مصر الثورة... إلي أين؟

د.علي السلمي

الثلاثاء, 17 مايو 2011 09:00
بقلم: أ.د. علي السلمي

 

بعد مرور ما يقرب من أربعة أشهر علي قيام الثورة تجد مصر نفسها في دوامة من المشكلات والتداعيات السلبية التي تعطل مسيرة ثورتها وتصرف انتباه وجهود القائمين علي إدارة شئون البلاد عن قضايا الإعداد للخروج من النظام البائد وتهيئة الوطن للانتقال إلي مرحلة الديمقراطية والحرية والعدالة التي قامت الثورة من أجلها.

وإذا تأملنا الموقف الحالي نجد أن حالة الانفلات الأمني لا تزال قائمة برغم الجهود المبذولة من أجل لملمة أشلاء جهاز الشرطة ومعالجة ما أصابه من انهيار نتيجة قرارات خاطئة لقياداته أيام الثورة. كما تجددت علي الساحة الوطنية أزمات الفتنة الطائفية وما يترتب عليها من أحداث القتل والإصابات وتدمير الممتلكات وشل حركة الحياة في مناطق تزدحم بملايين المواطنين من المسلمين والمسيحيين بما يهدد بإشعال نار الفتنة في الوطن ككل.

وعلي الجانب الآخر، لا تزال الأوضاع الاقتصادية تعاني من الاضطراب ولم تتعاف القدرات الاقتصادية للوطن بما يعيده إلي حالة الانطلاق لزيادة الإنتاج واستعادة مسيرة التنمية الإيجابية.

تلك الأوضاع السلبية تنبع بدرجة كبيرة من عدم استئصال جذور وعناصر ومؤسسات النظام السابق واستمرار قدرات ذلك النظام قائمة وفاعلة في إثارة الفتن ومحاولات ضرب الثورة واستعادة مصالحهم ومواقعهم التي فقدوها بفضل الثورة. ونقول إن قضية الثورة لم تكن مجرد أن يتخلي مبارك عن منصبه، ولكنها كانت بالأساس إسقاط عناصر النظام الذي أسسه مبارك عبر ثلاثين عاماً من الديكتاتورية والاستبداد والإفساد والإجهاض الأمني لكل محاولات التحرر الوطني.

وبرغم أن بعض قيادات النظام السابق قد ألقي القبض عليهم وجرت تحقيقات معهم في قضايا تربح وكسب غير مشروع وتضخم ثروات، ومنهم من جري حبسه بسجن مزرعة طرة ويجري تجديد الحبس دورياً وفق موقف التحقيقات، ومنهم من صدرت بحقه أحكام بالسجن من محكمة الجنايات المختصة، إلا أن الحقيقة الأساسية أن هؤلاء جميعاً لم تتم معهم تحقيقات ولا محاسبة ومساءلة عن دورهم في إفساد الحياة السياسية في البلاد علي طول فترة حكم الرئيس السابق، ولا جرت محاسبة المسئولين منهم عن تزوير الانتخابات وتسخير مجلسي الشعب والشوري لخدمة مصالحهم ولي أعناق القوانين لتحقيق أهداف رجال المال وقياديي النظام للتربح والاستئثار بمواردها. كما لم تتخذ إجراءات حازمة وحاسمة نحو مثيري الفتنة الطائفية والمتسببين في ضرب الوحدة الوطنية خاصة من عناصر جهاز أمن الدولة المنحل. ومن أجل تأمين الثورة والوطن يصبح من المحتم استئصال وتفتيت قدرات عناصر النظام السابق ممن أساءوا إلي الوطن وأهدروا كرامة المصريين وقتلوا أبناءهم واستباحوا حرمات بيوتهم وأعراضهم.

ولا شك أن تأمين مسيرة الثورة يتطلب اتخاذ إجراءات حاسمة لتطبيق القانون ومحاسبة كل من أفسد الحياة السياسية ومن يهددون مستقبل الثورة بما يتورطون فيه من مؤامرات لتفجير أزمات وخلق مصادمات كان بعضها يهدف إلي الوقيعة بين الشعب والقوات المسلحة. ومن الضروري تأكيد أهمية تطبيق العزل السياسي علي كل من تثبت إدانته من عناصر النظام السابق وتصدر بحقه أحكام قضائية وذلك بحرمانه من مباشرة حقوقه السياسية لمدة تعادل ضعفي المدد

المحكوم عليه بها.

