رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ضرورة احترام حق الشعب في المعرفة والاختيار

د.علي السلمي

الثلاثاء, 19 أبريل 2011 08:12
بقلم: أ.د. علي السلمي

 

من المتفق عليه أن ثورة 25 يناير لم تتفجر فقط  للتخلص من رأس النظام السابق ومعاونيه وحزبه الفاسد، ولكنها كانت، فضلاً عن ذلك، بغرض إسقاط سياسات ذلك النظام وأساليبه الملتوية في اتخاذ القرارات، وما كرسه من إقصاء للشعب وممثليه الحقيقيين من أحزاب وقوي سياسية ونقابات مهنية وعمالية ومنظمات المجتمع المدني. بل اعتمد النظام الساقط علي أسلوب المفاجأة وإعلان قرارات تمس مصالح الناس وتؤثر عادة بالسلب في أوضاعهم من دون سابق شرح أو توضيح، كما مارس رئيس النظام وحكوماته أسلوب العناد والامتناع عن اتخاذ قرارات يتمناها الناس أو الاستجابة إلي رغبات يطالب بها الشعب وتصب في مصلحته.

والأمل أن يتطور أسلوب اتخاذ القرارات في عهد ثورة 25 يناير ليقوم علي مبدأين أساسيين هما الشفافية والمشاركة. إن المنتظر من القائمين علي إدارة شئون البلاد خلال فترة الانتقال وعلي قمتهم المجلس الأعلي للقوات المسلحة وحكومة الثورة، وهما الهيئتان محل ثقة الشعب وتقديره والمعنيتان بإرساء البنية الأساسية لنظام ديمقراطي حقيقي، أن ترسخا لممارسة الديمقراطية والتي تتلخص في أبسط معانيها أنها الحكم بالشعب وللشعب. ومن هنا يصيبنا القلق علي مسيرة التحول الديمقراطي ونحن نتابع صدور قرارات وقوانين لم يتح لها فرصة المناقشة والحوار المجتمعي لضمان الحصول علي أعلي درجة ممكنة من التوافق الوطني حولها، وبما يسمح لها بتحقيق الأهداف المرجوة منها حال تطبيقها.

وقد تعددت أمثلة في الشهرين الماضيين علي تلك الحالة من غياب الطرح العام لقضايا محورية يهتم بها الناس والتجاوز عن إقامة حوار مجتمعي حولها، تأتي في مقدمتها التعديلات التي تم إقرارها علي بعض مواد دستور 1971 المعطل. فقد اكتفي المجلس الأعلي للقوات المسلحة برأي اللجنة المشكلة برئاسة المستشار الفاضل طارق البشري، والتي لم تتضمن تمثيلاً كافياً لذوي الاختصاص والرؤي السياسية من الأحزاب السياسية، ولم تتح فرصة مناقشة ما انتهت إليه اللجنة الموقرة وصار طرح التعديلات المقترحة منها في استفتاء شعبي جري يوم 19 مارس الماضي. وبرغم حصول التعديلات علي موافقة الأغلبية الساحقة ممن شاركوا في الاستفتاء، وهي نتيجة نحترمها، إلا أن حرمان هؤلاء المشاركين في التصويت من فرصة تفهم التعديلات ودلالاتها من خلال حوار شامل ومتصل لفترة كافية قبل الاستفتاء قد أثر بلا شك في انحيازهم إلي التصويت بـ "نعم" بتأثير دعاوي دينية ربطت بين الموافقة علي التعديلات وبين أمور إيمانية ودينية لا تتصل في الحقيقة بموضوع تلك التعديلات!

كذلك تم إقرار تعديلات في قانون الأحزاب السياسية بنفس الأسلوب الذي لم يسمح بعرض تلك التعديلات لحوار مجتمعي برغم أن أغلب التعديلات التي أدخلت علي القانون جاءت استجابة لمطالب الأحزاب والقوي السياسية علي مدي سنوات طويلة. ولكننا نؤكد علي أهمية الالتزام بمبدأ الطرح العام وإتاحة الفرص للمناقشة المجتمعية لمشروعات قوانين أو مقترحات سياسات جديدة وغيرها من الأمور التي تؤثر في حياة الناس، وذلك بغرض ضمان فرص نجاح وفعالية تلك القرارات والقوانين واستجابة الشعب لها وتفاعله معها.

واليوم نسمع عن تعديلات أعدتها اللجنة

الدستورية لقانون مباشرة الحقوق السياسية ومن المنتظر مناقشتها في مجلس الوزراء خلال أيام قليلة بعد تأجيل عرضها في الجلسة الأخيرة للمجلس يوم الأربعاء 13 ابريل، وذلك من دون إتاحة الفرصة للأحزاب والقوي السياسية وجماهير الشعب لمناقشتها وإبداء الرأي بشأنها. وبرغم أن المبدأ العام الذي نؤكد عليه هو ضرورة عدم إصدار أي قانون أو اتخاذ أي قرار له صبغة جماهيرية وتأثير علي ملايين المصريين قبل عرضه علي الرأي العام والتعرف علي اتجاهات الرأي بشأنها، فإن مشروع تعديلات قانون مباشرة الحقوق السياسية يحظي بأهمية خاصة حيث هو القانون الأساس الذي سيؤسسذ  سلباً أو إيجاباً - للمرحلة الديمقراطية القادمة بالإضافة إلي قانوني مجلسي الشعب والشوري فيما يتعلق بنظام الانتخاب.

لقد تركزت مطالب القوي السياسية في ضرورة تحويل اللجنة العليا للانتخابات إلي هيئة وطنية مستقلة دائمة تتولي إدارة كافة عمليات الانتخابات بدءاً من إنشاء الجداول الانتخابية من واقع قاعدة بيانات الرقم القومي، واتخاذ بطاقة الرقم القومي الوسيلة الوحيدة لإثبات شخصية الناخب عند التصويت، وإبعاد كافة الأجهزة الحكومية المختصة بأعمال الانتخابات عن وزارة الداخلية ونقل الإشراف عليها إلي الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات. كذلك طالبت القوي السياسية باختصاص الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات بوضع القواعد المنظمة لمتابعة منظمات المجتمع المدني للانتخابات داخل وخارج مراكز الاقتراع، وقواعد دعوة أو قبول من تري من المراقبين الخارجيين، وضع قواعد التصويت الإلكتروني في اللجان والتصويت عن بعد. كما تطالب قوي المجتمع بأن تجري انتخابات كل من مجلسي الشعب والشوري والاستفتاء تحت إشراف قضائي كامل.

من جانب آخر، فإن القوي السياسية قد أجمعت تقريباً علي ضرورة الأخذ بنظام القائمة النسبية غير المشروطة، كما تقبلت بعض القوي السياسية فكرة الأخذ بنظامي الترشيح الفردي والقوائم النسبية المفتوحة والمحدودة عن طريق الاقتراع السري المباشر. إن حسم قضية النظام الانتخابي من أهم القضايا التي يتوقف عليها نجاح التجربة الديمقراطية القادمة، وسوف تتكرر كل مثالب الانتخابات التشريعية في العهد البائد إن لم يتم تطبيق نظام القائمة النسبية سواء منفردة أو مع التمثيل الفردي لإتاحة الفرصة للمستقلين للترشح.

إن إقرار تعديلات قانون مباشرة الحقوق السياسية وقانوني مجلسي الشعب والشوري من دون عرضها علي الأحزاب وقوي المجتمع المدني للتعرف علي آرائهم بشأنها يهدد باحتمال غياب الضمانات الرئيسية التي طالبت بها قوي المعارضة قبل انتخابات مجلس الشعب المنحل في نوفمبر من العام الماضي لتحقيق النزاهة وسد منافذ التزوير والتدخلات الأمنية والإدارية التي تهدر اختيارات الناخبين وتستبدل بها نتائج مفتعلة ومصطنعة كانت تتيح للحزب الوطني الديمقراطي المنحل بالحصول علي أغلبية مزيفة تحكم

بها في شئون الوطن وأفسد الحياة السياسية من خلالها علي مدي ثلاثين عاماً. وسيكون هذا أكبر تهديد لفرص إقامة الديمقراطية المستهدفة حيث سيحدد قانون مباشرة الحقوق السياسية شكل مجلسي الشعب والشوري القادمين وهما اللذان سيقومان باختيار الجمعية التأسيسية لوضع الدستور.

وثمة مظهر آخر لغياب الشفافية والمشاركة المجتمعية يتمثل في مفاجأة الناس باختيار قيادات لها تأثير مباشر في حياتهم من دون استطلاع الرأي العام وتبين مدي قبول المرشحين شعبياً. ولعل إعلان أسماء المحافظين الجدد مثال واضح علي استمرار منهج المفاجأة وعدم إتاحة الفرص للناس للمشاركة في الاختيار. فقد بدت فورة غضب جماهيرية واسعة النطاق عقب إعلان أسماء المحافظين سواء الجدد أو القدامي المستمرين في مواقعهم أو من تبدلت مواقعهم. إن التعرف علي آراء الناس، أصحاب المصلحة الحقيقية وأصحاب هذا الوطن، ليس عيباً يقلل من قيمة متخذ القرار. بل علي العكس، فإن احترام آراء الناس وأخذ وجهات نظرهم في الاعتبار هو قمة الديمقراطية. وقد كان يمكن للحكومة إعلان الأسماء المرشحة لمناصب المحافظين ومتابعة رد الفعل الجماهيري بالنسبة لها ومراجعة الترشيحات في ضوء اتجاهات الرأي العام. كما يمكن استطلاع آراء الأحزاب والقوي السياسية والمجتمعية والتعرف علي ترشيحات تلك الأطراف المجتمعية المهمة للتوصل إلي الأسماء الأقرب إلي القبول العام، مع الاطمئنان إلي توفر الشروط والمواصفات المهنية والعلمية والقدرات الإدارية المناسبة للمنصب. ومن نافلة القول أن نفس هذا الانتقاد يطال تشكيل حكومات ما بعد 25 يناير والتي لم يؤخذ برأي الشارع المصري في شخوصها.

كذلك فإن قرار إلغاء فصل حلوان عن محافظة القاهرة و6 أكتوبر عن محافظة الجيزة، وإن كان يبدو في ظاهره تصحيحاً لقرار سبق اتخاذه استجابة لرغبة الرئيس السابق من دون أن يجرؤ أحد علي مناقشته أو مراجعته فيه، إلا أنه في ذات الوقت يدل علي آن منطق الاستئناس بالرأي العام لا يزال غائباً وأن متخذي القرارات لا يزالون يمارسون هواية النظام السابق في مفاجأة الناس بقرارات من دون اكتراث لما يصيبهم نتيجة لها من متاعب ومشكلات.

ونري اساتذة الجامعات يجأرون بالشكوي من قيادات جامعية فرضها النظام السابق وفق معيار الولاء وبناء علي تزكية جهاز أمن الدولة وبغض النظر عن تدني كفاءتهم العلمية وضعف قدراتهم القيادية، إلا أن الاستجابة إلي تلك الشكاوي أو حتي مناقشتها بشكل موضوعي لم تتم بالشكل المناسب حتي الآن، ورأينا المئات من الأساتذة يلجئون إلي التظاهر أمام المجلس الأعلي للقوات المسلحة مطالبين بتغيير هؤلاء الأشخاص غير المرغوب فيهم، ولا نعلم مدي الاستجابة إلي تلك الطلبات حتي الآن.

ولا بد من الإشارة إلي أن بعض من تم اختيارهم لشغل مناصب مهمة في الأيام الأخيرة قد يكون هناك احتمال لتعارض المصالح بالنظر إلي تداخل أنشطتهم المهنية السابقة مع مسئوليات المنصب، الأمر الذي يقتضي ضرورة الإفصاح عن الأنشطة السابقة ومدي سابق تعاملهم مع الجهات التي أسند إليهم رئاستها. كذلك ينبغي التعلم من الدروس التي تكشفت من حالات الفساد التي تحقق فيها النيابة العامة الآن والالتزام بإعلان إقرارات الذمة المالية للمعينين الجدد من وزراء ومحافظين وغيرهم من القيادات درءاً للشبهات.

إننا بعد 25 يناير لا بد وأن نتمثل غايات وأهداف ومنطق الثورة في كل تصرفاتنا، وأولي الناس بذلك هم أول الأمر الذين يتولون مهام التشريع والتنفيذ وقيادة الأمة وتدبير شئونها، حتي تأتي قراراتهم وتصرفاتهم متناسقة مع توقعات وآمال الثائرين التي تمثل الشرعية الحقيقية في مصر الآن ولحين إقرار دستور جديد وتسليم الحكم إلي سلطة مدنية منتخبة ديمقراطياً.

إن الانتقال إلي الديمقراطية لا يتحقق بين يوم وليلة، ولكنه يتطلب ممارسة وتدريباً للحكام والمحكومين علي السواء لتقبل أسسها، وأهمها الشفافية والمصارحة وفتح قنوات التواصل وفرص التعبير عن الآراء والمشاركة في اتخاذ القرارات.

وعلي الله قصد السبيل.