القمم العربية..... والنفس العربية المنكسرة؟

د.علي السلمي

الثلاثاء, 25 يناير 2011 09:47
بقلم - أ.د. علي السلمي

يموج المشهد العربي بالعديد من الكوارث ويعيش المواطن العربي حالة غير مسبوقة من الإحباط عبر عنها أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى،  في كلمته أمام القمة الاقتصادية الثانية التي انعقدت يوم التاسع عشر من يناير 2011  في شرم الشيخ ،حين أوضح أن النفس العربية منكسرة بالفقر وبالبطالة والتراجع العام في المؤشرات العربية للتنمية، كما أشار إلى المشاكل السياسية التي لم نستطع حلها!

وكان انعقاد تلك القمة العربية الاقتصادية بعد خمسة أيام فقط من انتفاضة الشعب التونسي وهروب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي أحد أعضاء القمم العربية السابقين، ومع ذلك يصرح أحمد أبو الغيط وزير الخارجية المصري بأن القمة لم تتعرض للشأن التونسي لأنها قمة اقتصادية لا تتطرق إلى الشئون السياسية، وأن القمة القادمة التي ستنعقد ببغداد في مارس القادم ستتناول بالتأكيد الشأن التونسي

ولم يكن الشأن التونسي هو الموضوع العربي الوحيد الذي لم تتطرق إليه القمة الاقتصادية بشرم الشيخ، بل كان هناك الانفصال المؤكد لجنوب السودان بعد انتهاء الاستفتاء والذي تشير كل المؤشرات إلي أن الجنوبيين قد اختاروا الانفصال، والذي يبدو أيضاً أن حكومة السودان في الخرطوم ترحب به بل وتستعجله. وهناك الأوضاع المتردية في لبنان واحتمالات الصدام السياسي والتي قد تنفلت إلى صدام عسكري يعود بلبنان إلى أجواء الحرب الأهلية. واليمن يغلي بالمعارضة المتزايدة لحكم الرئيس على عبد الله صالح الذي كان يسعى إلى تعديل الدستور ليحكم مدى الحياة ثم جاءت الأنباء أنه قد تراجع عن هذا المشروع بعد انتفاضة الشعب التونسي. كذلك تتصاعد المطالب لانفصال جنوب اليمن مرة أخرى عن اليمن الموحد. والعراق لا يزال يرزح تحت ضغط الانفلات الأمني وتتوالى أعمال العنف والقتل والتدمير بحيث لا يتوقع أبداً أن يأمن الرؤساء والملوك العرب على أنفسهم ويغامروا بعقد القمة العربية القادمة في بغداد.

وشهدت الأسابيع الماضية تواتر إعلان عدة دول في أمريكا اللاتينية اعترافها بالدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس، كما يتردد أن دولاً أوروبية في طريقها إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فضلاً عن أن روسيا قد أكدت اعترافها وتمسكها بما سبق إعلانه أيام الاتحاد السوفييتي السابق. ورغم ذلك التأييد الدولي المتصاعد للقضية الفلسطينية وحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، لم يجد القادة العرب في قمتهم بشرم الشيخ ما يدعوهم لمناقشة قضية فلسطين السليبة والأرض العربية المنهوبة والاستعلاء الإسرائيلي ورفض الصهاينة كل محاولات الاستجداء العربي من أجل قبول المبادرة العربية التي أطلقها القادة العرب في قمة بيروت عام 2002. وأشك أن السلطة الفلسطينية ذاتها، والذي غاب رئيسها عن تلك القمة، لا تبدي حماساً لذلك التأييد الدولي وتخشى إعلان قيام الدولة الفلسطينية خوفاً من تهديد إسرائيل وأمريكا أن إعلان تلك الدولة من طرف واحد سيترتب عليه عقاب شديد!

