مأساة كنيسة الإسكندرية‮... ‬ونظرية‮ "‬الماس الكهربائي‮"‬

د.علي السلمي

الثلاثاء, 11 يناير 2011 19:08
بقلم د- على السلمى

كانت جريمة التفجير في‮ ‬كنيسة القديسين بالإسكندرية فجر أول أيام العام الجديد ضربة قاسية نجحت في‮ ‬سحب انتباه المصريين من قضية تزوير الانتخابات التشريعية وتحويله بعيداً‮ ‬عن الوضع الغريب الذي‮ ‬نتج عن تلك الانتخابات بوجود مجلس شعب أحادي‮ ‬الاتجاه‮ ‬يسيطر عليه الحزب الوطني‮ ‬الديمقراطي‮ ‬سيطرة كاملة من دون أي‮ ‬صوت معارض‮. ‬ومن الأمور المسكوت عنها في‮ ‬كل ما‮ ‬يكتب عن واقعة الإسكندرية هو مدي استفادة الحزب الوطني‮ ‬وأهل الحكم بشكل عام من هذا الحدث الذي‮ ‬صرف الأنظار عما جري في‮ ‬انتخابات مجلس الشعب وغيرها من المشكلات والأزمات المجتمعية‮!‬

 

وإذا كان الانشغال الوطني‮ ‬العام بجريمة قتل مواطنين وهم في‮ ‬كنيسة‮ ‬يصلون ويحتفلون بحلول عام جديد قد فجّر‮ ‬غضب المصريين مسيحيين ومسلمين،‮ ‬فإن هذا الغضب‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يتجه في‮ ‬الأساس إلي من تسبب في‮ ‬خلق الظروف التي‮ ‬ساعدت علي زيادة الاحتقان الوطني‮ ‬وليس فقط الاحتقان الطائفي‮. ‬إن ما تشكو منه مصر ليس مجرد مطالب للمسيحيين لا تلتفت إليها الدولة مما جعلهم‮ ‬يشعرون بغياب تكافؤ الفرص وأنهم‮ ‬غرباء في‮ ‬وطنهم،‮ ‬وإنما الحقيقة أن المصريين جميعاً‮ ‬وضمنهم الأغلبية المسلمة‮ ‬يعانون من ذات السياسات التي‮ ‬أدت إلي تهميشهم وحرمانهم من المشاركة في‮ ‬تقرير مصير الوطن،‮ ‬كما حرمت أغلبية المواطنين من الحصول علي حقوقهم المشروعة‮.‬

إن الاحتقان الطائفي‮ ‬بين جماعات من المصريين المتشددين‮ - ‬مسلمين ومسيحيين‮ - ‬هو في‮ ‬الحقيقة نتاج سياسات وممارسات خاطئة استمرت سنوات طويلة تمثلت في‮ ‬غياب استراتيجيات واضحة ومدروسة لتطوير التعليم في‮ ‬جميع المراحل،‮ ‬وتعددت في‮ ‬السنوات الماضية‮ - ‬وحتي الآن ـ تجارب‮ ‬غير مدروسة في‮ ‬إدخال تغييرات علي نظم التعليم بتعدد وزراء التربية والتعليم بحيث تتغير السياسات والنظم مع قدوم كل وزير جديد ثم تنتهي‮ ‬بتركه الوزارة‮. ‬وقد شاهدنا جميعاً‮ ‬محاولات التطوير الوهمية للتعليم التي‮ ‬رعاها الحزب الوطني‮ ‬الديمقراطي‮ ‬وعقد لها المؤتمرات وأصدر عنها أوراقا عرضت في‮ ‬مؤتمراته السنوية والعامة وهلل لها المستفيدون الذين كانوا سرعان ما‮ ‬ينقلبون علي ذلك التطوير بمجرد تغيير الوزير وقدوم آخر بتطوير جديد‮. ‬

وعلي مر السنين أهمل الحزب الحاكم وحكوماته ووزراء التعليم المتعاقبون الاهتمام بدراسة المناهج ومحتوياتها الفكرية وما تصبه في‮ ‬أذهان الطلاب من مختلف الأعمار من أفكار ومفاهيم تشجع علي التعصب وتنمي‮ ‬فيهم رفض الآخر‮. ‬كما لم‮ ‬ينتبه الحزب وحكوماته ووزراؤه إلي المعلمين وما أصابهم من تغيير فكري‮ ‬وما‮ ‬يتعرضون له من مشكلات اقتصادية واجتماعية جعلت الكثيرين منهم ـ وفي‮ ‬غياب الإدارة التعليمية السليمة في‮ ‬العديد من المدارس ـ‮ ‬‭ ‬ينصرفون عن واجباتهم الأساسية والاهتمام بدورهم التربوي‮ ‬في‮ ‬المدارس،‮ ‬وانخرطوا في‮ ‬طلب الكسب السريع من خلال إعطاء الدروس الخصوصية في‮ ‬البيوت وفي‮ ‬المراكز المنتشرة في‮ ‬كل الأنحاء بعيداً‮ ‬عن المكان الحقيقي‮ ‬للتعليم وهو المدرسة‮.‬

وفي‮ ‬ظل هذا التهافت في‮ ‬العملية التعليمية،‮ ‬نمت أنماط من السلوك السلبي‮ ‬بين الطلاب من محاولات للغش الجماعي‮ ‬إلي اعتداءات متبادلة فيما بينهم تطورت لتصبح اعتداءات علي المعلمين أنفسهم،‮ ‬وانتشر تعاطي‮ ‬المخدرات في‮ ‬المدارس،‮ ‬وانهارت القيم الأخلاقية وسادت بين الجميع لغة سوقية متدنية مليئة بألفاظ وتعبيرات لا تنتمي‮ ‬إلي ثقافة وتقاليد هذا الوطن العريق‮.‬

وإلي جانب انهيار العملية التعليمية

في‮ ‬المدارس،‮ ‬فقد أصاب الوهن والتفكك منظومة التعليم الجامعي‮ ‬وتم استلاب حقوق أعضاء هيئات التدريس في‮ ‬اختيار العمداء ورؤساء الأقسام بإلغاء نظام الانتخاب وفرض التعيين كأسلوب تتحكم به الدولة في‮ ‬اختيار‮ ‬غير المناوئين لسياساتها رؤساء للجامعات وعمداء للكليات‮. ‬وتمادت الدولة في‮ ‬التعدي‮ ‬علي حقوق أعضاء هيئات التدريس بالتدخل في‮ ‬انتخابات الأندية الخاصة بهم وعمدت إلي حل كثير من مجالس إدارة الأندية بالطريق الإداري‮ ‬وتعيين مجالس تتماشي مع أهواء أهل السلطة والحكم‮. ‬كما حرم الطلاب من إجراء انتخابات حرة ونزيهة لاختيار ممثليهم في‮ ‬الاتحادات الطلابية،‮ ‬وعاني الطلاب من ذات الآفات الانتخابية التي‮ ‬ابتدعها الحزب الحاكم في‮ ‬كل الانتخابات التشريعية من الاعتراض علي المرشحين من ذوي‮ ‬الاتجاهات المعارضة لسياساته والتلاعب في‮ ‬العملية الانتخابية واصطناع مشكلات تدعو الطلاب الجادين إلي الانسحاب من الانتخابات فيتم تعيين أعضاء الاتحادات بقرارات من عمداء الكليات‮.‬

وتتواصل عمليات خلق الاحتقان الوطني‮ ‬لتطال النقابات المهنية التي‮ ‬فرضت الحراسة علي بعضها لسنوات طويلة وتعطل إجراء انتخابات مجالسها لسنوات لتعقيدات إدارية مقصودة من جانب المعينين حراساً‮ ‬عليها،‮ ‬ثم تصدر الدولة القانون رقم‮ ‬100‭ ‬لسنة‮ ‬1993‭.‬‮ ‬والذي‮ ‬رفضته أغلب النقابات وعارضه المهنيون لسنوات طويلة وساهم في‮ ‬تعطيل الحياة النقابية السليمة حتي حكمت المحكمة الدستورية الأسبوع الماضي‮ ‬بعدم دستوريته‮. ‬فقد نصت المادة الثانية من القانون المذكور علي أنه‮ "‬يشترط لصحة انتخاب النقيب وأعضاء مجلس النقابة العامة أو الفرعية تصويت نصف عدد أعضاء الجمعية العمومية المقيدة أسماؤهم في‮ ‬جداول النقابة ممن لهم حق الانتخاب علي الأقل‮ ‬،‮ ‬طبقاً‮ ‬لأحكام قانون كل نقابة‮ .‬فإذا لم‮ ‬يتوافر هذا النصاب حتي نهاية عملية الانتخاب‮ ‬،‮ ‬يدعي أعضاء الجمعية العمومية إلي اجتماع ثان خلال أسبوعين‮ ‬،‮ ‬ويكون الانتخاب في‮ ‬هذه المرة صحيحاً‮ ‬بتصويت ثلث عدد الأعضاء علي الأقل ممن لهم حق الانتخاب‮ .‬فإذا لم‮ ‬يتوافر النصاب المنصوص عليه في‮ ‬الفقرة السابقة‮ ‬يستمر النقيب ومجلس النقابة في‮ ‬مباشرة اختصاصاتهما لمدة ثلاثة أشهر فقط ويدعي أعضاء الجمعية العمومية خلال هذه المدة لانتخاب النقيب أو مجلس النقابة بذات الطريقة‮ ‬،‮ ‬ويكون الانتخاب صحيحاً‮ ‬باكتمال النصاب المنصوص عليه في‮ ‬الفقرة السابقة‮". ‬

ولنا أن نتخيل كيف‮ ‬يمكن تحقيق هذا الشرط في‮ ‬حالة نقابة مثل التجاريين أو المحامين أو المعلمين والتي‮ ‬تتجاوز أرقام العضوية في‮ ‬كل منها أكثر من نصف مليون عضو،‮ ‬فكيف‮ ‬يمكن تجميع ربع مليون‮ ‬50٪‮ ‬أو مائة وخمسين ألف عضو‮ ‬33٪لتحقيق اكتمال النصاب حتي‮ ‬يتم انتخاب نقيب ومجلس نقابة مهنية،‮ ‬في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬لا‮ ‬يشترط فيه هذا الشرط في‮ ‬انتخابات رئيس الجمهورية أو الانتخابات التشريعية أو المحلية‮! ‬ففي‮ ‬الانتخابات الرئاسية في‮ ‬2005‭. ‬لم‮ ‬يصل عدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم إلي نصف أو ثلث عدد من لهم حق

التصويت،‮ ‬وكذلك في‮ ‬جميع الانتخابات التشريعية‮!‬

وفي‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يتم فيه تشكيل شخصيات الطلاب علي‮ ‬غير أساس علمي‮ ‬أو أخلاقي‮ ‬سليم،‮ ‬وتسهم برامج التعليم المتخلفة وأساليبه المتردية في‮ ‬تشويه أفكارهم وتعجز عن حمايتهم من مخاطر التطرف والتعصب والانفلات من إطار القيم المجتمعية والتقاليد والأخلاق،‮ ‬فقد تعاونت الممارسات‮ ‬غير الديمقراطية للدولة وأجهزتها في‮ ‬خنق حرية الاختيار وتعطيل فرص المهنيين‮ - ‬وأغلبهم من الشباب المتطلع إلي مستقبل أفضل‮ - ‬مما دفع الكثيرين منهم للارتماء في‮ ‬أحضان جماعات متشددة وكان ذلك في‮ ‬البداية درءاً‮ ‬لتغوّل السلطات عليهم ثم تطور الأمر ليصبح انتقاماً‮ ‬من السلطة،‮ ‬وأخيراً‮ ‬يصل البعض منهم إلي حالة الانقلاب علي المجتمع وأطيافه وقيمه وتقاليده‮.‬

وثالثة الأثافي‮ ‬هو الإعلام المنفلت،‮ ‬فالإعلام الرسمي‮ ‬الذي‮ ‬تسيطر عليه الدولة‮ - ‬أو إن شئت قل الحزب الوطني‮ ‬الديمقراطي‮ - ‬يسرف في‮ ‬تجاهل الواقع ويتغافل عن المصائب والكوارث التي‮ ‬تصيب المواطنين،‮ ‬ويجتهد في‮ ‬تبرير الأخطاء والإشادة بالمسئولين أياً‮ ‬كان تدني‮ ‬مستويات كفاءتهم،‮ ‬ويبالغ‮ ‬في‮ ‬محاولات تجميل الواقع وتزييف الحقائق‮. ‬والنتيجة أن فقد المواطنون ثقتهم في‮ ‬هذا الإعلام وانصرفوا عنه تماماً‮ ‬بحثاً‮ ‬عن الحقائق ليقعوا فريسة الشائعات والأقاويل‮ ‬غير المنضبطة‮ ‬يروّجها أطراف‮ ‬ينشدون أهدافاً‮ ‬خاصة لا تتصل بمصالح الوطن والمواطنين،‮ ‬بل هم‮ ‬ينشرون الفتن بين المواطنين ليتمكنوا من السيطرة وتحقيق برامجهم وأهدافهم علي حساب الوطن واستقراره ومستقبله‮.‬

وتنشأ وسائل إعلام خاصة سميت بالمستقلة‮ - ‬وأكثرها‮ ‬يعمل بتوجيهات من أجهزة في‮ ‬الدولة لتلهي‮ ‬الناس عن مشاكلهم وتعمل ليل نهار علي بث المتهافت والغث من البرامج وتحشد فيها كل مبتذل ورخيص من ألوان الغناء والتمثيل التي‮ ‬يتبرأ منها الفن الصحيح‮. ‬وتبدأ لعبة القنوات الفضائية الدينية ـ علي الجانبين الإسلامي‮ ‬والمسيحي‮ ‬ـ تنثر الفتاوي الهزيلة من‮ ‬غير المختصين،‮ ‬وتثير الفتن وتشجع علي التعصب والطائفية،‮ ‬والدولة وأجهزتها في‮ ‬غياب أو قل‮ ‬غيبوبة‮.‬

وتلعب المؤسسة الدينية الرسمية علي الجانبين الإسلامي‮ ‬والمسيحي‮ ‬دوراً‮ ‬ظاهرياً‮ ‬لا‮ ‬يتجاوز الزيارات المتبادلة بين رموز الجانبين للتهنئة بالأعياد وحضور حفلات الإفطار الرمضاني‮ ‬تقيمها الكنيسة أو حضور شيوخ الإسلام قداس عيد الميلاد في‮ ‬الكاتدرائية،‮ ‬ويتعانق الشيوخ والقساوسة ويتبادلون القبلات،‮ ‬من دون أن تعني المؤسستان الدينيتان‮ - ‬الأزهر والكنيسة‮ - ‬بدراسة الواقع وتحليل أسباب الاحتقان الوطني‮ - ‬والاحتقان الطائفي‮ ‬بعضاً‮ ‬منه‮ -‬،‮ ‬ومصارحة الدولة بأخطائها والقيام بدور إيجابي‮ ‬لإعادة هيكلة منظومة القيم الدينية والاجتماعية لإعلاء قيمة المواطنة الحقة‮.‬

والمحصلة التي‮ ‬لا بد من توقعها لكل هذا الفشل الحكومي‮ ‬هو انهيار القيم المجتمعية وانفلات السلوك العام وانتشار العشوائية الفكرية والضحالة العقلية لملايين البشر في‮ ‬هذا الوطن المغلوب علي أمره حتي تقع الواقعات من أحداث الخانكة في‮ ‬نوفمبر عام‮ ‬1972‭ ‬مروراً‮ ‬بأحداث الزاوية الحمراء في‮ ‬نفس الشهر والعام ثم حادثة الكشح‮ ‬يوم‮ ‬31ديسمبر‮ ‬1999‭.‬ونجع حمادي‮ ‬ليلة عيد الميلاد العام الماضي‮ ‬2010‭.‬‮ ‬وانتهاء‮ ‬بحادثة الإسكندرية ليلة الأول من‮ ‬يناير‮ ‬2011‭.‬‮ ‬وعلي الرغم من أن قانون الطوارئ كان سارياً‮ ‬في‮ ‬البلاد منذ العام‮ ‬1981ولا‮ ‬يزال‮ - ‬إلا أنه لم‮ ‬ينجح في‮ ‬منع أي‮ ‬من تلك الأحداث رغم الزعم الحكومي‮ ‬أنه ما فرض إلا لمواجهة الإرهاب والمخدرات‮!!!‬

وكالعادة،‮ ‬وبمنطق نظرية‮ "‬الماس الكهربائي‮" ‬المتهم دائماً‮ ‬في‮ ‬حوادث الحريق التي‮ ‬تلتهم مستندات وملفات القضايا المهمة أوتخفي‮ ‬آثار اختلاسات في‮ ‬مخازن الشركات الكبري أو تهيل التراب علي سرقات المتاحف والمناطق الأثرية أو علي الأقل التي‮ ‬تنشأ نتيجة للجهل والإهمال من جانب المسئولين،‮ ‬فإن الدولة تحاول التنصل من مسئوليتها عن كل تلك المصائب بنسبتها إلي‮ »‬أياد خارجية‮« ‬تهدد أمن مصر‮. ‬فمن السهل إلقاء التبعة علي تلك الأيادي‮ ‬أو الأصابع الخارجية‮ ‬غير المحددة ليغلق الملف بعد حين‮ ‬يطول أو‮ ‬يقصر،‮ ‬ثم تبقي الأمور علي ما هي‮ ‬عليه إلي أن تقع الواقعة التالية ليتكرر نفس السيناريو الهزيل‮. ‬وأخبراً،‮ ‬فإنه إن لم‮ ‬يتم التعامل بصراحة مع مسببات الاحتقان الوطني‮ ‬والطائفي،‮ ‬سيظل الوطن في‮ ‬خطر‮. ‬والله نسأل أن‮ ‬يحمي‮ ‬مصر وشعبها،‮ ‬ويلهم حكامها بديلاً‮ ‬ناجعاً‮ ‬عن‮ " ‬الماس الكهربائي‮".‬