إن سرعة تخليص الوطن من بقايا النظام السابق وجيوب مقاومته هو مسئولية وطنية كبري يتحملها المجلس الأعلي للقوات والمسلحة والحكومة والشعب كله.

ولا بد من الإشارة إلي أن جانباً مهماً من الاضطراب في المشهد السياسي يعود إلي عدم الاتفاق المجتمعي علي مسيرة الثورة للانتقال إلي مرحلة الحكم المدني في دولة مدنية ديمقراطية. منذ قامت ثورة الخامس والعشرين من يناير كان المأمول أن تعلو التوجهات الثورية لتحقيق مطالب الأمة في الحرية والديمقراطية التي عبر عنها الشعب بأنه "يريد إسقاط النظام". إلا أن الواقع شهد استمراراً لحالة الركون إلي " الشرعية الدستورية" في وقت أهدر فيه النظام السابق الدستور والقانون معاً. ورأينا حكومة الدكتور أحمد شفيق تهدران فرص التعامل الثوري لاحتواء مصادر الخطر علي الثورة وأهدافها، بل زادت علي ذلك بضم نصف أعضاء وزارة أحمد نظيف والتمسك بمجموعة وزراء مرفوضين شعبياً.

ومع تشكيل حكومة د. عصام شرف الحالية لم يتغير المشهد نوعياً، وعلي الرغم من أن د. شرف أعلن أنه يستمد شرعيته من ميدان التحرير - أي الشرعية الثورية - إلا أنه لم يترجم تلك الشرعية الثورية إلي أسلوب عمل لحكومته، ولا يزال يتبع شرعية دستور معطل تطالب الثورة بإلغائه!

إن تردد حكومات ما بعد 25 يناير في اتخاذ قرارات ثورية ترتفع إلي مستوي تطلعات وآمال الشعب يمثل عقبة أساسية في طريق التحرر الوطني وتهيئة البنية الديمقراطية اللازمة لتيسير الانتقال السلمي للسلطة إلي نظام حكم جديد يستند إلي دستور يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية في جمهورية برلمانية. ويزيد من خطورة هذا التمسك بشرعية دستور معطل أنها لا تستطيع مواجهة تصرفات وتحديات "الثورة المضادة الممنهجة" حسب تعبير د. عصام شرف والتي تهدد بالقضاء علي ما حققته ثورة 25 يناير والارتداد إلي عصر الديكتاتورية والاستبداد والفساد. وقد تصاعدت وتيرة أعمال البلطجة والعنف وإثارة الفتنة الطائفية ومحاولة الوقيعة بين الشعب والجيش.

وحيث تبني المجلس الأعلي للقوات المسلحة فكرة تعديل عدد محدود من مواد دستور 1971 المعطل بقرار منه تضمنه الإعلان الدستوري الصادر في 13 فبراير! ثم صدر الإعلان الدستوري في 30 مارس 2011 وأن الانتخابات التشريعية ستجري في شهر سبتمبر القادم. وذلك علي الرغم من تصاعد أزمة الانفلات الأمني وتكرار حالات حرق الكنائس وعودة مظاهر الفتنة الطائفية للظهور مرة أخري، وتعاظم ظهور الجماعات السلفية الداعية إلي نشر فكر تكفيري لكل من يخالفهم الرأي مما يثير الفزع ليس فقط بين المصريين المسيحيين بل أيضاً يخشاه ويرفضه المصريون المسلمون أيضاً.

ومن المقطوع به استحالة أن ينازع إنسان ما في

أن المصريين - مسلمين ومسيحيين - متدينون بطبعهم، ويأتي الدين في مقدمة اهتمامات الإنسان المصري، وهو المرجعية الأساسية التي يعتمد عليها في تفسير ما يعرض له من أمور الدنيا، وهو الأساس في المفاضلة بين الحلال والحرام، والمقبول والمرفوض، والمرغوب والمنهي عنه.

ولكن إيمان المسلم أو المسيحي بالله واتباع أوامره وتجنب نواهيه والالتزام بأصول العقيدة في أمور العبادات والمعاملات وفق شريعة كل منهما يجب فصلها جميعاً عن مسائل ومتطلبات إدارة الدولة والمجتمع. أي أن المطلوب أن تكون الدولة مدنية يحكمها دستور يضعه البشر وقوانين وضعية تنظم أمور الحكم والاقتصاد والعلاقات المجتمعية في إطار القيم الدينية. إن الدستور والقانون ينبغي ألا يتصادما أو يتناقضا مع مبادئ الشرائع والقيم الدينية التي يؤمن بها المواطنون، ويقوم علي تنفيذها متخصصون في مواضيع السياسة والاقتصاد والإدارة ومناحي الحياة المختلفة من دون أن يكون لعلماء الدين أو رجاله دور في الحكم المدني.

من أجل هذا يجب التصدي بكل حسم لمظاهر بدأت تهدد منطق الدولة المدنية حينما راحت جماعات دينية سلفية وجهادية تربط بين التصويت بنعم في الاستفتاء علي التعديلات الدستورية وتدعو المواطنين لاختيار الموافقة علي التعديلات باعتبار ذلك واجباً شرعياً يقود إلي الجنة، بينما راحت جماعات كنسية مختلفة تدعو مواطنيها المسيحيين باختيار "لا" عند التصويت حيث إن هذا يؤكد فرصة تغيير الدستور للتخلص من المادة الثانية التي تنص علي أن " الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"!

ولكل ذلك يصبح إجراء انتخابات تشريعية في هذا المناخ غير الصحي أمراً غير مأمون ولا يبشر بانتخابات آمنة تفرز مجلسين للشوري والشعب يختلفان عن المجلسين السابقين المنحلين. لذا فإن المجلس الأعلي للقوات المسلحة مدعو لمراجعة خطة إدارة البلاد أثناء الفترة الانتقالية وتبني خطة بديلة تتضمن إجراءات جريئة وحاسمة للقضاء علي عناصر النظام القديم ومصادر الثورة المضادة، وتهيئة بنية ديمقراطية اساسها دستور جديد تتولي صياغته جمعية تأسيسية يجري تشكيلها تحت إشراف مجلس القضاء الأعلي من قوائم تضم مرشحي الأحزاب والقوي السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والجامعات والمنظمات الحقوقية والهيئات القضائية والخبراء الدستوريين.

وفي حالة قبول المجلس الأعلي للقوات المسلحة لهذا الاقتراح، وأخذاً في الاعتبار أن الموعد المتوقع لإجراء الانتخابات البرلمانية هو في شهر سبتمبر القادم، فإن فترة الخمسة أشهر التي تفصلنا عن سبتمبر ستكون كافية لإعداد الدستور الجديد خاصة وأنها تقترب من فترة الستة أشهر التي حددتها الفقرة المضافة في التعديلات الدستورية إلي المادة 189 من الدستور المعطل! وفي هذه الحالة سيكون في الإمكان بذل مجهود أكبر لاستعادة الأمن في البلاد وتصفية مواقع الفساد ومصادر الفوضي التي تثير العمليات الاحتجاجية والمطالب الفئوية وعناصر الفتنة الطائفية، والاستقرار علي تعديلات قوانين مباشرة الحقوق السياسية والانتخابات الرئاسية وقانون مجلس الشعب وقانون مجلس الشوري - في حالة استمراره حسب الدستور الجديد - وإتاحة فرصة كافية للأحزاب وللمواطنين للاستعداد للانتخابات. ثم تجري الانتخابات الرئاسية خلال ديسمبر 2011، يليها الانتخابات التشريعية أوائل 2012 وتشكيل حكومة منتخبة ديمقراطياً من الحزب الفائز بأغلبية الأصوات أو من أحزاب ائتلاف في حالة عدم حصول حزب واحد علي الأغلبية، وبذلك يكون المجلس الأعلي للقوات المسلحة قد أوفي بعهده وسلم الأمانة إلي سلطة منتخبة ديمقراطياً وفق دستور حديث. ويكون أيضاً قد أنقذ الوطن من المغامرة بإجراء الانتخابات الرئاسية في ظل دستور 1971 الذي يعطي لرئيس الجمهورية سلطات فائقة تعيدنا مرة أخري إلي عهد الديكتاتورية والاستبداد والفساد. ولا يكفي في هذا المجال أن يطمئننا أعضاء لجنة التعديلات الدستورية أن الدستور المعطل لا يمكن إحياؤه حيث سيكون هو الدستور الوحيد القائم بعد انتهاء الفترة الانتقالية وانقضاء العمل بالإعلانات الدستورية المؤقتة الصادرة عن المجلس الأعلي للقوات المسلحة!