يا بلدنا آن الأوان

د.علي السلمي

الاثنين, 22 نوفمبر 2010 18:27
بقلم: على السلمي



عنوان هذا المقال هو الشعار الذي اختاره الوفد لحملته الإعلامية الداعية إلي تحريك الحياة السياسية وحفز المصريين للمشاركة الإيجابية وممارسة حقوقهم السياسية حتي يكون لهم صوت معدود في تقرير مصير الوطن. ومن المهم أن نسأل ما الذي يعنيه هذا الشعار "يا بلدنا آن الأوان"؟ وما هي الأمور التي آن أوانها؟ لقد آن أوان أن تعيش مصر في إطار نظام ديمقراطي يحترم حقوق المواطنين في الاختيار والمشاركة في تسيير أمور وطنهم وتكون لهم كلمة حاسمة في اختيار من يحكمهم ومساءلته ومحاسبته بل وتغييره حين لا يفي بوعوده أو حين يتصرف وكأنه المالك الأوحد للوطن وما فيه ومن فيه!

آن الأوان لإخراج مصر من أزمتها وإعادة وضعها علي طريق الديمقراطية والتنمية المستدامة والمساواة والعدالة الاجتماعية. آن الأوان كي يعترف الحزب الحاكم منذ ثلاثين عاماً بأنه المسئول عن تردي الواقع المصري بكل ما فيه من مشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية وتقنية وثقافية، وكل ما يعانيه المجتمع المصري من أوجه الضعف والقصور.

آن الأوان لتغيير المشهد السياسي الذي استمر لسنوات طويلة انفرد فيها حزب واحد بالحكم وتعطلت خلالها الآلة الديمقراطية وتوقف تداول السلطة، وتكلست عبرها المفاهيم واهتزت القيم وفقدت المعايير والقواعد والنظم معانيها الحقيقية، وتدهور الأداء الوطني في كافة المجالات وعلي جميع المستويات.

آن الأوان لتحقق مصر ما هي جديرة به من تقدم ونمو وازدهار حضاري يحاكي ما حققته شعوب أخري بفضل الحرية والديمقراطية في المقام الأول وبرغم أنها لا تملك من الإمكانيات المادية أو البشرية ما يتوفر لمصر.

آن الأوان يا بلدنا لإقامة نظام حكم ديمقراطي برلماني يقوم علي توازن السلطات ويرتكز علي دور محوري للسلطة التنفيذية [ الحكومة ورئيس مجلس الوزراء المنتخب ] التي تأتي بناء علي انتخابات ديمقراطية حــرة، ويتقلص فيه دور رئيس الجمهورية ليكون حكماً بين السلطات لا رئيساً أوحد لها جميعاً.

آن الأوان ليكون في مصر حكم ديمقراطي يتوافق مع متطلبات العصر ومتغيراته ويفتح الأبواب للمصريين جميعاً في داخل مصر وخارجها ليشاركوا في تقرير مصير الوطن .

 

آن الأوان ليكون لمصر دستور ديمقراطي جديد يتجنب تركيز السلطات في يد رئيس الجمهورية، ويؤكد ديمقراطية اختيار رئيس الدولة من بين مرشحين متعددين في انتخابات حرة وشفافة لا تقيدها أي قيود تنحاز لمرشح دون غيره، ويقصر مدة رئيس الجمهورية علي فترة محددة قابلة للتجديد مرة واحدة فقط. دستور يلغي تقسيم المصريين وتصنيفهم إلي فئات وعمال وفلاحين، بل يؤكد أنهم جميعاً سواء أمام القانون ومتساوون في الحقوق والواجبات. دستور يؤكد التعددية الحزبية وحرية تكوين الأحزاب بمجرد الإخطار ويلغي سيطرة الحزب الحاكم في الترخيص بقيام أحزاب جديدة من خلال سيطرته علي لجنة شئون الأحزاب.

آن الأوان لإعادة تفعيل دور الدولة في إدارة المجتمع في إطار مسئوليتها الدستورية عن أمن الوطن وسيادته وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين، في ذات الوقت الذي تلتزم فيه بحقوق المواطنين وحريتهم في الاختيار، وتهتم بتنسيق علاقات

التكامل والتفاعل الإيجابي البناء بين سلطاتها وأجهزتها وبين مؤسسات المجتمع المدني، وكذلك تنسق أدوار وعلاقات قطاع الأعمال العام والقطاعين الخاص والتعاوني. وأن تساهم بإيجابية في ترسيخ قيم الحرية والديمقراطية ونشر ثقافة العمل من أجل الوطن وتأكيد مفاهيم المواطنة والانتماء للوطن والتخلص من العصبيات المبنية علي النوع أو العقيدة أو الأصول الاجتماعية.