وقد انعقدت القمة الاقتصادية في

شرم الشيخ ومصر لم تتعاف بعد من آثار حادث التفجير بكنيسة القديسين بالإسكندرية وما ترتب عليه من إطلاق حالة غير مسبوقة من الغضب من جانب مسيحيي مصر ومسلميها الذين يرفضون كل أشكال التمييز التي أنتجت حالة من الاحتقان الطائفي تهدد بفتنة طائفية تغذيها وتنفخ فيها كل أسباب الاحتقان المجتمعي الناتج من غياب الديمقراطية وتزوير الانتخابات وإقصاء الحزب الحاكم لجميع معارضيه وانفراده بالسيطرة على السلطتين التنفيذية والتشريعية، مع تراكم مشكلات الفقر والبطالة وتردي الأحوال المعيشية لملايين المصريين  مسلمين ومسيحيين  وتغوًل الفساد وانتشاره.

والغريب أن المجتمعين في قمة شرم الشيخ "الاقتصادية" من رؤساء وملوك وقادة عرب قد فاتهم أن ما يتباحثون فيه من مشكلات "اقتصادية" تعود بالدرجة الأولى إلى أسباب سياسية تتعلق بنظم الحكم في الوطن العربي التي هي أبعد ما تكون عن تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وعدالة توزيع الدخول والثروات بين المواطنين. إن انشغال النظم الحاكمة في الوطن العربي بتأمين الحكم وتأكيد الاستمرار في السلطة والعزوف عن التطبيق الحقيقي للديمقراطية القائمة على تداول السلطة وحرية المواطنين في اختيار من يمثلهم ومن يحكمهم هي أهم أسباب مشكلات الفقر والبطالة وتردي الخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطنون في القرن الواحد والعشرين.

ومن العجيب في أمر القمم العربية أنها على مدى السنوات منذ 1946 تاريخ انعقاد القمة الأولى التي دعا إليها ملك مصر السابق فاروق ، عقد القادة العرب 33 قمة عربية، بينها 22 قمة عادية و11 قمة طارئة، إلى جانب قمة اقتصادية واحدة بالكويت في يناير 2009 والقمة الاقتصادية الثانية التي انعقدت في شرم الشيخ منذ أيام. وتبنت هذه القمم 300  قرار أتحدى أن يكون أياً منها قد دخل حيز التنفيذ أو كان له تأثير ملموس في أوضاع الوطن العربي وحياة العرب. بل على العكس، أكرر مرة أخرى قول عمرو موسى وهو يعدد ما أنجز من قرارات القمة الاقتصادية الأولى التي عقدت في الكويت " أنني ولو كنت أركز على الجزء الممتلئ من الكوب فلست أتجاهل ولا أقلل من خطورة الجزء الفارغ منه وخاصة بالنسبة لصالح الأغلبية التي تطحنها عجلات الفقر والبطالة والتهميش". ولست أدري ماذا كان رد فعل القادة العرب وهم يستمعون إلى  تلك الكلمات تنطلق كالرصاص من فم أمين عام الجامعة العربية، كما أتساءل كم من السنوات يحتاجها القادة العرب وكم قمة يحتاجون لعقدها حتى تصلهم الرسالة ويفهمون حالة أوطانهم ومواطنيهم ويجنبون

أنفسهم وشعوبهم المصير التونسي ؟

لقد عقد القادة العرب العديد من القمم وصفت جميعها بأنها " تاريخية"، يقال في بعضها أنها تهدف إلى تنقية الأجواء العربية، وتوصف قمم أخرى بأنها تبحث في الشأن العربي وإزالة أسباب الخلافات العربية ذ العربية، وقمم أخرى صدرت عنها مبادرات لحل القضية الفلسطينية ، ومع ذلك فإن المشهد العربي يزداد سوءاً والخلافات العربية ذ العربية تتصاعد وتتأزم العلاقات بين الدول العربية بحيث يقاطع بعض الزعماء العرب تلك القمم. وفي القمة الأخيرة في شرم الشيخ غاب عنها أقدم الرؤساء العرب معمر القذافي ربما لأن باقي الزعماء لم يشاركوه ذ صراحة على الأقل ذ حزنه البالغ على إقصاء الرئيس التونسي الهارب ولم يؤيدوا لومه للشعب التونسي أنهم لم يصبروا ثلاثة أعوام كان بن علي سيغادر قصر قرطاج بعدها كما أعلن في خطابه الأخير قبل هروبه بيومين.

