابات وإهدار إرادة الشعب مع إتاحة الفرصة للشعب لمتابعة المحاكمات على وسائل الإعلام.

ويظل مطلباً أساسياً لإنجاز أهداف الثورة أن تتم إعادة هيكلة وزارة الداخلية واستبعاد جميع القيادات التي شاركت في الاعتداء على متظاهري ثورة 25 يناير، وطرح التنظيم الجديد لجهاز الأمن الوطني لمناقشة مجتمعية، مع النص على أن يكون نشاطه تحت الإشراف القضائي.

ولا شك أنه من المحتم مراجعة أوضاع الأجهزة الرقابية وتطهيرها من العناصر التي يثبت تواطؤها وتورطها في تنفيذ مخططات النظام السابق ضد مصالح المواطنين، وتحديث قياداتها بعناصر وطنية، وتوفير الشفافية لإطلاع المواطنين على فعالياتها مع إخضاعها لرقابة القضاء.

ونؤكد أن حسم إسقاط نظام مبارك – وهو ما طالب به الشعب في ندائه العبقري « الشعب يريد إسقاط النظام» – يتطلب تشكيل لجان قضائية من أعضاء المحاكم الاقتصادية وخبراء من الجهاز المركزي للمحاسبات ونيابة الشئون المالية وهيئة الرقابة الإدارية تتولى مراجعة اتفاقيات البحث عن البترول والغاز للتأكد من سلامة الإجراءات التي اتبعت في إقرارها والكشف عن أي حالات للفساد أو تقاضي عمولات لكبار لقيادات قطاع البترول، كما يجب مراجعة جميع عمليات الخصخصة والتحقيق فيما شاب كثيرًا منها من مخالفات أو إهدار للمال العام واتخاذ إجراءات استرداد حقوق الدولة وإعادة هيكلة وتطوير إدارة شركات قطاع الأعمال العام، ومن المهم مراجعة جميع اتفاقيات القروض والمنح التي تم الحصول عليها من الدول والمنظمات الدولية والتحقق من مجالات استخدامها وموقف سدادها.

وليس يكفي إزالة آثار الفساد الذي نشأ واستشري بفضل سياسات وتوجهات النظام السابق وقياداته، ولكن الأهم منع تجدد تلك الحالة ويكون ذلك بإنشاء «الهيئة الوطنية للنزاهة ومكافحة الفساد» لتلقي بلاغات المواطنين وتقارير الأجهزة الرقابية ونيابة الشئون المالية بشأن حالات الفساد الإداري والمالي والسياسي وكافة أشكال الإفساد وفحصها والتحقيق فيها وإحالة الحالات التي تثبت صحة الاتهامات بشأنها إلى القضاء من خلال وحدة تمثل النيابة العامة تعمل ضمن الهيئة.

لقد تعرضت ثورة الخامس والعشرين من يناير إلى عثرات في الطريق - شأن جميع الثورات الوطنية في العالم – ولكن السبيل إلى إنجاحها هو البناء على ما تحقق - وهو كثير – وأن تتوحد جميع القوى الوطنية من الأحزاب والقوى السياسية وكافة تجمعات شباب الثورة والمواطنين جميعًا في صف واحد مع قوات الشعب المسلحة والوقوف يداً واحدة وسد كافة المنافذ لمحاولات إثارة الفتنة والوقيعة بين الشعب وجيشه.. إن تماسك القوى الثورية وتوحدها في جبهة وطنية متراصة مع القوات المسلحة هو حجر الأساس في ضرب القوى المعادية للثورة والشعب، وضمان الانتقال الآمن إلى مصر الحرة الديمقراطية.. مصر المواطنة وسياد القانون.. مصر الثورة.

حمى الله مصر وشعبها ورعى ثورتها وقواتها المسلحة.