آن الأوان لتحقيق انطلاقة تنموية كبري ومستدامة بمشاركة كاملة وفاعلة من كل عناصر المجتمع وطوائفه من دون تمييز بينهم بسبب النوع أو العقيدة، وتكريس نظم متكاملة لضمان النمو الاقتصادي المستدام وعدالة توزيع عوائد التنمية والقضاء علي الفقر.

آن الأوان للقضاء علي الفساد وتقليم أظافر الاحتكار والمحتكرين وإنهاء الزواج الباطل بين السلطة ورأس المال! آن الأوان للانطلاق في تعمير مصر والخروج من الوادي القديم ونشر العمران في سيناء وصحراوات مصر وتنمية ممرات جديدة للتنمية تستثمر أكبر مساحة ممكنة من مساحة مصر وما بها من موارد وخيرات.

آن الأوان لتكون في مصر حكومة تحمي الملكية العامة لوسائل الإنتاج الأساسية التي يجب أن تحتفظ بها الدولة لحماية مصالح المواطنين، وتوقف إهدار المال العام وتحافظ علي ثروة الوطن وتحاسب المسئولين عن إهدارها أياً كانت مواقعهم ، وتلتزم بتحقيق العدالة الاجتماعية وتخضع لرقابة نواب الشعب وتلتزم بتنفيذ أحكام القضاء وتحاسب من يحاول الالتفاف حولها.

آن الأوان ليكون لمصر حكومة تواجه بحسم وعلم قضية البطالة وتأثيراتها السالبة علي حركة التنمية وما ينتج عن البطالة من توجهات نحو التعصب والإرهاب والانقلاب علي المجتمع وقيمه وأمنه. حكومة تعمل وفق برامج واضحة لخلق فرص العمل المنتج لشباب مصر الباحثين عن عمل، حكومة لا تداري عجزها وفشلها بإلقاء التبعة علي المواطنين متخفية وراء ما يسميه أهل الحكم " المشكلة السكانية" وهي في الحقيقة "مشكلة فشل التنمية"!

آن الأوان لتطبيق معايير وآليات واضحة لمحاسبة ومساءلة الحكومة وهيئاتها ووزرائها ومسئوليها عن أوجه التقصير والفشل في تحقيق أهداف التنمية ورعاية شئون الوطن والمواطنين، وأن يكون لمجلس الشعب صلاحيات حقيقية في الرقابة علي الحكومة ومساءلتها ومحاسبتها وحجب الثقة عنها.

آن الأوان لتطوير تشريعي شامل يتخلص من القوانين المقيدة للحريات والمعادية للديمقراطية وفي مقدمتها قانون الطوارئ وما قد يحل محله من قوانين يتغير اسمها ولكن تظل في الأساس سيفاً علي رقاب المواطنين تحد من حرياتهم وتهدد أمنهم بدعوي مكافحة الإرهاب. تطوير يضيف تشريعات تحمي المواطن من تعسف السلطة التنفيذية وتغول الفساد والمفسدين، وتؤكد استقلال القضاء وضمانات التقاضي وحرية المواطن وحقه في أن يحاكم أمام قاضيه الطبيعي.

آن الأوان لاحترام حقوق الإنسان المصري

وتوفير الضمانات الدستورية والتشريعية لحمايته من تغول سلطات الأمن والاعتقال وسلب الحرية وتقييد حقوقه في العمل والتعبير والانتقال والسفر والاستثمار والتملك وغيرها من الحريات والحقوق الأساسية.

آن الأوان ليكون لمصر وأبنائها منظومة تعليمية عصرية وبرامج ومناهج تعليم متطورة ونظم للتقويم وتطوير التعليم وتحسين أداء مؤسساته لا تتوقف علي رؤي الوزراء المتعاقبين للتعليم وإنما تصدر عن هيئة وطنية مستقلة لتخطيط وتقويم التعليم يختار أعضاؤها من بين الخبراء المتمرسين في قضايا التربية والتعليم ويشارك فيها ممثلون لأصحاب المصلحة من المواطنين أولياء الأمور والطلاب والمعلمين وأعضاء الإدارة التعليمية. آن الأوان ليحتل البحث العلمي مكانته الصحيحة في بناء المجتمع وصنع المستقبل، وليكون أساس بناء الخطط والمشروعات التنموية وركيزة اتخاذ القرارات، وليكون للعلماء وأصحاب الفكر العلمي صوتهم المسموع في توجيه مسيرة الوطن.

 

آن الأوان لتغيير وتطوير الواقع الاجتماعي والثقافي وأسلوب إدارة المجتمع، والعمل علي حل مشكلاته وتنمية ثرواته وقدراته، والسعي لتنظيم العلاقات وتوفير الصلاحيات لمختلف مؤسساته بالتناسب مع مسئولياتها، وتنمية الموارد البشرية والاستثمار في بناء طاقاتهم وقدراتهم الإبداعية بالتركيز علي الصحة والتعليم وتكوين المهارات وتنمية القيادات.

آن الأوان للعمل الوطني الجاد لإنهاء الاحتقان الديني والمشكلات المتكررة بين عناصر من المسلمين والمسيحيين، وإعمال مبدأ المواطنة وأن المصريين جميعاً متساوون في الحقوق والواجبات من دون النظر إلي معتقداتهم الدينية.

آن الأوان لإتاحة فرص متساوية لمشاركة المرأة والشباب بفعالية في صنع المستقبل وتحمل مسئوليات متعادلة في أداء الواجبات الوطنية، والحصول علي فرص متكافئة للعمل والنمو المجتمعي والثقافي والاقتصادي والسياسي ضمن جميع أبناء الوطن من دون تمييز بسبب النوع أو العمر.

آن الأوان لتنفيذ برامج جادة للقضاء علي العشوائية وإعادة الانضباط إلي الشارع المصري وتأكيد الالتزام بالسلوك المجتمعي الحضاري بالتربية والتعليم والتدريب ومن خلال وسائل الإعلام وبفرض الحوافز الإيجابية والسلبية المناسبة للقضاء علي تجاوزات المواطنين.

آن الأوان لتحقيق أهداف الألفية الثالثة بتخفيض الفقر إلي النصف بحلول العام 2015 تمهيداً للقضاء عليه تماماً. آن الأوان لإنهاء الأمية في مصر وتوفير مقومات التنمية البشرية المستدامة لكل المصريين. كذلك آن الأوان لاستعادة وجه مصر الحضاري وإزالة تلال القمامة من أحيائها وشوارعها!

آن الأوان ليتحقق لمصر إعلام يتمتع بالحرية والانطلاق بعيداً عن سيطرة الدولة، ولا يخضع إلا للمعايير المهنية الصادقة والقيم الأخلاقية وحكم القانون الذي يطلق حرية إصدار الصحف والمطبوعات وإنشاء القنوات الإذاعية والتليفزيونية وفق ضوابط ترعي المصلحة العامة والقيم المجتمعية ولا تنحاز فقط إلي ما يؤكد سيطرة الدولة علي وسائل التعبير.

آن الأوان ليكون لمصر صوتها وتأثيرها في المحافل الدولية واستعادة الدور المصري المؤثر في العلاقات الدولية وتأكيد استقلال القرار المصري في المواقف والمشكلات والخلافات الدولية وانطلاقه فقط من المصلحة الوطنية والقومية لمصر.

آن الأوان لتدرك إسرائيل ومن قبلها الولايات المتحدة الأمريكية أن مصر هي قلب العروبة النابض والمدافع الحريص عن حقوق الفلسطينيين في أرضهم المغتصبة، وأن مصر لن تكون مساندة لحصار إسرائيل الخانق لأهلنا في غزة وعدوانها المتواصل عليها وعلي باقي أراضي السلطة الفلسطينية، وأن مصر لن تتوقف عن مناهضة الاستعمار والاستيطان في الأراضي الفلسطينية، ولن تتواني عن مساعدة الفلسطينيين حتي يحصلوا علي دولتهم المستقلة في كل الأرض الفلسطينية وفق حدود ما قبل الخامس من يونيو 1967.

آن الأوان لتنفض مصر عن نفسها أغلال الاستبداد واحتكار السلطة وأن يعود المصريون لتملك وطنهم ويشاركونا في نهضته وينعمونا بخيراته ويتحملونا مسئولية حمايته متحررين من الخوف والقهر. آن الأوان لتعود مصر لأبنائها ويعود المصريون إلي أحضان الوطن مؤكدين صيحة الزعيم الوطني مصطفي كامل " لو لم أكن مصرياً لوددت أن أكون مصريا"، وحتي تتحقق مقولة الزعيم خالد الذكر سعد زغلول "الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة".