رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عرس الديمقراطية‮.. ‬الحزين‮!‬

د.علي السلمي

الثلاثاء, 30 نوفمبر 2010 08:59
بقلم: أ‮. ‬د‮. ‬علي‮ ‬السلمي

أكتب هذا المقال عصر الأحد 28 نوفمبر يوم إجراء انتخابات مجلس الشعب الذي أطلق عليه الإعلام الحكومي »عرس الديمقراطية«. والحقيقة أن الأعراس تشهد عادة إقبالاً وفرحاً ويسعد بها أهل الفرح وضيوفهم ويكون الكل فرحين مستبشرين. وعادة تبدأ مظاهر الفرح والعرس قبل فترة كافية من اليوم المحدد، فتجد اناس من لحظة دعوتهم لحضور العرس يستعدون ويجهزون أنغسهم لتلك المناسبة السعيدة.

وللأسف فإن عرس الانتخابات الذي دعا إليه الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم منذ ثلاثين عاماً أو يزيد قد انقلب مأتماً منذ اللحظات الأولى التي بدت فيها تباشيره. فقد رفض الحزب الحاكم الاستجابة إلى مطالب حزب الوفد بضمانات لنزاهة الانتخابات كنا نتوهم أنه سيتقبلها بصدر رحب تأكيداً لالتزامه بما وعد به الرئيس مبارك من أن الانتخابات ستكون نزيهة هذه المرة. ورغم معقولية مطالب الوفد ـ والتي أيدها أحزاب الائتلاف التجمع والناصري والجبهة الديمقراطية ـ إلا أنها لم تلق سوى آذان صماء من جانب الحزب الحاكم، واكتفى أمينه العام بالقول إن هناك توافقاً في الحزب مع تلك المطالب والتي لا يتسع الوقت لتنفيذها. وبرغم أن مطلب الوفد تمثل في أن يصدر رئيس الجمهورية قراراً بقانون يتضمن التعديلات التي رآها الوفد ضرورية في قانون مباشرة الحقوق السياسية وقانون مجلس الشعب، وأنه لم يكن هناك ذكر لتعديلات دستورية مطلوبة، فقد تكررت التأكيدات من جانب رموز الحزب الحاكم أنه لا تعديلات تشريعية ولا دستورية قبل انتخابات مجلس الشعب أو الانتخابات الرئاسية.

ولعله من المفيد أن نذكّر القارئ الكريم بمضمون تلك الضمانات ليتبين أنها تمثل الحد الأدنى الذي يمكن الارتكاز عليه كي تطمئن الأحزاب والقوى السياسية المشاركة في الانتخابات إلى توفر قدر معقول من حياد القائمين على إدارة الانتخابات، ولا نقول أن تتوفر لهم فرص متكافئة مع مرشحي الحزب الحاكم. فقد كانت أهم المطالب ـ ومن دون الدخول في تفاصيل ـ هي إعادة تشكيل اللجنة العليا للانتخابات حتى يبعد أعضاؤها عن مجالات تأثير السلطة التنفيذية ويتحقق لهم قدراً من الاستقلال يسمح لهم بممارسة صلاحياتهم بموضوعية وحياد. كذلك طالبنا أن تتم الانتخابات بنظام القائمة النسبية غير المشروطة حتى تتم الانتخابات على أساس برامج الأحزاب وليس بالتركيز على أشخاص المرشحين وعلاقاتهم بمراكز السلطة وقدراتهم المالية والعصبيات العائلية والقبلية. كذلك طالب الوفد أن يتم فرز بطاقات التصويت في ذات اللجان الفرعية بكل مجمع انتخابي منعاً لفرص التلاعب غير المرصود من جانب مندوبي المرشحين وكذا بعيداً عن أعين رؤساء اللجان من رجال القضاء. وطالب الوفد ضمن أربعة عشر مطلباً

أن توضع قوات شرطة خاصة تحت إمرة رئيس اللجنة العليا للانتخابات تتلقى منه الأوامر بشأن تأمين سلامة العملية الانتخابية وبذلك تنتفي الفرص للتدخلات الأمنية التي لا تملك اللجنة العليا شيئاً حيالها. وأخيراً فقد طالبنا بوقف حالة الطوارئ طوال فترة الانتخابات منذ الإعلان عن تقديم أوراق الترشح وحتى إعلان النتائج النهائية وذلك تمهيداً لإلغائها نهائياً.

كل تلك الضمانات المطلوبة تم التغافل عنها وأعلن عن فتح باب قبول أوراق الترشيح ولمدة خمسة أيام فقط رغم أن القانون يحدده بخمسة أيام على الأقل أي يمكن أن تكون لفترة أطول. كما ابتكرت وزارة الداخلية مطلباً غريباً تمثل في ضرورة أن تتضمن أوراق الترشيح شهادة بأن المرشح مصري الجنسية، وهو ما اعترض عليه حزب الوفد وهدد بالانسحاب من المشاركة في الانتخابات إذا تمسكت الحكومة بهذا الشرط. وكذلك تم التضييق على مجموعة الإعلانات السياسية التي بدأ الوفد في بثها عبر بعض القنوات الفضائية الخاصة بعد رفض التليفزيون المصري المملوك للشعب إذاعتها، بل تم الضغط على الفضائيات التي أذاعت تلك الإعلانات للتوقف عن بثها، ففعلت. ونتيجة لوقفة الوفد ضد تلك الممارسات فقد اضطرت الحكومة إلى إلغاء المطالبة بتقديم شهادة الجنسية المصرية وسمحت بإذاعة بعض إعلانات الوفد، كما أعلنت موافقتها على استخدام بطاقة الرقم القومي لإثبات شخصية الناخبين.

وقد كان رفض الاستجابة للضمانات التي طالب بها الوفد منذ الثامن من شهر أغسطس 2010 وما تلاها من ممارسات إشارات مبكرة على اتجاه النية لكي تأتي الانتخابات في نوفمبر على نفس الوتيرة التي جرت بها كل الانتخابات والاستفتاءات منذ يوليو 1952 باستثناء وحيد في انتخابات 1976 التي أجراها المرحوم ممدوح سالم. والمعنى أن نتيجة الانتخابات سوف تصنع على هوى وإرادة الحزب الحاكم الذي يحتكر كل السلطات وتأتمر بأوامره كل الجهات والهيئات ذات الصلة بالانتخابات.

وشهدت الأيام القليلة المتاحة للدعاية الانتخابية ـ والتي تخللتها إجازة عيد الأضحى ـ ممارسات سلبية تشهد كلها باتجاه النية للتضييق على المرشحين من غير الحزب الوطني وفي مقدمتهم مرشحو حزب الوفد.. فمن تأخير متعمد في فتح أبواب قبول أوراق المرشحين واقتصار ساعات العمل في الأيام الأولى على ساعات لا تتجاوز الثلاث  في بعض مديريات الأمن،

إلى عدم إدراج أسماء المرشحين في القوائم رغم قبول أوراقهم وتسليمهم إيصالات تدل على استكمالهم كل الأوراق المطلوبة، ثم تكاسل في إنهاء إجراءات توكيلات المرشحين لمندوبيهم إلى تأخير غير مبرر لتسليم المرشحين تصاريح المندوبين حتى يتمكنوا من مراقبة العملية الانتخابية.

وخلال فترة الانتخابات ـ وحتى قبل بدء الفترة الرسمية للدعاية الانتخابية بعد إعلان اللجنة العليا للانتخابات لقوائم المرشحين النهائية ـ فقد استمرأ الحزب الحاكم استخدام كافة إمكانيات الدولة في الدعاية لمرشحيه خاصة مجموعة الوزراء الذين استخدموا موارد وزاراتهم المالية والمادية ومساعديهم من العاملين بتلك الوزارات وهيئاتها في أعمال دعاية انتخابية صريحة وبلا مواربة. وشاركت الصحف المسماة بـ »القومية«، والتليفزيون الرسمي في تلك الحملة الدعائية لمرشحي الحزب الحاكم حتى خلنا أن الحزب الحاكم قد اشتراها وأصبحت تابعة له متحدثة بلسانه.

وحين اقترب يوم الحسم أو »عرس الديمقراطية« تصاعدت حدة الحملة الوطنية الديمقراطية على مرشحي الوفد والأحزاب والقوى المشاركة في الانتخابات ـ إلا من حظى بحماية ورعاية الحزب الوطني والمبشرين بمقاعد في المجلس الجديد ـ فقد تم اختيار المسئولين عن اللجان الفرعية من بين موظفي الوحدات المحلية ومن نفس الدوائر التي بها مرشحو الحزب الوطني، كما لم تلتزم اللجنة العليا للانتخابات بنص المادة رقم 24 (2) من قانون مباشرة الحقوق السياسية رقم 73 لسنة 1956 بضرورة الحصول على موافقة الجهات القضائية المختصة على اختيار أعضائها لرئاسة اللجان العامة للانتخابات.

وجاء يوم »العرس الديمقراطي« ليفاجأ المرشحون الوفديون بمنع دخول مندوبيهم إلى مقار اللجان الانتخابية، ورفض التصويت بالرقم القومي، كما انتشرت أعمال البلطجة راح ضحيتها ثلاثة على الأقل حتى ساعة كتابة هذا المقال، وتم الاعتداء بالضرب على مندوبات مرشحي الوفد في بعض اللجان. وقد رصدت غرفة العمليات بحزب الوفد كثيراً من شكاوى مرشحي الحزب من تلك الانتهاكات التي دفعت كثيراً منهم للتفكير في إعلان الانسحاب من الانتخابات.

وفي جميع الأحوال، فإن نتيجة الانتخابات المتوقعة تصنع على إرادة من يجريها ويتحكم فيها. والمنتظر طبعاً أن يفوز الحزب الحاكم ـ كالعادة ـ بالأغلبية، والتي يعود جانب أساسى في تمكينه منها إلى كل ما سبق ذكره من ممارسات وتدخلات اتقنها الحزب الحاكم على مدى سنوات حكمه الممتدة. كما تعود تلك الأغلبية في جانب منها إلى امتناع حزب الوفد بالدفع بكل قياداته وكوادره للترشيح حيث إن عدداً مهماً منهم قد فضلوا مقاطعة الانتخابات وأعلنوا عن ذلك يوم 19 سبتمبر 2010 حين اجتمعت الهيئة الوفدية للتصويت على قرار المشاركة أو المقاطعة، وكانت النتيجة في صالح المشاركة بأغلبية بسيطة. لذا يمكن القول أن حزب الوفد قد خاض الانتخابات بنصف قوته الضاربة فقط.

وسوف يكون على حزب الوفد ـ خاصة بعد تشكيل حكومة الظل الوفدية ـ أن يواصل مسيرته في الدفاع عن حقوق الشعب المصري والتعبير عن آماله ورغباته سواء تحت قبة البرلمان من خلال من سينجح من مرشحيه في انتخابات يوم »العرس الديمقراطي«، أو من خلال وزراء حكومته ووسائل إعلامه وقنوات تواصله مع الشعب المصري بكل طوائفه وفي جميع أنحاء الوطن.

وسيكون حزب الوفد وحكومته الحارس الأمين على مصالح المصريين والمدافع دائماً عن حقوقهم في مواجهة كل الممارسات اللا ديمقراطية التي يعيشونها منذ ثمانية وخمسين عاماً.