والسؤال المنطقي الذي يدور في ذهن كل عربي، بعد أن أنهى الزعماء قمتهم الرابعة والثلاثين، هو ما الذي ينتظر تحقيقه على أرض الواقع لتحسين أحوال الشعوب، بخلاف الشعب الكويتي فقط الذي حصل على مكرمة أميرية سخية لا يحلم بها باقي شعوب العالم العربي، ؟ والإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى مراجعة سريعة لما أنتجته تلك القمة التي وصفت ب"الاقتصادية". لقد اقتصر الأمر على ما أطلق عليه "إعلان شرم الشيخ" والذي تضمن مجموعة من الأمنيات وترديد لشعارات وأقوال مرسلة من نوع "الالتزام الكامل بالاستراتيجيات التنموية والفكر الاقتصادي المتطور الذي تم إقراره في قمة الكويت 2009".  وكذلك أشار إعلان شرم الشيخ إلى" أهمية الارتقاء بمستوى معيشة المواطن العربي"،  والالتزام بإتاحة الفرص أمام الشباب العربي لتمكينهم من المشاركة الفاعلة في المجتمع وتوفير فرص العمل لهم بما يمكن أن يسهم في خفض معدلات الفقر، ومستويات البطالة.."، وشعارات أخرى كثيرة من دون أن يتطرق الإعلان إلى قرارات اتخذها القادة لتفعيل تلك النوايا التي لا تغني ولا تسمن من جوع.

فالقادة العرب في قمتهم الاقتصادية الثانية، وبينما أوطانهم تغلي وتفور بانتفاضات المعارضين وفي مقدمتهم الشباب، لم يتخذوا قراراً بتفعيل السوق العربية المشتركة، ولم يقرروا إنشاء منطقة نقدية موحدة وإطلاق العملة العربية الموحدة، ولم يتخذوا إجراءات حقيقية لإلغاء نظام الكفيل وفتح أبواب العمل للقوى العاملة العربية في دول الخليج وإحلالهم محل العمالة الآسيوية، أو على الأقل إعطاؤهم الأفضلية، كذلك لم يتخذ القادة قراراً بإلغاء تأشيرات الدخول إلى دولهم لمواطني الدول العربية، ولا اتخذ القادة قراراً بتخصيص  عدة مليارات من الدولارات لتكوين شركات عربية مشتركة لاستثمار وزراعة ملايين الأفدنة القابلة للزراعة في السودان وإتاحة فرص العمل لملايين العمال الزراعيين من مصر وغيرها من الدول العربية المصدرة للقوى العاملة.

ونعود للقضية التي حرص المجتمعون في شرم الشيخ على تفادي الحديث عنها، ولو في العلن على الأقل، وهي انتفاضة الشعب التونسي ومدى قابليتها للتكرار في أوطان عربية أخرى، ونقول: إن المشهد التونسي قد فرض نفسه على الواقع العربي وعلى القادة العرب تدارك أسباب الاحتقان الشعبي في بلدانهم والإعلان عن برامج حقيقية للإصلاح السياسي والدستوري ودعم شبكات الضمان الاجتماعي وتحقيق العدالة الاجتماعية قبل فوات الأوان..  إن القادة العرب مدعوون لتأمل كلمات أمين جامعتهم والعمل بسرعة لإزالة أسباب الفقر والبطالة والتهميش، حتى تجبر النفوس العربية المنكسرة.

وعلى القادة العرب عدم الانتظار لحين انعقاد القمة القادمة في مارس حتى لا يكون عليهم ليس فقط مناقشة الشأن التونسي وإنما مناقشة شئون كثير من الدول العربية التي ستحذو شعوبها حذو الشعب التونسي البطل.

اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد.