مصرنا.. كما نريدها

د.علي السلمي

الثلاثاء, 15 فبراير 2011 09:13
بقلم :أ. د. علي السلمي

شهد يوم الجمعة الحادي عشر من فبراير 2011 حدثاً طالما حلمنا به وكان أغلبنا يتصوره حلماً غير قابل للتحقيق من فرط تشبث الرئيس السابق بالحكم ورفضه الكامل للتخلي عن السلطة والسيطرة علي مقدرات الوطن رغم السنوات الثلاثين التي قبض فيها علي كل مقاليد الحكم والسلطة في مصر المحروسة. وفيما يشبه أحلام اليقظة كان كل مصري ومصرية يحلم بصورة مختلفة تماماً لمصر كما يتمناها، يوم تتخلص من مشكلاتها التي خلقها ورعاها الحكم الشمولي غير الديمقراطي - الذي بدأ مع نظام يوليو 1952 واستمر حتي الساعة السادسة من مساء الجمعة العظيم، ساعة أعلن عمر سليمان قرار مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية بعد خطابه مساء الخميس العاشر من فبراير الذي صدم به المصريين بإعلانه تفويض اختصاصاته لنائبه واستمراره في منصبه حتي نهاية فترة رئاسته.

ومع بداية العهد الجديد يتطلع شعب المحروسة إلي أن يكون له مشروع وطني شامل يجمع عليه جميع أبناء الوطن ويتخذوه منهاجاً للعمل الجاد من أجل إعادة بناء الوطن والارتفاع بمستوي الحياة فيه علي أسس من الديمقراطية والحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والاقتصادية وتكافؤ الفرص للجميع.

ويأتي في مقدمة أولويات مشروع مصر ما بعد 25 يناير إقامة نظام حكم ديمقراطي جمهوري برلماني يقوم علي توازن السلطات ويرتكز علي دور محوري للسلطة التنفيذية (الحكومة ورئيس مجلس الوزراء) التي تأتي بناء علي انتخابات ديمقراطية حــرة، ويتقلص فيه دور رئيس الجمهورية ليكون حكماً بين السلطات لا رئيساً أوحد لها جميعاً. كما يشمل مشروع مصر الديمقراطية والحرية إعداد دستور حديث متكامل يتفق مع معطيات النظام الديمقراطي ويتجنب كل مثالب تركيز السلطات في رئيس الجمهورية، ويؤكد اختيار رئيس الدولة من بين مرشحين متعددين في انتخابات حرة وشفافة لا تقيدها أي قيود تنحاز لمرشح دون غيره.

ويصر المصريون علي أن تكون مصر ما بعد 25 يناير دولة مدنية تلتزم القانون ويخضع جميع المواطنين لحكمه علي السواء من دون تمييز، وتختفي فيها كل مظاهر وتأثيرات العسكرة والحكم العسكري، ويشغل المدنيون المؤهلون جميع الوظائف والمناصب في أجهزة الدولة غير العسكرية. كما يؤكد المصريون حرصهم علي مبدأ تداول السلطة علي أسس ديمقراطية من خلال الالتزام بتحديد مدة شغل رئيس الجمهورية لمنصبه وقصرها علي فترة محددة قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، وأن يطبق ذات المبدأ علي جميع المناصب العامة لينتهي عصر تأبيد الجاثمين علي صدور الناس في مواقع لا يتركونها إلا جثثاً هامدة، فقد استمر حكم مبارك ثلاثين عاماً عاصره خلالها لأكثر من اثنين وعشرين عاماً فتحي سرور رئيساً لمجلس الشعب، وصفوت الشريف رئيساً لهيئة الاستعلامات ووزيراً للإعلام ثم رئيساً لمجلس الشوري وأميناً عاماً للحزب المرفوض شعبياً والذي أسقطته ثورة شباب 25 يناير، وكذلك فاروق حسني الذي احتل منصب وزير الثقافة لأكثر من عشرين عاماً هو الآخر رغم كل أخطائه وعجزه عن أن يحظي باحترام وقبول مثقفي مصر ومفكريها.

يريد المصريون نظاماً ديمقراطياً للانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية والاستفتاءات تشرف عليه هيئة وطنية مستقلة تتكون من شخصيات قضائية وقانونية محايدة وغير قابلي للعزل ولا تخضع لسيطرة أو تأثير السلطة التنفيذية. كما يريدون تعددية حزبية تنشأ فيها الأحزاب بمجرد الإخطار ومن دون تدخلات ومعوقات من جانب السلطة التنفيذية والجهات الأمنية وبشرطين لا ثالث لهما، الأول أن تلتزم بالدستور والقانون، والثاني ألا تؤسس علي أساس ديني وألا يكون لها تشكيلات عسكرية. ويريد المصريون أن  يتاح للأحزاب، علي اختلاف توجهاتها، حرية العمل والدعوة إلي أفكارها وبرامجها من دون قيود سوي الالتزام بالقيم المجتمعية والأهداف الوطنية الكبري، وإتاحة كامل الحرية للمواطنين في الاختيار والمفاضلة بين تلك الأحزاب وبرامجها وأفكارها. كما يريد المصريون أن تتم عملية تنقيح وتحديث للتشريعات بحيث تنشأ قاعدة حديثة ومتوازنة من التشريعات تحمي المواطن من تعسف السلطة التنفيذية وتغوُّل الفساد والمفسدين، وتؤكد ضمانات التقاضي وحرية المواطن وحقه في أن يحاكم أمام قاضيه الطبيعي، وتخلو من القوانين المقيدة للحريات والمعادية للديمقراطية وفي مقدمتها قانون الطوارئ.

ويريد المصريون تأكيد التلاحم غير المصطنع بين المصريين والذي أظهرته أيام الثورة الشعبية الرائعة نافية بذلك كل مقولات الإفك عن فتنة طائفية كان وراءها زبانية النظام الساقط الذين عمدوا إلي اختلاق صور الفتنة وإذكائها ليصرفوا الناس ، مسلمين ومسيحيين ، عن حقوقهم المهدرة وثرواتهم المنهوبة ومشكلاتهم التي يخلقها ويؤججها فشل نظام استولي علي الحكم بالتزوير والاستبداد لثلاثين عاماً، لذلك يصر المصريون علي إلغاء جميع صور التمييز بين المواطنين لأي سبب، فيكونون جميعاً متساوين في الحقوق والواجبات، بما لا يدع أي مبرر

لاستمرار تخصيص نسبة 50٪ للعمال والفلاحين في المجالس المنتخبة، أو تخصيص بدعة ما أطلق عليه "كوتة المرأة" في مجلس الشعب إرضاء لطموح من كانت يطلق عليها " السيدة الأولي". إن إلغاء التمييز وإعمال مبدأ المواطنة هما سبيل اختفاء الاحتقان الديني والمشكلات المتكررة بين عناصر من المسلمين والمسيحيين، وتأكيد أن المصريين جميعاً متساوون في الحقوق والواجبات وكلهم أمام القانون سواء من دون نظر إلي معتقداتهم الدينية.

إن المصريين وهم يقدمون علي بناء مصر الحرة المتحررة من الاستبداد والفساد والظلم يؤكدون علي ضرورة احترام حقوق الإنسان المصري وتوفير ضمانات دستورية وتشريعية لحمايته من تغول سلطات الأمن والاعتقال وسلب الحرية وتقييد حقوقه في العمل والتعبير والانتقال والسفر والاستثمار والتملك وغيرها من الحريات والحقوق الأساسية.

والمصريون يطالبون بمجتمع يحكمه القانون، تلغي فيه  المعتقلات إلي الأبد وينتهي فيه عصر الإرهاب الأمني والاعتقال بلا سند من قانون أو قضاء، وهم يصرون علي ضرورة الإفراج الفوري عن آلاف المعتقلين من دون محاكمة ومن كانت تصدر لهم أحكام قضائية بالبراءة ثم يعاد اعتقالهم بقرارات من وزير الداخلية السابق، كما بطالب المصريون بإلغاء سيطرة وزارة الداخلية علي السجون نهائياً ونقلها إلي إشراف هيئة وطنية مستقلة يشرف عليها قضاة.

إن تجربة فساد الحكم خلال سنوات مبارك الثلاثين وما أفرزته من فاسدين نهبوا ثروات الوطن وسلبوا أراضيه وموارده، تجعل المصريين يصرون علي ضرورة وضع معايير وقواعد وآليات واضحة لمحاسبة ومساءلة كل من تمتد يداه إلي المال العام بدءاً من رئيس الجمهورية وكافة المسئولين والمتنفذين في السلطة مهما علت مناصبهم أو كانت أقدارهم. كما يجب وضع نظم حاسمة لمحاسبة الحكومة وممثليها ووحداتها المختلفة عن أوجه التقصير والفشل في تحقيق أهداف التنمية ورعاية شئون الوطن والمواطنين، وصلاحيات كاملة لمجلس الشعب في الرقابة علي الحكومة ومساءلتها ومحاسبتها وحجب الثقة عنها، كما يجب صدور قانون لمحاكمة رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء والمحافظين وغيرهم من قيادات السلطة التنفيذية يضعهم أمام مسئولياتهم، فضلاً عن نظام فعال لمتابعة تطور الذمة المالية لهؤلاء جميعاً وكل من يشغل وظيفة عامة أو يحصل علي عضوية مجلس منتخب.

يرغب المصريون في حكومة تحمي الملكية العامة لوسائل الإنتاج الأساسية التي يجب أن تحتفظ بها الدولة لحماية مصالح المواطنين، وتطرح أفكار الخصخصة للاستفتاء العام وتنفذ ما يرضي به المصريون أصحاب تلك الثروة المطروحة للبيع، وتتقيد بالشفافية وضوابط ومعايير واضحة في إجراءات الطرح والبيع ، وتحاسب المسئولين أياً كانت مواقعهم حال الانحراف عنها، كما تحافظ علي أموال التأمينات الاجتماعية وتديرها من خلال مؤسسة وطنية مستقلة للتأمينات الاجتماعية تقوم علي استثمار فوائضها في مجالات ذات عوائد مضمونة حماية لأموال المؤمنين.

يريد المصريون أن يكون في مصر ما بعد 25 يناير نظام اقتصادي يحترم الملكية الخاصة ويتيح الفرص كاملة لمبادرات القطاع الخاص في تحمل مسئوليات التنمية في كافة المجالات، ويحتفظ بدور متناسب للقطاع العام في المجالات الاستراتيجية التي ينبغي أن تكون محلاً لتنسيق الدولة ولكن يتم إدارته وتشغيله وفق قواعد وآليات الإدارة المتطورة ومعايير السوق والكفاءة الاقتصادية، متساوياً تماماً مع القطاع الخاص في الحقوق والواجبات. يريد المصريون أن تلتزم قيادات مصر ما بعد 25 يناير بتأكيد الحق في العمل لجميع المواطنين الراغبين والقادرين علي العمل، ومواجهة قضية البطالة وتأثيراتها السالبة علي حركة التنمية والسلام الاجتماعي.

يريد المصريون منظومة إعلامية متحررة بها إعلام مرئي ومسموع ومقروء يتمتع بالحرية والانطلاق بعيداً عن سيطرة الدولة، ولا يخضع إلا للمعايير المهنية الصادقة والقيم الأخلاقية وحكم القانون الذي يطلق حرية إصدار الصحف والمطبوعات وإنشاء القنوات الإذاعية والتليفزيونية وفق ضوابط ترعي المصلحة العامة والقيم المجتمعية ولا تنحاز فقط إلي ما يؤكد سيطرة الدولة علي وسائل التعبير.

يصر المصريون علي أن تتوفر لأبنائهم منظومة تعليمية عصرية وبرامج ومناهج تعليم متطورة ونظم للتقويم وتطوير التعليم وتحسين أداء مؤسساته تصدر عن هيئة وطنية مستقلة لتخطيط وتقويم التعليم. كما يريدون أن تتقدم بلدهم علي أساس نهضة علمية وتقنية تقودها جامعات ومراكز بحثية عصرية تكافئ مثيلاتها في العالم المتقدم وتلتزم بمعايير الجودة والاعتماد المتعارف عليها دولياً.

لقد صبر المصريون وتحملوا كثيراً من العنت والظلم والقهر علي يدي مبارك وزبانيته الذي يتساقطون اليوم واحداً وراء الآخر متهمين بالسرقة ونهب المال العام وإهدار موارد الوطن وتخريب مؤسساته وهياكله الأساسية، لذا فهم مصرون علي ألا تعود عقارب الساعة إلي الوراء ابداً، ولن يسمحوا بقيام دولة الاستبداد مرة أخري، ولن يخضعوا لفرعون جديد يستذلهم كما فعل مبارك ومن سبقه عبر ستين عاماً منذ نكسة يوليو 1952.