استعادة الأمن والأمان.... مسئولية كل المصريين

د.علي السلمي

الثلاثاء, 10 مايو 2011 07:51
بقلم - د. علي السلمي

 

تتطلب استعادة الأمن التعامل مع الأسباب الحقيقية للانفلات الأمني الذي نعيشه الآن ويهدد بإهدار ما حققته الثورة الرائعة من نجاح وليس التركيز فقط علي الأعراض الظاهرة رغم ما يبدو فيها من خطورة وجسامة. ومن الضروري توضيح أن أسباب ذلك الانفلات الذي بدأ بانسحاب الشرطة يوم 28 يناير من مواقعها وفتح أبواب السجون لتهريب السجناء وترك أفراد الشرطة مواقعهم في أقسام ومراكز الشرطة تنقسم إلي أسباب مشروعة تعبر عن الشكاوي والمصاعب التي كان الناسذ  ولا يزالونذ  يعانون منها بسبب السياسات التي اتبعها النظام السابق والتي انحازت بالدرجة الأولي لصالح الأغنياء ورجال الأعمال، وأهملت الفقراء ومحدودي الدخل، وقد تفجرت آمال هؤلاء المضارين في الحصول علي حقوقهم نتيجة نجاح الثورة. كما يعتبر الفقر عاملاً محورياً في تفجير مطالب ما يقرب من نصف عدد المصريين المندرجين تحت خط الفقر الأدني الذي يعيش الفرد منهم علي أقل من دولار واحد يومياً. وإذا أضفنا البطالة التي يعاني منها ما لا يقل عن 10٪ من قوة العمل أي ما يقرب من 2.5 مليون مواطن وهم قادرون علي العمل وراغبون فيه ، ندرك حجم القوة الضاغطة علي المصريين للانفجار مطالبين بحقوقهم المشروعة في العمل والحياة.

كذلك ساعد علي تفجير مطالب المواطنين ما تمرس فيه النظام البائد من تهميشهم وتزوير إرادتهم بما يصل إلي حرمانهم فعلياً من مباشرة حقوقهم السياسية ومصادرة حقهم في الاعتراض أو الاعتصام أو الاحتجاج واستخدام القهر الأمني لسنوات طويلة لمنعهم من التعبير عن مشاكلهم . وقد ساهمت حكومات ما بعد ثورة 25 يناير في دفع الناس للمجاهرة بمطالبها بعدم توضيحها لرؤيتها في العمل لتحقيق أهداف الثورة وغياب خطة معلنة للعمل الوطني وخاصة في مجال تنشيط الاقتصاد وتعويض المواطنين عن بعض ما أصابهم طوال سنوات الحكم السابق. كما افتقد المطالبون بالحقوق وسيلة واضحة لمعرفة مدي وصول شكاواهم إلي اهتمام الحكومة و موقعها في سلم أولويات الحكومة.

وثمة عاملان مهمان أشعلا غضب المصريين وزادا في إصراهم علي مطالبهم ، أولهما ما كشفت عنه التحقيقات مع قيادات النظام السابق عن حجم الفساد المهول وثروات مصر المنهوبة ومواردها المهدرة، مما جعل رد الفعل الطبيعي عند أعداد كبيرة من المواطنين هو رغبتهم العارمة في محاولة الحصول بأنفسهم علي ما يعتقدون أنها حقوقهم المشروعة. والعامل الثاني هو القرارات المتعجلة وغير المدروسة التي تصدرها الحكومة من دون تشاور مع الأحزاب والقوي السياسية ومن دون شرحها وتوضيحها للرأي العام، مما يثير ثائرة الناس المتضررين من تلك القرارات حالة محافظ قنا. فغضب الجماهير ليس ناشئاً فقط من أسباب اقتصادية، علي أهميتها، ولكن تؤثر النوازع السياسية أيضاً في تحريك مشاعر الناس ودفعهم للاعتراض والتجمهر الذي قد يصل ، كما في حالة قنا، إلي قطع الطرق وتعطيل السكك الحديدية وغير ذلك من مظاهر الاعتراض التي يصفها البعض بأنها بدايات عصيان مدني.

وعلي الجانب الآخر، نشأ الانفلات الأمني نتيجة الغياب المشبوه لقوات الشرطة من الشارع المصري منذ يوم 28 يناير وهجرهم لأقسام الشرطة وتفريطهمذ  أو تسليمهم لأسلحتهم لعناصر البلطجية. ومن الاتهامات الموجهة إلي قيادات الشرطةذ  وبعضهم في محبسهم الآن علي ذمة التحقيق، أنهم سهلوا أو أمروا بفتح ابواب السجون وإخراج السجناء ، فضلاً عن أن ذلك الغياب الأمني أتاح الفرص لانتشار عناصر البلطجية التي كان الحزب الوطني الديمقراطي المنحل يستخدمها في إفساد عمليات الانتخابات، إلي جانب البلطجية الذين كان جهاز أمن الدولة المنحل يستخدمهم لتحقيق أغراضه في ترويع المواطنين من معارضي النظام السابق حالة الاعتداء علي القضاة في الانتخابات والاستفتاء علي التعديلات الدستورية في 2007، الاعتداء علي معارضين مثل عبد الحليم قنديل، قتل الشهيد خالد سعيد. وقد شاركت في إشعال حالات الانفلات الأمني تصرفات العناصر المناوئة للثورة من فلول الحزب الوطني الديمقراطي المنحل بتوجيه من قيادات هذا الحزب لنشر الفوضي ودفع الناس للانقلاب علي الثورة أو دفع القوات المسلحة لاتخاذ إجراءات لا تريدها مثل فرض الأحكام العرفية وتعطيل القوانين العادية وهو ما لا يريده المجلس الأعلي للقوات المسلحة. ثم كانت ثالثة الأثافي تلك الهجمة التي يقودها عناصر من التيارات السلفية وجماعات التعصب الديني من الجانبين المسلم والمسيحي، كما ظهرت في احتشاد آلاف السلفيين أمام الكاتدرائية بالعباسية ، وتظاهر آلاف المسيحيين أمام مبني التليفزيون في ماسبيرو لأيام متعددة بسبب حادث هدم كنيسة أطفيح.

هذا التمييز بين دوافع وأسباب الانفلات الأمني يقودنا إلي ضرورة التمييز بين أساليب التعامل مع تلك الظاهرة. ومن الطبيعي والمنطقي ألا يستخدم المدخل الأمني، أي استخدام القوة للتعامل مع المطالبين بحقوقهم، والتي قد لا يكون جميعها صحيحاً، وإنما يحتاج الأمر إلي تعامل عقلاني يبدأ بإعلان الحكومة برنامجاً واضحاً تبين فيه كيف ستتعامل مع تلك

المطالب والمدي الزمني المعقول لعلاجها، كذلك سيكون من المهم، والضروري، اتخاذ إجراءات اقتصادية سريعة للتخفيف من حدة مشكلات الفقر والبطالة وحالات الحرمان الشديدة التي تعاني منها غالبية المصريين، منها مثلاً الإسراع بإعلان توجهات الحكومة بشأن تحديد الحدين الأدني والأقصي للأجور وأسلوب إزالة التفاوت الرهيب بين رواتب ومكافآت القيادات في الجهاز الإداري للدولة والهيئات العامة وبنوك القطاع العام والشركات المشتركة التي تساهم فيه الدولة وبين متوسط ما يحصل عليه صغار العاملين، كما يكون من المهم ألا تلجأ الحكومة في إعداد موازنة العام القادم 2011-2012 وفق نفس الأسلوب التقليدي المعتاد كما في الظروف العادية، ولكنها مطالبة بإعداد موازنة "أزمة" تركز علي تنفيذ مجموعة من المشروعات العامة لتشغيل آلاف العاطلين وإتاحة فرص حصولهم علي دخول معقولة تسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية نتيجة ضخ قوة شرائية في الأسواق، وإلغاء كل مظاهر الإنفاق العام غير المنتج، وكذلك مراجعة كل أوجه الإنفاق الحكومي لخفضه وترشيده وتوجيه كل ما يمكن توفيره لتمويل مشروعات التنشيط الاقتصادي السريعة.

من ناحية أخري، فإن الأمر يتطلب دعم قوات الشرطة ومساندتها بتشكيلات جديدة من المواطنين الذين يتم تدريبهم علي وجه السرعة وذلك لمواجهة حالات الانفلات الأمني التي تتخذ شكل أعمال سرقة واعتداءات علي المواطنين وترويعهم ومهاجمة مواقع الإنتاج وقطع الطرق أعمال السلب والنهب واستخدام الأسلحة البيضاء والأسلحة النارية وغيرها من أشكال الخروج علي القانون والشرعية.

إن إعادة هيكلة جهاز الشرطة وزيادة قدرته علي مباشرة مهامه الأصيلة في حفظ الأمن وحماية المواطنين يقتضي إعفاء أفراد الشرطة من الأعمال غير الأمنية كأعمال الجوازات وإدارات المرور والسجل المدني واستبدال بهم مدنيين، علي أن يعاد توجيه الشرطيين للأعمال والخدمات الأمنية المؤهلين لها. كذلك سوف يحتاج ضبط الأمن وإشاعة الطمأنينة بين الناس إلي تسيير دوريات متحركة للشرطة مدعمة بعناصر من القوات المسلحة لفرض الأمن في المناطق الأكثر خطورة أو للانتقال السريع إلي مواقع حدوث اضطرابات أو تعديات علي المواطنين أو قطع الطرق وغير ذلك من أشكال الإخلال بالأمن. وسوف يكون ضرورياً التخطيط للاستفادة من قوات الأمن المركزي بشكل أفضل وذلك بوضعها تحت إشراف قيادات مختارة من أفراد الشرطة المشهود لهم بالوطنية والنقاء ، وإعادة تدريب الأفراد وتحسين مستوي التسليح المناسب للتعامل مع حالات البلطجة والاعتداء علي الأمن.

ومن المقترح الاستعانة بقدرات القوات المسلحة لدعم جهاز الشرطة، ولفترة انتقالية حتي يستعيد أفراد الشرطة لياقتهم الفنية والنفسية، وقد يقترح في هذا المجال استدعاء أعداد مناسبة من ضباط القوات المسلحة من الرتب دون رتبة اللواء والذين أحيلوا إلي التقاعد خلال السنوات الثلاث السابقة مثلا، وتشكيل قوة أمنية مساندة للشرطة مع تمييزهم بزي مختلف عن كل من الشرطة والجيش، وتنسيق مواقع عملهم في جميع المحافظات. كما قد يكون مجدياً دراسة استدعاء جانب من قوات الاحتياط للخدمة في ضبط الأمن العام، أو تأجيل النقل إلي الاحتياط وفق المادة 25 من قانون الخدمة العسكرية. ومن المفيد دراسة تشكيل كتائب " الأعمال الوطنية" من شباب الثورة وغيرهم من خريجي الجامعات والمعاهد العليا غير المشتغلين ، وتنظيمهم حسب الشروط والأوضاع المنصوص عليها في قانون الخدمة العسكرية رقم 127 لسنة 1980، واستخدام تلك الكتائب لدعم الأمن. وسوف يساعد هذا الاقتراح حال تطبيقه في التخفيف من مشكلة البطالة في ذات الوقت الذي يرفع فيه مستوي الأداء في أعمال الأمن نظراً لارتفاع المستوي العلمي والثقافي لهؤلاء الشباب.

ونري أنه من الأساليب الممكنة إعادة الاحترام والانضباط للتدريب العسكري في المدارس والجامعات، واستخدام الطلاب في فترة الإجازة الصيفية - والتي ستبدأ بعد أسابيع قليلة ذ في خدمات أمنية خفيفة تتناسب مع أعمارهم وقدراتهم بشكل يخفف العبء عن أفراد الشرطة أو يساعد في سد العجز في أعداد قوات الشرطة.

ولتوزيع المهام في حفظ الأمن سيكون مفيداً تشجيع التوسع في استخدام شركات الأمن الخاصة في شركات القطاعين العام والخاص والمؤسسات المدنية والمجمعات السكنية والعقارات والمحال التجارية والأسواق المركزية وغيرها من التجمعات البشرية، علي أن توضع ضوابط ومعايير مشددة للترخيص لتلك الشركات وضمان حسن اختيار أفراد الأمن العاملين فيها وإخضاعهم للتدريب من جانب هيئة الشرطة، ومتابعة أداء تلك الشركات والعاملين فيها واتخاذ إجراءات حاسمة لإلغاء التراخيص ومحاسبة القائمين علي إدارتها  في حالة أي انحراف أو تجاوزات تصدر عنها أو العاملين فيها. كما قد يكون مجدياً تشجيع الشركات الكبري التي تستخدم أعداداً كبيرة من العاملين لإنشاء فرق أمن خاصة بها علي أن تتولي أجهزة هيئة الشرطة تدريبهم والترخيص بأنواع التسليح المناسبة، مع استبعاد تكاليف الخدمات الأمنية الخاصة التي تتحملها من وعاء الضريبة علي الدخل.

إن حفظ الأمن وحماية المواطنين هما مسئوليتنا جميعاً حكومة وشعباً حتي نحقق أهداف الثورة ونفوت الفرص علي المتربصين بالوطن وثورته.